بدأت الآثار السلبية للأزمة المالية التي عصفت بتركيا منذ حوالي الشهرين تطفو الى السطح على الرغم من الجهود التي يبذلها المسئولون الاتراك للحد منها، وباتت الآمال معلقة على المساعدات الخارجية للخروج منها، وخاصة مساعدو البنك الدولي. وقال يوهانز لين المسئول البارز بالبنك الدولي أمس ان البنك مستعد لمساعدة تركيا على تنفيذ برنامج اقتصادي جديد وضع بعد الازمة لكنه مازال يبحث حجم الدعم المالي. وأضاف لين نائب رئيس البنك الدولي لاوروبا واسيا الوسطى بعد اجتماعه مع بولنت اجويد رئيس وزراء تركيا في انقرة «في هذه المرحلة لا اعتقد انه من الضروري تجاوز مبلغ خمسة مليارات دولار الذي تمت الموافقة عليه في الماضي». وتابع ان البنك سيحاول ان تتم هيكلة اي دعم مالي بشكل مناسب وان يكون متاحا للاستخدام حسب جدول زمني. واوردت وكالة رويترز أمس تحقيقاً ميدانيا حول انعكاسات الازمة المالية مسلطة الضوء من خلاله على الشارع التركي. وفي مقاهي دياربكر وهي بلدة تركية اعتادت على صور الحرمان التي فرضها صراع انفصالي يقتل المئات يقطع الرجال الوقت بلعب الورق وشرب الشاي والرثاء لنقص فرص العمل. وقال ناظم بال وهو عامل عاطل هاجر الى دياربكر من الريف المضطرب قبل اربع سنوات «لا ننتظر العسل والزبد نريد فقط الخبز». وتابع «كان من الصعب العثور على الخبز فيما مضى. لكنه الان اكثر صعوبة». وبينما تهز الازمة المالية التركية البيوت المصرفية في اسطنبول وتهدد الحكومة في انقرة يبدو ان المعاناة في جنوب شرق تركيا المتخلف تمضي دون ان يلحظها احد تقريبا. وقال بال «لا توجد مصانع والمزارع مغلقة والحيوانات تنفق». وتابع «المقاهي اكبر نشاط هنا». وقال بال ممسكا بمسبحة ان الاقتصاد انتقل في جنوب شرق تركيا من سيء الى اسوأ منذ ان انهار برنامج لمكافحة التضخم بدعم من صندوق النقد الدولي وفقدت العملة نحو 40 بالمئة من قيمتها امام الدولار. وتصل نسبة البطالة في دياربكر اكبر مدينة في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه اغلبية كردية الى اكثر من 70 بالمئة. ويعمل اولئك الذين لديهم وظائف في الحكومة اساسا. ومعدل دخل الفرد في المنطقة الف دولار او نحو ربع متوسط الدخول على المستوى القومي. وتدفق القرويون الذين فروا من القتال الى مدن الاكواخ المتاخمة لنهر دجلة في دياربكر خارج اسوار البازلت التي تعود الى العصر البيزنطي. وتزايد عدد سكان المدينة الى خمسة امثالهم قبل عشر سنوات حيث بلغ عددهم 1.25 مليون نسمة. والحقت الهجرة خرابا بالزراعة وتربية الماشية التي كانت من قبل ركيزة اقتصاد جنوب شرق تركيا ويفتقر معظم الوافدين الجدد الى المهارات لدخول سوق العمل الضيقة. والقت الحكومة بالمسئولية على التخلف الاقتصادي باعتباره السبب الرئيسي للتمرد الذي حصد ارواح اكثر من 30 الف شخص. وتعهد بولنت اجويد رئيس وزراء تركيا في عام 1999 بانفاق 114 مليون دولار لبناء مصانع واعطاء دفعة للصناعة في المنطقة. وقال فريدون جيليك رئيس بلدية دياربكر ان انقرة وضعت تلك الخطط على الرف في اعقاب الازمة. وأضاف «الاموال لم تصبح حقيقة. جميع مشكلات تركيا تراجعت امام هذه الازمة». وقال «نخشى من انفجار اجتماعي اذا لم تعالج الحكومة الاختلالات. المهاجرون تركوا خارج النظام. والوضع قد يصبح خطيرا للغاية». وادى نجم الدين عقيل صلاة العصر في مكتبه في شركة عقيل القابضة اكبر شركة منتجة