أثرت برامج وسياسات الخصخصة على أوضاع الزراعة العربية ومقترحات التنسيق والتعاون بين الدول العربية للتكيف مع الآثار المتوقعة لبرامج الخصخصة. حول هذا الموضوع أنجزت المنظمة العربية للتنمية الزراعية (مقر القاهرة) دراسة اقتصادية متخصصة حديثة حصلت (البيان) على نسخة منها. في البداية يعترف مدير عام المنظمة العربية للتنمية الزراعية الدكتور يحيى بكور أن تطبيق برامج الخصخصة أسفرت عن عدد من الآثار الايجابية والسلبية منبها إلى أن السير في تطبيق تلك البرامج دون مراعاة أو تقدير لكل من الأثار الايجابية أو السلبية بمختلف الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والعمل على تعظيم الأولى منها وتلافي أو تدنية الثانية يمكن أن يسفر عن مخاطر بالغة على أوضاع القطاع الزراعي ومسارات التنمية الزراعية العربية. ويقول بكور أن الخطورة تكمن في أن الخصخصة تمس المؤسسات والهيئات التي تمثل مرافق ومقومات أساسية للعملية الانتاجية أو تقدم خدمات مساندة رئيسية للقطاع العريض من صغار المنتجين، وفقراء المزارعين موضحا أن غالبية الدول العربية مارست بشكل أو بآخر الاصلاحات الاقتصادية والتعديلات الهيكلية سعيا منها لمواكبة المتغيرات والمستجدات الاقليمية والدولية لكن من جانب آخر اتجهت الدول العربية لمحاولة التغلب على ما واجهته في نهاية السبعينات وخلال الثمانينات من الأثر التراكمى للعديد من المشكلات الاقتصادية والخارجية والعمل على تعزيز معدلات الاداء التنموي الحقيقي مشيرا الى أن برامج الاصلاح الاقتصادي. والتكيف الهيكلى في الوطن العربي تضمنت توجهات حثيثة نحو تقليص الدور المباشر للدولة في ممارسة العديد من الأنشطة الانتاجية والخدمية. واعطاء الدور الأكبر في هذا الشأن للقطاع الخاص وتعميق دوره في شتى مجالات التنمية لمختلف القطاعات الاقتصادية. ويؤكد أن أهمية الدراسة ترجع الى ضرورة طرح حقيقة الخصخصة في القطاع الزراعي وتحليل وتقويم السياسات الزراعية العربية خاصة مايتعلق ببرامج الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلى فضلا عن الوصول الى رؤية مشتركة حول كيفية ادارة برامج الخصخصة في القطاع الزراعي بشكل رشيد يحقق أفضل النتائج. وتحض الدراسة على أهمية التكامل وتنمية الصادرات العربية البيئية وتنسق السياسات الزراعية للحد من الازدواجية التنموية أو التضارب في الأسواق الداخلية والخارجية، وضمان حرية التنقل وانسياب رؤوس الأموال والموارد بما يكفل التوليف الأمثل لها على الصعيد القومى العربى علاوة على اتاحة الفرصة للقطاع الخاص والاستثمارات الخاصة وزيادة دورها في التنمية وايجاد فرص جديدة للعمل والنشاط. وتنصح المنظمة العربية للتنمية الزراعية بالمساهمة الفاعلة للصناديق والمؤسسات التمويلية والانمائية العربية في دعم وتعزيز الاصلاحات الاقتصادية وبرامج الخصخصة في الوطن العربى وبحيث يدخل في اطار هذه الصناديق والمؤسسات برامج تمويلية متخصصة لتحقيق هذا الدعم ولمواجهة الآثار السلبية للخصخصة ولاسيما في جوانبها الاجتماعية وتوفير المخصصات التمويلية المناسبة لهذه البرامج وفق شروط تمويلية تنطوى على ميزات وتسهيلات مناسبة حتى لا تكون الحكومات الاجنبية ومؤسسات