لاشك ان الدواء سلعة حيوية ترتبط ارتباطا وثيقا بصحة الانسان، ولا ينبغي التعامل مع الدواء على انه سلعة تجارية بل ينبغي توخي كل الحذر والحرص عند التعامل معه لماله من ابعاد انسانية واجتماعية، خطيرة فالانسان يستطيع الاستغناء عن آلاف السلع ولكنه لا يستطيع الاستغناء عن دواء واحد يحتاج اليه. صناعة الدواء في الامارات والتي بدأت تأخذ مسارا يضعها على خريطة الصناعات الدوائية القوية في المنطقة العربية سوف تواجه تحديات خطيرة نتيجة للمتغيرات الدولية التي نشأت عن اتفاقيات تحرير التجارة العالمية ولعل اهم هذه الاتفاقيات والتي لها تأثير مباشر على صناعة الدواء هي اتفاقية «الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية»، وهي احد ملاحق اتفاقية تحرير التجارة المعروفة باسم الجات والتي انضمت اليها الامارات في 10 ابريل 1996 وتم تطبيق احكامها اعتبارا من اول يناير عام 2000 إلا فيما يتعلق بالأدوية. قبل التعرض لتأثير هذه الاتفاقية على صناعة الدواء المحلية، علينا ان نتعرف في البداية على ماهية ا لدواء وطبيعة ونوعية الادوية التي يتم انتاجها في الامارات. التعريف العلمي للدواء هو انه «اي مادة كيميائية من اصل نباتي او حيواني او معدنى، طبيعية او تخليقية تستعمل في علاج امراض الانسان او الوقاية منها وتشخيصها. صناعة الدواء هي صناعة بحثية تعتمد على الابحاث العلمية بالدرجة الأولى فتبدأ هذه الصناعة في المعامل حيث تقوم شركات الادوية العملاقة باجراء الابحاث والتجارب العلمية حتى يتم اكتشاف مجموعة من المركبات يرجح ان يكون لها فاعلية معينة ضد مرض معين. ويتم انتقاء مجموعة المركبات الواعدة والتي تجرى عليها المزيد من الفحوص وتحاليل السمية وتقدير الخواص الصيدلانية وعلاقاتها مع مكونات الجسم وغيرها من الفحوص والاختبارات المعملية المعقدة مع استبعاد المركبات التي لها تأثيرات غير مرغوب فيها. وتستمر عملية الانتقاء والاستبعاد حتى يتم اختيار اكثر المركبات فاعلية ضد مرض معين فتبدأ تجربته على حيوانات المعامل الى ان يتم اختيار افضل المركبات من ناحية اقصى فاعلية وادنى آثار جانبية. هذا المركب هو الدواء والذي يصنع بأي شكل من الاشكال الصيدلية المتعارف عليها مثل الاقراص والكبسولات وغيرها من الاشكال المتوافرة بالصيدليات. دورة انتاج الدواء منذ بدء اكتشافه وحتى وقت ظهوره في الاسواق تستغرق عادة من 5 الى 7 سنوات وقد تزيد عن ذلك في حالات خاصة. العلاقة بين الدواء والملكية الفكرية علاقة وثيقة، وفي الحقيقة فان تعبير «الملكية الفكرية» تعبير واسع يشمل في نطاقه كل انواع الابداع الفكري سواء كان ادبيا او فنيا او صناعيا او تجاريا لكن الافضل في مجال الادوية استعمال انواع الملكية الصناعية التي ترتبط بها مباشرة وهي براءات الاختراع والعلامات التجارية. وفي اطار نقاش نقل التكنولوجيا سوف نقتصر على براءات الاختراع اذ ان دور العلامات التجارية تجاريا بالدرجة الأولى ولا ترتبط بنقل التكنولوجيا الا في حدود ضيقة جدا تتعلق بالتراخيص باستغلال علامة معينة. براءات الاختراع هي اجازة ومنحة من الدولة الى المخترع نظير جهده وابداعه، هذه الاجازة تبيح له حق احتكار استغلال اختراعه ومنع الغير من تقليده لمدة محدودة تتجدد سنويا وهي مدة البراءة. وتنتهي هذه