للمنسوجات في جنوب شرق تركيا والتي يعمل بها الفي شخص. واعتبر عقيل المدير الاداري للشركة التي تملكها العائلة «لا فائدة من البكاء.. هذه المنطقة كانت تعاني من اضطراب بالفعل قبل ان تضرب الازمة تركيا». وقال عقيل انه لا بد من السماح لتركيا بتصدير منتجاتها للعراق وسوريا وايران القريبة لاعادة الحيوية لهذا الاقتصاد. لكن السياسة الداخلية والضغط الدولي تآمرا على جنوب شرق تركيا و«شركائه التجاريين الطبيعيين». واتهمت انقرة سوريا وايران بتشجيع النزعة الانفصالية الكردية والتشدد الاسلامي في تركيا. وحال التوتر دون التجارة بين الجيران مع تراجعه بعد انفتاح دبلوماسي حديث ازاء طهران ودمشق. وتكبدت تركيا نحو 30 مليار دولار هي خسائرها التجارية منذ عام 1990 وكان حنوب شرق البلاد الاكثر تضررا بسبب عقوبات الامم المتحدة المفروضة على العراق الذي كان من قبل اكبر شريك تجاري لتركيا. وقال عقيل «لسوء الحظ ليست لدينا علاقة تجارية قوية مع جيراننا الثلاثة». واضاف «ننتج المنسوجات هنا ونرسلها الى المانيا وايطاليا وفرنسا. لماذا لا نرسلها الى سوريا وايران حيث انهما قريبتان للغاية والتجارة معهما ارخص وايسر بكثير». وأضاف عقيل ان وعود انقرة بتقديم دعم مالي اثارت الاستياء في غرب تركيا الاكثر ازدهارا. وتابع «يقول المواطنون ورجال الصناعة في الغرب «الحكومة تدفع لكم بالفعل»». واضاف «ينظرون الينا باعتبارنا ابن الزوج في تركيا. «لكننا لا نريد استثمارات حكومية. نريد القطاع الخاص ان يأتي هنا بعد استعادة السلام والثقة الان». وعلى الرغم من الهدوء الحالي في شوارع دياربكر المزدحمة فلاتزال اشباح الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني تختبيء في المدينة بعد مرور عامين على اسر عبد الله اوجلان زعيم الحزب والحكم عليه بالاعدام. ودعا اوجلان من سجنه مقاتليه الى الانسحاب من تركيا والمطالبة بدلا من ذلك بحقوق ثقافية من خلال وسائل سياسية. لكن تركيا قالت ان تغير اوجلان ليس سوى خدعة للمراوغة وانها لن تتفاوض ابدا مع حزب العمال الكردستاني. وقال قطب الدين ارتزو رئيس غرفة التجارة في دياربكر «لا تزال الناس تعتبر هذه المنطقة غير امنة بشكل كامل بعد مرور 16 عاما على القتال». واضاف «لا تستطيع اي مدينة اخرى ان تصمد امام العنف والهجرة كما صمدت دياربكر. وهذا يوضح مدى كد شعبنا ومدى الامكانات والموارد الطبيعية التي نملكها». وتابع «لكن من الصعب الدعاية لذلك بين المستثمرين». واعاقت الازمة الاقتصادية في شهر فبراير شباط الماضي نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة المزدهرة. وقال ارتزو «عندما تسأل صاحب متجر «كم سلعة بعتها اليوم» فانه يجيب بانه «لم يبع شيئا منذ ثلاثة ايام»». واشار غياث الدين دمريكان الذي يمتلك متجرا صغيرا لبيع السلع الالكترونية انه غالبا ما يفتح ابواب المتجر في الصباح ليغلقها في المساء دون ان يبيع سلعة واحدة. وقال دمريكان «كل ما اريده الان هو استرداد حق السلع التي اشتريتها بالفعل. لا اشغل نفسي بتحقيق ربح». والزبائن الذين اشتروا منه سلعا بالقسط لم يدفعوا اقساطهم ومن ثم فانه لا يستطيع تسديد فوائد ديونه المصرفية. وأوضح «سيتعين علي الاغلاق اذا استمر ذلك». وتابع بعد ان اخذ نفسا عميقا من سيجارته «او ربما سافتح مقهى بدلا من ذلك.. على الاقل سيكون عندي حينئذ عدد كبير من الزبائن». ـ الوكالات