تناولنا في الحلقة السابقة اشكاليات الاوضاع الاقتصادية في الامارات واشرنا إلى ان التجزئة الاقتصادية هي احدى هذه الاشكاليات. واكدنا على ان تلك الاشكاليات تركت آثارا وانعكاسات سلبية على مسيرة العمل الاقتصادي الوطني، الامر الذي يتطلب تدخلاً حقيقياً من قبل مؤسسات الدولة المعنية واصحاب القرار الاقتصادي وذلك لترميم الواقع الاقتصادي وتصحيح الاوضاع الاقتصادية. وبداية التصحيح الناجح هو التشخيص الدقيق، وبداية العلاج هي مواجهة نتائج التشخيص. وكانت التجزئة الاقتصادية احدى معطيات السنوات الـ 29 الماضية. هذه حقيقة بارزة اكدتها المظاهر التالية: اولاً: تغليب التوجه الاقتصادي المحلي على حساب التوجه الاقتصادي الاتحادي، حيث ان ممارسات كل امارة وسياساتها الاقتصادية والاستثمارية والتجارية متباينة فيما بينها من ناحية، ومتباينة مع السياسات الاقتصادية العامة للدولة من ناحية اخرى. فكل امارة اصبحت تشرع في سن قوانينها وتشريعاتها الاقتصادية وخططها بمعزل عن الاهداف الاقتصادية للدولة. معتمدة في سياستها هذه على ما نص عليه دستور الدولة بأحقية كل امارة من الامارات المكونة للدولة الاتحادية في ادارة شئونها الداخلية والمالية، وفي هذا الاطار نجد ان كل امارة شرعت في رسم سياساتها الاقتصادية والتنموية بمعزل عن باقي الامارات الاخرى، ودون التنسيق مع المؤسسات الاقتصادية، وتتسم تلك السياسات بانها سياسات منفصلة عن السياسات الاقتصادية، وقد قامت كل امارة بتأسيس دوائر اقتصادية انيط بها اصدار التشريعات الاقتصادية وتنفيذها ووضع البرامج والسياسات الاقتصادية وتنفيذها بعد الموافقة عليها من قبل السلطة المحلية، وقد عزز من هذا الاتجاه عدم وجود خطة اقتصادية على مستوى الدولة الاتحادية او استراتيجية للتنمية تحدد مسارات العمل الاقتصادي في الدولة، وربما كان للدور المحلي او الاتجاهات المحلية الاثر المباشر في تعطيل الخطة التنموية الخمسية الوحيدة التي تم الاعداد لها من قبل وزارة التخطيط وذلك للسنوات (1981 ـ 1985) والتي تم تعطيل العمل بها على الرغم من اهميتها، الامر الذي دفع بالامارات إلى وضع خطط منفصلة، ودوائر محلية معنية بالشأن الاقتصادي فيما تضاءل دور الوزارات الاتحادية المعنية بالشأن الاقتصادي وخاصة وزارتي الاقتصاد والتخطيط وقد كان لهذا التوجه من قبل الحكومات المحلية الاثر في تكريس التجزئة الاقتصادية والتجارية، ورسم سياسات مالية واقتصادية تركت آثارها على مسيرة العمل الاقتصادي الاتحادي. ثانياً: غياب التنسيق والتكامل الاقتصادي بين امارات الدولة على الرغم من الدعوة إلى ضرورة التكامل والتعاون والتنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وعلى الرغم من مطالبة كل دول وشعوب منطقة مجلس التعاون بتنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تم اقرارها في اجتماع قمة دول التعاون في عام 1981، وهنا نجد ان هذا التباين بين دعوة التعاون على صعيد دول المنطقة فيما نجد ان التعاون يتضاءل ويتراجع على صعيد الامارات. ولتأكيد ذلك نجد ان هناك عقبات تواجه انتقال الايدي العاملة المواطنة في سوق العمل في امارات الدولة، حيث تجد العمالة المواطنة صعوبات خمة وتخضع لاعتبارات غير موضوعية عند الاختيار او التعيين في شركات ودوائر الامارات على الرغم من وجود عمالة غير مواطنة وتقل في كثير من الاحيان في مستواها العلمي والفني عن مستوى ابناء الدولة القادمين من امارات اخرى!! وهذا يحدث في الوقت الذي تعاني بعض الامارات من بطالة في اوساط الخريجين المؤهلين، فيما تعاني امارات اخرى من كثافة العمالة الوافدة مع شحة او نقص في عمالتها.. وتبرز التجزئة الاقتصادية في عدم الاستفادة من العمالة المواطنة لكونها تحمل جوازات سفر صادرة من امارات اخرى. اما القضية الاخرى فتتمثل في حرية انسيابية رأس المال.. بين امارات الدولة، اذ في الوقت الذي تتنافس الامارات على استقطاب الاستثمارات الاجنبية وتمنح تسهيلات لرؤوس الاموال الاجنبية وفي الوقت الذي تنادي منظومة مجلس التعاون باهمية حرية رأس المال بين دول المجلس نجد ان رأس المال او الاستثمارات الوطنية تصطدم بواقع تشريعات محلية تفرض في بعض الاحيان كفيلاً للمستثمر الوطني القادم من امارة اخرى!! الامر الذي يعد تجاوزا واضحاً للاعراف والاسس المعمول بها في سوق الامارات، وتناقضاً غريباً لمنطق الاستثمار الوطني، ولحركة رأس المال الوطني الذي يحقق الاستقرار ويضمن التنمية وهذا الامر يشكل