في الوقت الذي لم يمض على تولي الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش لمهام منصبة سوى أقل من ثلاثة أشهر تعالت أصوات الجدل الثائر حاليا داخل جنبات مجتمع الأعمال الأمريكي، حول الدور المنتظر من بوش الابن في إنعاش حركة التجارة الإلكترونية حيث زادت جرعة هذا الجدل قبل أن يتمم الرئيس الجديد يومه المائة داخل المكتب البيضاوي حيث يرى المراقبون أن الأمر بات لزاما على صاحب البيت الأبيض أن يرسم لنفسه وإدارته استراتيجية واضحة في هذا المجال. وفي استعراضنا لعوامل إذكاء هذا الجدل نجد أن هناك رأياً لجناح يؤكد تفاؤله بتحقيق التجارة الإلكترونية لنمو صحي خلال فترة ولاية إدارة بوش على الرغم من تحفظ البعض منهم على تلك الإجراءات التي أمر بوش بتنفيذها فور وصوله إلى البيت الأبيض والتي أدت إلى حالة من الكساد والتراجع الاقتصادي وهو الأمر الذي قد لا يخدم نمو التجارة الإلكترونية و يعيق من نموها المتوقع. وفي هذا الإطار يقول بوب اتكينسون مدير مشروع التكنولوجيا و الاقتصاد الجديد في معهد السياسات التقدمية الأمريكي الذي يحظى بدعم وتأييد الديمقراطيين «إن قطاع التجارة الإلكترونية لا شك وأنه سيشهد تطورا و نموا تحت إدارة بوش الابن إلا أن هذا التطور لن يصل إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من نمو محتمل» إلا أن البعض يؤيد رأيا يؤمن بأن التجارة الإلكترونية تمثل تيارا وتوجها عالميا يمتلك من الزخم ما يمكنه من النمو بغض النظر عن التأثير المنتظر من الساكن الجديد للبيت الأبيض ويعضدون رأيهم هذا بمنطق أن التجارة الإلكترونية قدمت للعالم أسلوبا جديدا للبيع ستعمل الشركات و المؤسسات على استخدامه و تطوير قدراتهم فيه مع مرور الوقت . وربما تكون الميزانية التي قد تقدم بها الرئيس الأمريكي للسنة المالية 2002 هي السبب وراء ذلك النقاش و الجدل حول نوايا الرئيس الجديد فيما يخص دعم التجارة الإلكترونية ضمن خطته الاقتصادية حيث تباينت ردود أفعال مجتمع الأعمال الأمريكي تجاه تلك الميزانية التي بلغ حجمها الإجمالي تريليوني دولار التي تضمن فقرة حول تمديد حجم الائتمان الضريبي لعمليات البحث والتطوير وهو الأمر الذي قوبل باستحسان وترحيب بالغين من قبل القائمين على صناعة تقنية المعلومات إلا أن الرئيس الأمريكي الجديد اقترح في نفس الوقت تقليص الميزانية المخصصة لمشروعات الأبحاث و التطوير لكل من وزارة الاقتصاد وبرنامج التكنولوجيا المتطورة. وقد كان قرار بوش بخفض ميزانية التمويل لمكتب براءات الاختراع و العلامات التجارية الأمريكي واحدا من العوامل التي أثارت حفيظة قطاع تقنية المعلومات في الوقت الذي يعتقد فيه المراقبون في حاجة المكتب إلى زيادة ميزانيته و ليس الاقتطاع منها من أجل تقليص فترة الخمسة وعشرين شهرا التي يستغرقها المكتب في تطوير براءة اختراع جديدة في حين يؤكد القائمون على المكتب صعوبة نوعية العمل الذي يضطلع به و تعقيدها مما يتطلب زيادة الجرعة التمويلية وليس العكس . وربما يرى البعض أن كل ما تقدم إنما يسير في اتجاه قناعة معينة لدى الرئيس الأمريكي و استراتيجية خاصة يهدف من خلالها أن يقلل من دور الحكومة وتدخلها المباشر في ساحة التجارة الإلكترونية لكي يفسح المجال لهذه الصناعة الجديدة للنمو من خلال زخم خاص تطوره الصناعة لنفسها بنفسها إلا أن هناك من أراء المراقبين ما يدفع بعدك جدوى تلك السياسة في تأكيد على أن هذا التوجه لن يؤدي إلى أية منفعة حقيقية للاقتصاد الجديد. ويؤكد عدد من المحللين أن الرئيس جورج بوش الابن لا يملك تلك ا لنزعة في التدخل التنظيمي التي سيطرت على نظيره السابق بيل كلينتون في إشارة إلى حديثه الدائم حول قدرات التطور و التنظيم الذاتية و التي تعني في جوهرها إتاحة الفرصة للشركات وكيانات الأعمال لإثبات نجاحها أو مواجهة الفشل بناء على قدرة تلك الشركات على ملاقاة متطلبات السوق والمستهلكين في حين يؤكد فريق آخر حاجة الاقتصاد الناشئ في بيئة الإنترنت لمظلة من الدعم الحكومي من أجل ضمان حمايته خلال فترات نموه الأولى . من ناحية أخرى أكد المراقبون أن الساكن الجديد للبيت الأبيض لن يتمكن من الاحتفاظ بنفس القدر من التحفظ و ا لحرص على عدم التدخل في الاقتصاد الجديد خلال الفترة المقبلة على الرغم من قناعة البعض بأن الإدارة الأمريكية لا تعول على الاقتصاد الرقمي كأحد الدعامات الهامة للنمو الاقتصادي للولايات المتحدة حيث تكهن هؤلاء المراقبون بأن جورج بوش الابن سيواجه ضغوطا متزايدة خلال فترة تتراوح ما بين ثمانية عشر شهرا إلى عامين ستجبره على التخلي عن عقيدته في هذا الاتجاه و تلزمه بالتدخل و اتخاذ خطوات عملية على طريق التخطيط التنظيمي للتجارة الإلكترونية. ومع تطور و نمو الاقتصاد الرقمي حول العالم أصبح هناك فريقان الأول لمن تمكنوا من جني الثمار اليانعة لهذا النموذج الاقتصادي و الأخر لهؤلاء ممن دهمت قاطرة التطور السريع مصالحهم تحت عجلاتها القاسية وهو الفريق الذي سيشكل في الأساس قوة الضغط الرئيسية على الرئيس الأمريكي للمطالبة بتدخله و إدارته و اتخاذ التدابير اللازمة التي من شأنها مساعدتهم في التغلب على أزماتهم والتي يرى المراقبون أن طريقها الوحيد هو إقرار عدد من الإجراءات المعززة لمشروع الحكومة الإلكترونية داخل الولايات المتحدة. وتعد قضية التجارة الحرة واحدة من القضايا التي تشغل بال المراقبين خاصة مع اختيار الرئيس بوش لدونالد إفانز لتولي مهام وزير التجارة في إدارته الجديدة وذلك لما هو معروف عن إفانز من فتوره تجاه تشجيع التجارة الحرة ووجهة نظر المراقبين تقول بأن وزارة التجارة من الممكن أن يكون لها أثرها الإيجابي على عملية نمو و تطور التجارة الإلكترونية داخل الولايات المتحدة ولكن إلى الحد الذي لا يتعارض مع تحرير التجارة بشكل عام في حين تتمتع الإدارة الأمريكية على توسيع رقعة أسواقها حول العالم. ويضيف المحللون أنه إذا ما أبقت الإدارة الأمريكية الجديدة على صلفها و عدم التعاون في طرح سياساتها الحمائية على مائدة التفاوض فإن ذلك سيكون له أثره السلبي البالغ على توجهات تحرير التجارة العالمية خلال السنوات الأربع المقبلة الامر الذي سيشكل مصدر ازعاج حقيقي وعميق للشركات العاملة في حقل التكنولوجيا على وجه الخصوص وقد يكون هناك عدد من القضايا الأخرى التي لابد و أن تنتبه إليها الإدار ة الأمريكية في هذا الصدد و من بينها استخدام تشريعات و قوانين لها طابع العالمية لتنظيم حركة التجارة الإلكترونية حول العالم في حين تشير الدلائل إلى إمكانية إصدار دول الاتحاد الأوروبي لتشريعات من شأنها تخويل السلطة لقوانين البلاد المستقبلة للبضائع في السيطرة والتحكم في سير عمليات المبادلات التجارية الخارجية التي تتم عبر نموذج التجارة الإلكترونية. ويتساءل المراقبون حول إمكانية تقبل الولايات المتحدة لهذه الإجراءات التي تعني مسئولية الشركات الأمريكية للتوافق مع قوانين مئات الدول حول العالم في الوقت الذي يؤكد فيه المراقبون أن الرئيس الجديد للولايات المتحدة لا يتمتع بنفس القدر من الليونة في تقبل الاتفاقات الدولية التي قد تمس من قريب أو بعيد سيادة الولايات المتحدة و قدرة واشنطن على تنظيم التبادلات التجارية التي تجري على أرضها. ولكن السؤال الحقيقي في تلك الناحية لا يتركز على إمكانية قبول الولايات المتحدة لمثل هذه الاتفاقية الدولية أو رفضها ولكن السؤال هو كيف ستحاول واشنطن الحيلولة دون خروج مثل هذه الاتفاقية إلى النور وإن كان هناك من المتخصصين من يرى أن إمكانية إصدار الاتحاد الأوروبي لمثل هذا التشريع أمر ليس باليسير و من الناحية العملية فعلى أرض الواقع نجد أن رصيد الولايات المتحدة من قوانين حماية المستهلك يتمتع بأرض أكثر صلابة من القوانين المماثلة لدى دول الاتحاد الأوروبي مما يؤكد عدم تغيير الشركات الأمريكية لأسلوب عملها حتى في حالة صدور مثل هذا التشريع الذي يتطلب وصوله إلى قدر عميق من التأثير تطبيق كافة دول الاتحاد الأوروبي له. ومن بين الموضوعات الأخرى ذات الصلة بقضية التجارة الإلكترونية داخل بلاد العم سام والتي من المنتظر أن تصل اليها تأثيرات توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة موضوع شبكات الإنترنت فائقة السرعة وتوفيرها للمجتمع الأمريكي وكذلك موضوعات الخصوصية الشخصية وتقسيمات الضرائب وضرائب البيع عبر الإنترنت والتي لن تشكل نقطة قلق حقيقية طالما بقى المستهلكون على معدلات شرائهم الحالية عبر الإنترنت إلا أنه حال استمرار التراجع الحالي في الاقتصاد الأمريكي فإن هذا بلا شك سيترك آثاره السلبية على شركات الإنترنت.