الاجازة بانتهاء مدة البراءة او بسقوطها ي الملك العام قبل انتهاء مدتها لعدم التزام المخترع بالتجديد السنوي مثلا. كما ان براءة الاختراع لها نطاق جغرافي محدد بحدود الدولة المانحة ومعنى هذا انه لا يجوز لمخترع امريكي ان يطالب بحقوق احتكار في دولة الامارات استنادا الى براءة اختراع امريكية ولكن ما يعتد به داخل الامارات هو براءة الاختراع الممنوحة من الامارات. وقد قسمت الادوية الى أربعة اقسام رئيسية طبقا لمدى خضوعها لقوانين براءات الاختراع على النطاق العالمي وهذه المجاميع هي: ـ العقاقير الاساسية Generic/ Essential Drugs وهي العقاقير التي تحددها منظمة ا لصحة العالمية التابعة لهيئة الامم المتحدة وتصدر نشرة بها وهذه المجموعة طبقا لنشرة عام 1999 تشمل 27 مجموعة وكل مجموعة بها 10 مركبات في المتوسط، هذه العقاقير غير خاضعة لاي حقوق خاصة بقوانين براءات الاختراع في اي مكان في العالم. ـ مجموعة عقاقير كانت تتمتع بحماية وفقا لقوانين براءات الاختراع في دولة واحدة او اكثر من دول العالم وانتهت مدة حمايتها او سقطت في الملك العام. ـ مجموعة عقاقير تنتهي مدة حمايتها في الفترة من 1995 الى 2000 وهي عقاقير حديثة نسبيا ومازال بعضها يتمتع بالحماية. ـ مجموعة العقاقير التي تتمتع بالحماية وفقا لقوانين براءات الاختراع وظهرت بعد عام 1995، اي في ظل اتفاقية التريبس. ويلاحظ ان ادوية المجموعة الأولى والثانية تمثل حوالي 90% من الادوية المتداولة وغير خاضعة لحقوق الملكية الصناعية، المجموعة الثالثة تمثل حوالي 8% اما المجموعة الرابعة فلا تزيد على 2% وهي الادوية الحديثة جدا والمتوقع زيادة اسعارها بدرجة كبيرة. وجاءت اتفاقية التريبس بعدة أحكام خاصة بالملكية الفكرية بصفة عامة ولعل أهمها زيادة مدة براءة الاختراع من 15 سنة (طبقا لقانون البراءات الاتحادي رقم 44 لسنة 1992) لتكون 20 عاماً، كما أن الحماية تنصب على المركب ذاته وليس على طريقة تحضيره كما هو الحال في قانون البراءات الحالي. ولما كان قانون البراءات الاتحادي الحالي لايحمي المركبات الصيدلية وانما يحمي طريقة صنعها فقد وضعت الاتفاقية آلية يتم بموجبها ايداع طلبات البراءات التي تتعلق بالمركبات الصيدلية وتحفظ هذه الطلبات دون فحص فيما يسمى (الصندوق الأسود أو صندوق البريد) لحين انتهاء الفترة الانتقالية اي 1 يناير 2005 ثم تفحص بعد ذلك وتتمتع بمدة حماية 20 عاماً من تاريخ الطلب. ولقد أضافت المادة 70 (9) من اتفاقية التريبس بعدا إضافيا لبراءات الاختراع حيث اباحت لصاحب الطلب الذي أودع طلبا في الصندوق الأسود وفقا لاتفاقية التريبس في دولة الامارات مثلا، ان يتقدم طلب للحصول على حقوق التسويق المطلقة Exclusive Marketing Rights بشرط ان يكون قد حصل على براءة اختراع في بلد الأصل العضو في المنظمة، وان يكون قد حصل على موافقة الجهات الصحية وحق تسويق المنتج في بلد الأصل وحصل على حق تسويق المنتج في دولة الامارات، فاذا استوفى هذه الشروط يحصل على حق التسويق المطلق لهذا المستحضر لمدة خمس سنوات ويحق له منع اي طرف ثالث من تسويق أو بيع هذا المنتج الى ان يتم منح أو رفض منح براءة الاختراع عن هذا المنتج في دولة الامارات. ولبيان مدى أهمية هاتين المادتين سنفترض ان هناك دواء قدم عنه طلب براءة اختراع في عام 1995 وحفظ في الصندوق الأسود. وفي عام 2000 تمكنت الشركة الطالبة من الحصول على براءة اختراع في بلد الأصل كما تمكنت من الحصول على حقوق تسويق هذا الدواء في بلد الأصل ومن ثم حصلت على حق التسويق في دولة الامارات، في هذه الحالة يحق للشركة طلب الحصول على حقوق التسويق المطلقة لهذا المركب ومنع اية شركة وطنية من انتاج هذا المنتج بأية طريقة كانت على الرغم من عدم حصول هذه الشركة على براءة اختراع عن طلبها المقدم في الصندوق الأسود وتظل الشركة محتكرة تسويق هذا المتنج لحين الفصل في طلب براءة الاختراع الذي تقدمت به. وفي هذه الفترة تتعالى الصرخات التي يطلقها العاملون بشركات الادوية عن تطبيق الاتفاقية واثرها السيء على صناعة الدواء الوطنية. وعلينا ان نواجه الواقع فتطبيق الاتفاقية سوف يؤثر على شركات الادوية التي تقوم بانتاج الادوية الحديثة التي تتمتع بالحماية وفقا لقانون براءات الاختراع الاتحادي رقم 44 لسنة 1992 ولكن على شركات الادوية الوطنية ان تبدأ على الفور في استغلال براءات الاختراع التي سقطت في الملك العام لأي سبب من الأسباب بوصفها السبيل الوحيد لنقل تكنولوجيا صناعة الدواء المتقدمة تدريجيا الى دولة الامارات. يوجد الملايين من براءات الاختراع التي سقطت في الملك العام اي انها ملك لكل من يستطيع استغلالها دون الرجوع الى صاحبها على الاطلاق أو الحصول على اذن مسبق منه. والأهم من ذلك انه يمكن لشركات الادوية الوطنية ان تستغل براءات الاختراع الصادرة بالخارج والتي أشهر عنها في اية وسيلة من وسائل النشر مثل النشرات المطبوعة أو شبكة الانترنت وذلك لعدم تمتعها بالحماية في دولة الامارات بالاضافة الى فقدها لعنصر الجدية الذي يمنع تقديم طلب براءة اختراع مناظر في دولة الامارات بعد النشر عنها في اي مكان في العالم. ينبغي على الشركات الوطنية أيضا ان تتجه الى التوسع في انتاج الادوية الاساسية التي تصدر في نشرات منظمة الصحة العالمية بالاضافة الى الادوية التي سقطت براءات الاختراع الخاصة بها في الملك العام إما لانتهاء مدة الحماية أو لعدم التجديد أو لاي سبب آخر مع التركيز بصفة خاصة على تصنيع الخامات الدوائية ذاتها دون الاعتماد على الاستيراد من الشركات المحتكرة. نحن لانقلل من أثر اتفاقية التريبس على صناعة الدواء الوطنية وانما اردنا توضيح أثرها وكيف انه يرتبط بالادوية الجديدة فقط والتي تم اختراعها بعد عام 1995 وبعضها لم يطرح في الأسواق بعد. كما نحذر ايضا من استغلال اتفاقية التريبس للضغط على شركات الأدوية بمطالبتها بالامتناع عن انتاج ادوية معينة بادعاد انها «خاضعة للملكية الفكرية» دون اي سند من الحقيقة أو الواقع. الادوية التي يمتنع على شركات الادوية الوطنية انتاجها هي تلك التي تتمتع بالحماية وفقا لقانون البراءات بدولة الامارات اما الادوية التي تتمتع بالحماية في اية دولة اخرى فهذه الادوية يمكن انتاجها طالما انها غير مسجلة بدولة الامارات اذا توصلت الشركة لسر صناعتها. وفي كل الاحوال لابد ان تلجأ شركات الادوية الوطنية الى المتخصصين في هذا المجال مثل مكتب براءات الاختراع الوطني أو وكلاء تسجيل براءات الاختراع الوطنيين وذلك لاستشارتهم قبل اتخاذ اي قرار في هذه الفترة الحرجة حمد محمد بن كدفور المهيري