صورة متناقضة للسياسة الاستثمارية ولسياسة التوطين اللتان تناديان بهما الاجهزة او المؤسسات المعنية، بل ان تلك التجاوزات والتناقضات تكرس حقيقة التجزئة الاقتصادية التي يعاني منها سوق العمل والاستثمار في الدولة بل ويعرقل من مسيرة التنمية الاقتصادية التي يجب ان تكون احد الاهداف الرئيسية للدولة. ثالثاً: ان وجود انظمة وقوانين وتشريعات وقرارات ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي يتم اتخاذها على صعيد كل امارة وتكون منفصلة عن بعضها البعض، او تكون متنافرة عن سياق العمل الاقتصادي الاتحادي ومتناقضة في بعض الاحيان مع القوانين والتشريعات الاقتصادية الاتحادية انما يشكل ذلك تعطيلاً واضحاً للسياسات الاقتصادية للدولة ولمسيرة العمل الوطني على صعيد الاقتصاد والتنمية ويعد ذلك تكريساً لتجزئة اقتصادية وتجارية لها انعكاساتها السلبية الخطيرة على المجتمع الاقتصادي والتجاري بالدولة بل ان وجود تلك التشريعات المحلية المتناقضة مع التشريعات الاتحادية انما يشكل تعطيلا لمشاريع الوحدة الاقتصادية على صعيد الدولة لاسيما اذا تم تغليب المصلحة الآنية للامارة على مصلحة الدولة ولاسيما اذا تم كانت قوة نفاذ التشريعات المحلية اكبر من قوة نفاذ التشريعات الاتحادية!! وهذا يشكل صورة اخرى للتجزئة الاقتصادية والتجارية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني.. رابعا: ان ازدواجية المشاريع في الامارات ولاسيما الاقتصادية منها قد شكلت صورة اخرى للتجزئة الاقتصادية بالدولة وقد كان لغياب الرؤية الاقتصاية الموحدة على صعيد الدولة وغياب النظرة المستقبلية للعمل الوطني وغياب العمل الاستراتيجي الاقتصادي عوامل مساعدة لتعزيز هذه الصورة، حيث انفردت كل امارة بمشاريعها الاقتصادية التي في كثير من الاحيان وصلت الى مرحلة الفشل أو الافلاس، ولعل الكم الكبير من الشركات والمصارف التي اسست بمراسيم محلية ولم تخضع لدراسات الجدوى الاقتصادية ولم تؤسس من قبل جهات اتحادية لدليل على صورة التجزئة الاقتصادية التي لم تعزز الاوضاع الاقتصادية في الدولة ولم تخدم مسيرة التنمية الاقتصادية بقدر ما اثرت سلبا على مسيرة العمل والتنمية بالدولة خاصة وان معظم هذه المشاريع تعاني من ضعف في قاعدتها الرأسمالية، ومحدودية في امكانيات الادارية والفنية حيث لم تقم على أسس سليمة كما يجب. كما ان معظم هذه الشركات والمؤسسات او المشاريع لم تأت بناء على حاجة حقيقية في الاقتصاد وانما جاءت من منطلق تسجيل الحضور المحلي لامارات الدولة على خارطة النشاط الاقتصادي!! لذا فمن الطبيعي ان تعاني هذه المشاريع من خسائر.. ومن الطبيعي ان تتكبد امارات الدولة خسائر هذه المشاريع ومن الطبيعي ان تنعكس تلك الخسائر وتلك الاوضاع على سمعة الاقتصاد الوطني!! خامسا: ان التنافس فيما بين امارات الدولة على استقطاب الاستثمارات الاجنبية في ظل غياب قوانين منظمة للاستثمار الاجنبي في الدولة وتحديد مجالاته انما يؤكد هذا التنافس على صورة أخرى للتجزئة الاقتصادية التي اصبحت احدى الظواهر البارزة في الاقتصاد الوطني، اذ ان التنافس هذا لم يكن من منطلق حاجة الاقتصاد الوطني لنوعية تلك الاستثمارات او رؤوس الاموال الاجنبية بقدر ما كان هذا التنافس في ابراز موقع الامارة في الساحة العالمية على حساب موقع الدولة ومركزها، ويؤكد العدد الكبير للمناطق الحرة في الدولة والذي يصل عددها الى تسع مناطق هذا التنافس حيث تتسابق كل امارة في منح تسهيلات تأخذ شكل المضاربة فيما بين امارات الدولة على الرغم من ان هذا العدد يعتبر كبيرا جدا قياسا بحجم سوق الامارات وامكانياتها.. كذلك اخذ هذا التنافس بعداً آخر ويتمثل في قيام موانيء الامارات بمنح تسهيلات امام حركة التجارة والشحن دون ان تكون هناك سياسة موحدة وانما تأخذ تلك التسهيلات شكل المضاربة هذا في الوقت الذي يجب فيه تنظيم حركة الاستيراد والتصدير ومنع السلع الضارة من دخول سوق الامارات، وهذا الأمر ينسحب ايضا في حركة الترخيص للمشاريع الاجنبية حيث تتنافس امارات الدولة وفي ظل غياب القوانين المنظمة على منح تسهيلات لها انعكاساتها على الاوضاع الاقتصادية في الدولة. واذا كان فيما سبق يشكل ظواهر للتجزئة الاقتصادية في الدولة، فان لهذه التجزئة بمظاهرها المختلفة اثارا وانعكاسات سلبية على مختلف اوضاعنا التجارية والاقتصادية والاجتماعية والامنية سوف نأتي اليها في الحلقة المقبلة. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي