الاستراتيجية السكانية الخليجية واحلال العمالة الوطنية محل العمالة الاجنبية موضوعان تناقشهما دول المجلس حاليا ، بغية ايجاد الاليات المناسبة لتطبيقهما وهما كما هو واضح يرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً. وتقوم الاستراتيجية السكانية الخليجية على عدة اسس رئيسية اهمها تحقيق توازن سكاني في دول المجلس لتلافي أي خلل في التركيبة السكانية وتحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق في كل دولة بهدف الحد من الهجرة الداخلية الى المدن وتنمية رأس المال البشري من خلال توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والتدريب بالمستويات الملائمة وزيادة المشاركة الاقتصادية للمواطنين والاناث وتطوير النظام التعليمي بما يتفق مع احتياجات سوق العمل علاوة على احلال العمالة الخليجية محل العمالة الوافدة وايجاد الفرص الوظيفية ذات الانتاجية العالية للايدي العاملة الوطنية الداخلة الى السوق بازدياد. ومن المفيد ان نتوقف امام هذه الموضوعات الرئيسية للاستراتيجية السكانية الموحدة لدول المجلس خصوصا ان هذه الاستراتيجية تستهدف وفقا لما هو معلن تهيئة اقتصاديات دول المجلس للتكيف مع توجهات «العولمة» ومرحلة ما بعد قيام منظمة التجارة العالمية والتعامل بايجابية مع ما تثيره من تحديات وتتيحه من فرص وكذلك تطوير اساليب التخطيط بدول المجلس على ضوء المستجدات الدولية والاقليمية والتأكيد على البعد التكاملي والتعاون بين دول المجلس عند التخطيط للتنمية. ان كافة دول مجلس التعاون تتمتع بمعدلات خصوبة وولادة مرتفعة في الوقت الذي تستمر فيه معدلات الوفيات بين الاطفال في التراجع. ولقد ادى ذلك الى بروز نسب نمو للسكان عالية وبنية سكانية فتية، اذ تشكل الفئة التي تقل اعمارها عن الخامسة عشرة ما يزيد على 43 في المئة في مجمل السكان. واذا حافظت دول المنطقة على معدل نمو سكاني يبلغ حوالي 3.5 في المئة سنويا فإن عدد السكان سيتضاعف في اقل من عشرين عاما. ومن المتوقع ان ترتفع اعداد خريجي المدارس الثانوية خلال السنوات الخمس المقبلة ليصل الى حوالي 8 في المئة في المعدل سنويا. ومع توجه اعداد متزايدة من هؤلاء الخريجين الى سوق العمل سنويا بحثا عن وظيفة، ستصبح عندها امكانية العثور على فرص عمل منتجة اكثر صعوبة. وحتى يمكن توفير وظائف لهؤلاء فان الضرورة تقتضي تطوير نظام جيد لاختيار وتدريب واستخدام هذه العمالة. وينبغي ان تعطى سياسة توطين الوظائف دفعة قوية دون التضحية بالكفاءة والخبرة التي توفرها العمالة الوافدة. كما ان النتائج التي قد يؤدي اليها الفشل في ايجاد حلول لمشكلة البطالة في اوساط الشباب تبدو واضحة للعيان في العديد من الدول الاخرى التي تعاني من مشاكل عدم الانتماء للمجتمع في اوساط الشباب العاطل عن العمل. وقد لاحظت دراسة اعدها بنك الخليج الدولي ان الاعتماد الشديد لدول مجلس التعاون على العمالة الوافدة يعود بصورة رئيسية الى النمو الاقتصادي الكبير الذي شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين والى صغر حجم السكان المحليين ونقص المهارات الادارية والفنية المطلوبة في مرحلة التنمية الحالية0 كما ان حجم العمالة المحلية المحتملة قد تقلص نتيجة للتقاليد والانماط الاجتماعية السائدة والتي لا تشجع زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة. وهناك كذلك انواع معينة من الوظائف اليدوية التي يفضل ابناء البلاد عدم ادائها اما لانها غير مقبولة اجتماعيا او ان رواتبها متدنية للغاية. وتشغل العمالة الوافدة في الوقت الراهن وظائف في كافة القطاعات تقريبا، وهي تشكل غالبية القوة العاملة في منطقة الخليج. لذلك فاننا نعتقد ان التحدي الرئيسي الذي سوف يواجه تنفيذ الاستراتيجية السكانية الموحدة هو تنمية الموارد البشرية الوطنية بدول المجلس، خصوصا ان القوى العاملة الوطنية لا تمثل حاليا سوى نسبة تتراوح ما بين 25% الى 45% من اجمالي قوة العمل. ان امكانات دول مجلس التعاون الخليجي على خلق فرص العمل الجديدة للعمالة الوطنية التي تلتحق بسوق العمل تبدو متوفرة حيث تشير الدراسة المذكورة إلى ان هناك حاجة لخلق فرص عمل لنحو مليون شخص في دول الخليج وذلك خلال السنوات العشر المقبلة. ففي احسن الاحتمالات فان هذا العدد يمكن استيعابه من خلال التوسع في الانشطة الاقتصادية في السنوات المقبلة خصوصا مع تحسن اسعار النفط. اما في اسوأ الاحتمالات فان ذلك العدد يمكن احلاله محل جزء من العمالة الوافدة والتي يبلغ حجمها حاليا نحو 6.6 ملايين شخص. وغالبا ما يشير مخططو القوة العاملة الى ان وجود الايدي العاملة الاجنبية يعكس