التمويل الدولي هي المصادر الوحيدة التي يمكن اللجوء اليها في هذا الشأن. وتؤكد الدراسة على ضرورة المعاملة التفضيلية لرجال الأعمال والاستثمارات العربية وحفز وتشجيع المشاركة العربية في المشروعات الداخلة في برامج الخصخصة في مختلف الدول العربية مشيرة الى أنه يأتى في هذا الاطار أهمية منح الاستثمارات العربية ورجال الأعمال العرب مزايا الاستثمار والمستثمر الوطنى كما يأتى في هذا الاطار أهمية استقرار مناخ الاستثمار وتوفير الاطار القانونى لضمانه. وتقترح المنظمة العمل على اقامة شبكة معلومات عربية لسياسات الاصلاح الاقتصادى وبرامج الخصخصة يمكن أن تتعرف الدول من خلالها على تجارب بعضها البعض في هذه المجالات والاستفادة من التجارب والخبرات المكتسبة لتحقيق النجاح في التطبيقات الاصلاحية وبرامج الخصخصة اضافة إلى انه يمكن من خلال هذه الشبكة التعرف على الفرص الاستثمارية المناسبة لرأس المال العربى في المشاريع الداخلة في برامج الخصخصة. وتشير إلى أن مؤشرات النمو العامة لمعظم الأقطار العربية التي طبقت برامج اصلاحية اختيارية أو ذاتية أو ضمن اتفاقات مع المؤسسات الدولية أوضحت تحسن معدل نمو الانتاج المحلى في هذه الأقطار حيث ارتفع في مصر من حوالى 18.8% في الفترة من 1981 إلى 1987 قفز لـ 20.8% سنويا في الفترة من 1986 إلى 1994، والأردن من 3.5% إلى 6.5% خلال نفس الفترة، وموريتانيا من 1.9% عام 1992 إلى 5.9% عام 1995، بينما في قطر كان معدل نمو سالب يبلغ 28.8% عام 1980 إلى معدل ن مو موجب بحوالى 2.6%% عام 1994، والعراق من معدل نمو سالب بحوالى 0.26% عام 1981 إلى حوالى 3% عام 1990. وتشير الدراسة أن الخصخصة ساعدت في تخفيض العجز في موازين مدفوعات الاقطار العربية نتيجة للبرامج والسياسات الاصلاحية فانحصر بصفة عامة في مصر وتراجعت أعباء خدمة الدين الى الحصيلة التصديرية وتحقيق احتياطى قياسى من النقد الأجنبى وصل الى حوالى 20 مليار دولار، وانخفض العجز في الحساب الجارى لميزان المدفوعات الأردنى عن 14.2% عام 1988 الى حوالى 3.1% عام 1996، وموريتانيا من 13.3 مليار أوقية عام 1992 إلى 8.5% مليار أوقية عام 1994. كما اتجه المستوى العام للمعيشة والأسعار نحو الارتفاع وكبح جماح التضخم وانخفاض معدلاته في كل من مصر، والمغرب، وموريتانيا، والأردن، وتصحيح الخلل والتشوهات في قيمة العملات المحلية العربية في مواجهة عملات الدول الأخرى الرئيسية خصوصا في مصر، وسوريا، والأردن، وموريتانيا، اضافة الى التغير النسبي في التراكيب المحصولية الرئيسية لصالح بعض مجموعات السلع الزراعية لصالح المجموعات الأخرى كزيادة زراعة الخضر في الأردن على حساب محاصيل الحبوب وارتفاع قيمة الصادرات الزراعية. وساهمت الخصخصة في زيادة انتاجية الموارد المائية لمختلف الزروع بعد تطبيق برامج الاصلاح خاصة في مصر، ونفس الأمر بالنسبة للانتاجية الفيزيقية لوحدة العمل، واتجاه معاملات الحماية الرسمية إلى الاعتدال سواء بالنسبة للحاصلات ذات معامل الحماية المنخفض أو المرتفع فضلا عن التحديث التقني والتطوير المؤسسي في مجالات البحث والارشاد والتدريب والاهتمام بالاصلاحات التسويقية والآليات الجديدة للسوق والعمل على ترشيد