على الرغم من ان العالم الصناعي قد حقق ومازال يحقق معدلات مرتفعة في التنمية والتقدم والازدهار والنمو وان الهوة تتسع وبشكل كبير، بين هذا العالم والعالم الثالث الذي مازال يعاني من التخلف، فإن العالم الصناعي يسعى جاهدا الى ايجاد كيانات اقتصاديات ضخمة، وتكتلات تجارية عملاقة من خلال رؤية اقتصادية طويلة المدى ومبنية على اساس استراتيجية مشتركة بين مختلف الدول المنتمية اليه تحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والامني لشعوب تلك الدول، ولتتمكن من مواجهة تحديات الالفية الثالثة وهي اكثر قوة، واكثر قدرة على تحقيق اهدافها وحجز مواقعها في صدارة مختلف دول وشعوب العالم. وعلى الرغم مما يحدث في تلك الدول، وعلى الرغم مما يشهده العالم من تحديات شديدة لعالمنا الثالث، وكذلك على الرغم من المتغيرات الاقتصادية والاستراتيجية التي تشهدها الساحة العالمية فإن دولة صغيرة في حجمها وامكانياتها الاقتصادية ومحدودية سوقها وهي دولة الامارات يعاني اقتصادها من مشاكل عديدة واوضاع غير مريحة، ومنها التجزئة الاقتصادية التي اكدت معطيات السنوات الماضية على حقيقة وجودها بل وتزايدها فيما يطبل اعلامنا والمدعون من المحللين الاقتصاديين على سلامة الاوضاع الاقتصادية وان اقتصاد الامارات اصبح من القدرة والامكانية على امتصاص الصدمات وتجاوز المعوقات، ومواجهة التحديات. وهنا لابد من الاشارة الى كلمة الفصل للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع والتي القاها امام المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في مدينة دافوس السويسرية في يناير الماضي والتي اكد فيها على ان في هذا الزمن يحدث التغيير بسرعة غير مسبوقة ويخلق واقعا جديدا تماما يؤثر على جميع جوانب حياتنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا مشيرا سموه الى طبيعة التحديات الدقيقة وربما الصعبة ومؤكدا على ضرورة فرز الحقائق عن الاوهام وتحديد الهدف بدقة وحشد الموارد وتحديد الاتجاه والاولويات. ان الذين يدعون بأن اقتصاد الامارات يتسم بالقوة والقدرة على تجاوز المعوقات وان الاقتصاد قد شهد تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية عليهم ان يستوعبوا كلمة سمو الشيخ محمد بن راشد جيدا، ثم يأتون بمقاييس التطور والنجاح ومعايير النمو والتنمية ويخضعون اقتصاد الامارات لتلك المقاييس والمعايير ليتأكدوا من حقيقة ما يقولونه ويقيمون الواقع بموضوعية كاملة وذلك في اطار المضامين التي اشار اليها سموه. ان السرعة التي يسير عليها العالم تؤكد دون شك الى مدى التباطؤ بل والتراجع الذي يحدث في مسارات التنمية الاقتصادية في الامارات، وان الواقع الجديد الذي تفرضه التحديات الجديدة تؤكد لا محال على اهمية فرز الحقائق عن الاوهام التي اصبحت تعشعش في عقول اولئك المدعين وتجعلهم يغيبون عن الواقع وعن حقيقة سرعة التغيير التي يسير عليها العالم في زمن لا يعترف الا بالقوي، وفي زمن العمالقة وفي عصر العولمة!! اننا حينما نعمد الى تشخيص واقعنا الاقتصادي ونحلل حقيقة التنمية الاقتصادية في ضوء معايير التقدم ومقاييس التنمية انما نهدف من ذلك الى فرز الحقائق عن الاوهام!! ونسعى الى مواجهة الحقيقة دون زيف كي لا نعاني من صدمة شديدة تزيد من حالة التراجع التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع الاماراتي!! ان تشخيص واقعنا الاقتصادي لتحديد اسباب الضعف ومواقع التخلف وطبيعة التحديات التي تواجهه انما يعني بداية لتصحيح اوضاعنا الاقتصادية بعيدا عن الاوهام ولاهمية ذلك في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والامني في المجتمع عامة وفي المجتمع الاقتصادي خاصة، ثم تأتي المرحلة الثانية من التشخيص وتشمل تحديد الأهداف بدقة، وتحديد الاتجاه والأولويات، ثم حشد الموارد والامكانيات البشرية والمادية والمعنوية من اجل تحقيق الاهداف المحددة ثم تأتي مرحلة استشفاف المستقبل من خلال مقاييس معينة ومعايير موضوعية تحدد متطلبات مستقبل الوطن ودور الاقتصاد فيه واهمية الانسان الاماراتي في بناء اقتصاد وطنه وصياغة مستقبل التنمية الاقتصادية باعتباره هدف التنمية ومحورها والمحرك لها. ان التشخيص الدقيق للواقع الاقتصادي، ثم رسم الرؤية المستقبلية لآفاق الاقتصاد ودور الانسان فيه يتطلب المصداقية مع ذاتنا عند تعاطينا مع معطيات ذلك الواقع بحيث يتسم تعاطينا هذا بالشفافية العالية، والموضوعية الدقيقة لاسيما عند اختيارنا لادوات وآليات التقييم، ثم معايير ومقاييس التشخيص واستشفاف المستقبل وبدون تلك الادوات والمقاييس فإننا سوف نظل رهينة لأوهامنا في الوقت الذي يسير العالم في سرعة كبيرة نحو التقدم والازدهار والتنمية. ان اقتصاديات الامارات تعاني من العديد من الاشكاليات التي يجب التصدي لها ومعالجتها.. كما إن هذه الاقتصاديات تعاني من الكثير من التحديات الداخلية منها والخارجية والتي يتطلب من اصحاب القرار الاقتصادي تحديدها وكيفية تجاوزها وتلك الاشكاليات والتحديات قد افرزتها معطيات السنوات الماضية ولم تجد التصدي لها او المعالجة اللازمة فالاقتصاد الوطني مازال يتسم بكونه اقتصادا ريعيا يعتمد على تصديره للنفط الخام كمادة اولية دون تصنيعه، ومازالت التركيبة الاقتصادية فقيرة، ومازال النفط الخام يشكل النسبة العظمى في التجارة الخارجية للدولة ومازالت الايرادات النفطية تشكل المصدر الرئيسي للموازنة العامة للدولة ومازال النفط يشكل 95% من الناتج المحلي الاجمالي، وبالتالي وفي ظل الاهمية التي يشكلها النفط في الاقتصاد الوطني فإن اي تذبذب في اسعار النفط كما حدث في منتصف الثمانينات وفي عام 1997 يؤثر مباشرة على مختلف الاوضاع الاقتصادية في الدولة وبالتالي على مختلف الاوضاع الاجتماعية وغيرها. لم تتمكن الدولة بل ان اجهزة الدولة ومؤسساتها لم تعمل على وضع خطة لايجاد قاعدة انتاجية متنوعة للاقتصاد الوطني وظل الاقتصاد يعتمد على النفط بدرجة كبيرة، بل زادت الاهمية مع مرور السنوات، حينما اصبحت القطاعات الاقتصادية الاخرى وخاصة القطاعات الزراعية والصناعية تعاني من تراجع في مساهمتها في الاقتصاد الوطني. لقد كان لغياب استراتيجية التنمية الاقتصادية، ثم لغياب السياسات الاقتصادية الرامية لتحقيق اهداف المجتمع الاقتصادي كبير الاثر في تضاؤل او تواضع مساهمات القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي، وظل الاقتصاد الوطني يسير نحو تعاظم اهمية النفط فيه بل والاعتماد الكلي عليه كمصدر رئيسي في الناتج المحلي والدخل القومي!! وترتب على هذا الامر ان يظل اقتصاد الامارات مرهوناً بالتطورات المستجدة في الاسواق النفطية. واذا كان الاقتصاد الوطني يعاني من وضعية كهذه، فإن احد العوامل المؤدية الى هذه الوضعية غياب التوجه الواحد في البناء الاقتصادي حيث اصبح الاقتصاد الوطني يعاني من التجزئة الاقتصادية اكدتها السياسات الاقتصادية المتباينة التي تبنتها كل امارة على حدة مما افرز واقعا اقتصاديا يفتقر الى الوحدة والعمل الاقتصادي القوي وبالتالي فإنه من الطبيعي ان يكون الوضع الاقتصادي الذي آل اليه الاقتصاد احد افرازات مرحلة التجزئة الاقتصادية التي عانى ويعاني منها الاقتصاد الوطني، حيث اصبحت التجزئة الاقتصادية تشكل احد التحديات الحقيقية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني وتركت التجزئة اثاراً واضحة على البناء الاقتصادي وعلى مسيرة الاقتصاد الوطني خلال التسعة والعشرين عاما الماضية هذا في الوقت الذي يعيش البعض وهم التنمية الاقتصادية والتطور الاقتصادي والتقدم والازدهار، وسوف نتعرض في الحلقة القادمة الى مظاهر هذه التجزئة وآثارها.