توفر فرص العمل في المنطقة وكل ما هو مطلوب عمله هو الاستغناء التدريجي عن العمالة الوافدة واستبدالها بأيد عاملة وطنية. بيد ان ما سوف يحدث في الواقع لن يكون كذلك. فوفق التوجهات الحالية لدول المجلس والتي تطمح لأن يلعب القطاع الخاص دورا رئيسيا في تنفيذ برامج التنمية والانشطة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، فان معظم الوظائف التى ستتوفر خلال هذا العقد والعقد المقبل ستكون في القطاع الخاص، وليس القطاع العام. كما أن معظم تلك الوظائف سيكون في حقل المهن الفنية وليس الاعمال المكتبية وذلك لأن التركيز يجري حاليا على تطوير دور القطاعات الانتاجية والصناعية والاعمال المرتبطة بالمهارات الفنية والتكنولوجية. يضاف الى ذلك ان ظروف العمل خلال السنوات المقبلة سوف تكون اكثر تشددا سواء من حيث الامتيازات الوظيفية المتوفرة او معدلات الانتاجية المطلوب الايفاء بها. كما ان الحكومات سوف تتخلى عن دورها كملاذ اخير لمن اغلقت بوجهه ابواب العمل. وعلى الرغم من ان كبار المسئولين في مختلف دول المجلس قد اكدوا ضرورة اعطاء الاولوية في الاستخدام الى ابناء البلاد فان عملية توطين الوظائف قد ظلت مقصورة في غالب الاحيان على القطاع العام دون ان تنتقل الى القطاع الخاص بشكل فاعل حتى الان. والشكوى الرئيسية التي لا يفتأ يرددها رجال الاعمال في القطاع الخاص هي انه حتى لو اهملنا مشكلة اجتذاب ابناء البلاد الى الوظائف الفنية فان تكلفة تأهيلهم للالتحاق بمثل هذه الوظائف باهظة. ويدعي هؤلاء ان متوسط تكلفة استخدام وتدريب خريجي المدارس المهنية من ابناء البلاد تفوق بكثير تكلفة استخدام الاجانب حتى بعد ان نأخذ في الاعتبار نفقات السفر والاسكان التي تقدم في الغالب للعمالة الوافدة. ويبدو ان الكثير من رجال الاعمال في القطاع الخاص الذين يهدفون الى تحقيق اعلى مستوى من الارباح قد اخذوا مسألة الاستمرار في الاعتماد على العمالة الوافدة كأمر مسلم به حتى يأتي اليوم الذي يكتسب فيه ابناء البلاد الخبرة الكافية ويصبحوا على استعداد لقبول مستويات الاجور التي تحددها قوى العرض والطلب. لذلك فان احد الاوجه الرئيسية لتحدي تنمية الموارد البشرية في البحرين وبقية دول المجلس الاخرى هو نقص المهارات المطلوبة لدى عمالتها الوطنية. وصحيح ان هذا النقص نجم بصورة اساسية عن الاستثمار السريع للموارد النفطية وذلك بمعدلات فاقت معدلات نمو قوة العمل الوطنية، الا أن المشكلة تهدد بتحولها الى حالة مزمنة. كذلك فان سيادة دور المنشآت الاقتصادية الصغيرة على الاقتصاد الوطني مثل تجارة التجزئة والخدمات الشخصية والمطاعم ومقاولات البناء قد افسح المجال لتزايد القوى العاملة نظرا لتدنى مستوى الاجور التي تدفع من قبلها. ولا ننسى هنا ان الامية لا تزال تلعب دورا وان كان متناقصا في تخفيض نسبة مساهمة القوى العاملة الوطنية بالاضافة الى العوامل الاجتماعية التى تحد من دور مساهمة المرأة في الانشطة الاقتصادية. وتبرز العديد من التحديات امام دول التعاون من اجل تنمية مواردها البشرية واستخدامها استخداماً امثل في تنفيذ برامج التنمية المستقبلية. ان وضع الخطط اللازمة لتحقيق هذا الهدف يبقى هو المدخل العلمي للتعامل مع الموضوع. الا ان هذه الخطط لن تكون مجدية الا بالمبادرة الى ايجاد الاجهزة التى تملك الامكانات والصلاحيات الضرورية لتنفيذها. كما أن هذه الاجهزة مطالبة بتبنى سياسات محددة لتنمية القوى العاملة الوطنية تستهدف استغلال الموارد البشرية المحلية وغرس القيم المتصلة بالعمل الجاد والانضباط وقبول الاحترافية بما يتمشى مع الانماط الثقافية السائدة في المنطقة. كذلك فان تلك الاجهزة مطالبة بإدخال تعديلات جوهرية على انظمة التعليم التى ظل دورها محدودا لحد الآن في الوفاء بمتطلبات مجتمعاتها من المهارات والايدي المدربة تدريبا جيدا. كذلك تبرز الحاجة لوضع برامج تثقيفية واجتماعية تبرز اهمية العمل وقدسيته خصوصا الاعمال الفنية والحرفية التى لا تزال اعداد كبيرة من ابناء البلدان الخليجية يعزفون عنها. ان تحسين ظروف عمل هذه الاعمال وخاصة التشريعات التى تحمي المشتغلين فيها، والاجور ومزايا الضمان الاجتماعي سوف يساعد بصورة كبيرة على جذب الايدي العاملة الوطنية للاشتغال فيها. واخيرا فان التدريب، وكافة من يتصل به من مؤسسات وبرامج ومفاهيم يبقى ركنا اساسيا وثابتا في كافة التجارب الناجحة في مجال تنمية الموارد البشرية، مع ضرورة التركيز على ربط التعليم بالتدريب والتطور التكنولوجي من جهة، ووجود البرامج التدريبية المكثفة الملحقة بانتهاء مراحل الدراسة المدرسية او الاكاديمية الجامعية من جهة اخرى.