استخدام الموارد وتوجيهها نحو أفضل استخداماتها. وتؤكد الدراسة أن الانخفاض في معدلات نمو الانتاج المحلى الاجمالى لبعض الدول وان كان لا يمكن ارجاعه دائم ا للبرامج الاصلاحية كما هي حالة تراجع معدل نمو الناتج المحلى في المغرب من حوالى 4.9% عام 1980 الى 3.5% عام 1995 خصوصا أنه ربما تكون للظروف الطبيعية والتعرض لموجات الجفاف التي أضرت بالناتج المحلى الزراعي بعض الآثار في هذا التراجع، وتسببت الخصخصة في ارتفاع معدلات التضخم كما في حالة السودان الى ما بين 120% إلى 124% عام 1991 ثم إلى مابين 123% الى 135% عام 1996 يعود ذلك الى ظروفها وأوضاعها الخاصة. وتكشف المنظمة أن بعض المنتجات الزراعية في الأسواق العربية لا تزال محاطة بشكل أو بآخر بالحماية وقد زادت معدلاتها بعد تطبيق البرامج الاصلاحية في بعض الأقطار العربية، واظهرت معدلات البطالة اتجاها عاما ذات طابع سلبى في معظم دول الاصلاح الاقتصادى والتكيف الهيكلى حيث ارتفع من 5.1% في مصر عام 81/1982 إلى حوالى 9.5% عام 95/96، والمغرب من حوالى 18% عام 1987 إلى حوالى 22.3% عام 199 5 وفي موريتانيا من 9.7% عام 1997 الى حوالى 27% عام 1992، أما في العراق اتسعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ. وتحدد الدراسة عدة أشكال لتنفيذ عمليات البيع والخصخصة والتي تتركز في 6 أشكال شهدها الوطن العربى تشمل خصخصة الادارة وعقود الادارة، والتقنية القانونية للشركات المملوكة للقطاع العام أو الدولة وبيع مكوناتها كوحدات منفصلة أو كأصول للقطاع الخاص والمستثمرين، والتأجير بأشكاله المختلفة سواء لكامل النشاط أو لوحدات من النشاط أو للأصول الخاصة بهذا النشاط للقطاع الخاص، والبيع لاتحاد العاملين المساهمين، والبيع للجمهور من خلال أسهم تطرح في بورصة الأوراق المالية، فضلا عن البيع لمستثمر رئيسى سواء من خلال التفاوض المباشر أو من خلال العرض في بورصة الأوراق المالية. وحول الآثار الاقتصادية والاجتماعية الراهنة والمحتملة للخصخصة في المشروعات والمجالات الزراعية الانتاجية توضح الدراسة أن واقع الأمر أن الملكية الزراعية لم تكن قد تعرضت لتغيرات واسعة من جانب الملكية الخاصة للاراضى الزراعية عند تطبيق قوانين للاصلاح الزراعي وتحديد الملكية في بعض الأقطار العربية وبالرغم من ذلك حافظت على الملكية الخاصة للاراضى حتى التي تمت مصادرتها، واعادة توزيعها على المزارعين معدومي الملكية الزراعية فضلا عن انه لا يمكن اغفال بعض الحالات التي تملكت فيها الدولة بعض المساحات فيما سمي بالمزارع الحكومية الا أن هذه الملكيات والمزارع الحكومية كانت محدودة المساحة والأثر. على الرغم من أن الاصلاح الزراعي والتعديلات الهيكلية والخصخصة تضمن مسميات أطلقت على مختلف السياسات والاجراءات والتدابير التي اتبعتها مختلف الأقطار العربية في تصحيح هياكلها الاقتصادية والمواءمة والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية الا انه يمكن تقسيم الاقطار العربية من حيث طبيعة وعمق تطبيقها لبرامج الاصلاح الاقتصادى الى ثلاث مجموعات. وتشمل أقطارا عربية تطبق أساسا للحرية الاقتصادية وآليات السوق وأنشطتها الاقتصادية وتنفق نسبة كبيرة من دخولها القومية على دعم تنمية وتطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة الا ان تغيير المناخ الاقتصادى والتجاري العالمي وتراجع عائدات النفط استدعت ضرورة اعادة النظر في حجم هذا الدعم وهى مجموعة دول الخليج، وأقطار عربية ثانية تعانى بالدرجة الأولى من خلل مالي واداري الا انها تولى أهمية كبيرة للقطاع العام ولا تزال لديها قناعة بأهمية المحافظة على المكاسب والايجابيات التي استطاعت تحقيقها من خلالها تضم العراق وسوريا وليبيا والسودان رغم اختلاف طبيعة الاصلاحات في الأخيرة وأهمية القطاع العام فيها. خصوصا انه اعتمدت هذه المجموعة من الدول. على توجهات ذاتية مستقلة في اجراء برامجها الاصلاحية وتعديلاتها الهيكلية بما يتواكب مع المتغيرات المحلية الاقليمية والدولية ودون الاعتماد على المؤسسات الدولية. وأقطار عربية ثالثة تعرضت لأزمة اقتصادية حادة سببتها مظاهر التدخل الحكومى في شئون الحياة الاقتصادية بصفة عامة وعجزت عن تحقيق معدلات التنمية التي تتماشى مع حاجات سكانها وتضم مصر، واليمن، والأردن، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا وارتكزت البرامج والتعديلات الاصلاحية في تلك المجموعة من الدول على ضرورة اعادة النظر في التوازنات الكلية الاقتصادية بأشكالها المالية والنقدية ومستويات أجورها وأسعارها وتجارتها الخارجية فضلا عن ضرورة التخلص من القطاع العام. وتضيف المنظمة العربية للتنمية الزراعية في دراستها انه يجب ان يسبق تقليل دور القطاع العام اجراءات تحرير الأسعار والعودة لأسعار السوق خاصة أن تصحيح الأسعار غالبا يعتبر العنصر الأساسى في تحرير الزراعة الا ان الأسعار مجرد اشارات لا تقوم وحدها بزيادة الانتاج وتحريك فائض الانتاج بل تعتبر البنية التحتية للانتاج والتسويق التي تعمل بكفاءة شرطاً أساسيا اذا ماأريد للأسعار أن تحقق الكفاءة الاقتصادية اضافة الى أن عدم كفاءة أجهزة التسويق في القطاع العام أدت الى ازدياد تكلفة تشغيل هذه الأجهزة وتسببت في انهيار البنية التحتية لكثير من المنتجات الزراعية وصعوبة الابقاء على الأسعار الزراعية في مستوى الأسعار العالمية. وحول معالجة الآثار السلبية للخصخصة في الأقطار العربية تشير الدراسة إلى أن أهم السياسات والبرامج والترتيبات التي يقترح الأخذ بها في هذا الشأن تشمل اقامة المشروعات التنموية الزراعية الكبرى المتكاملة اذ انه رغم أهمية الحلول والمعالجات الجزئية التي تصمم لمواجهة الآثار السلبية لبرامج الخصخصة الا ان المواجهة الأكثر أثرا وفاعلية واستدامة تتمثل في تبنى بعض المشروعات القومية الكبرى المتكاملة قطاعيا وبخاصة في القطاع الزراعي وتوضح ان تلك المشروعات التي تقوم على أسس قوية وثابتة من الدراسات المتعمقة لا يمكن فقط معالجة العديد من المشاكل التي تسفر عنها الخصخصة ومراحل الاصلاحات الاقتصادية وانما تكون هذه المشروعات اضافات تنموية حقيقية ومؤثرة ايجابيا في مختلف عناصر الاقتصاد العام سواء من حيث زيادة الناتج القومى أو حفز معدلات الاداء التنموى وامكانية زيادة الصادرات أو خلق فرص عمل اضافية جديدة أو من حيث تعزيز القدرات الذاتية لتحقيق الأمن الغذائى الوطنى. القاهرة ـ حسين عبدالهادي: