أعلنت موسكو أنها لا تنوي توقيع اتفاق التعاون مع صندوق النقد الدولي عن العام الجاري 2001م. وقد صرح وزير المالية الروسي الكسي كودرين أن هذا لا يعني أن بلاده لن تتعاون مع صندوق النقد الدولي، ولكنه يعني أنها ترفض إخضاع الإصلاح الاقتصادي لرقابة الصندوق. وربما يبدو للبعض أن هذا القرار من قبيل المفاجئة غير المتوقعة وخاصة أن المفاوضات دارت بين ممثلي الصندوق والحكومة الروسية على قدم وساق خلال العام الماضي وبداية العام الحالي بهدف التوقيع على برنامج التعاون بين الطرفين. غير أن المتتبع للعلاقة بين موسكو والصندوق منذ وصول بوتين إلى الحكم (وحتى عندما كان يتولى الحكومة الروسية في عهد يلتسين) في روسيا يستطيع إدراك مدى التوتر في هذه العلاقة التي يمكن فهمها بوضوح على خلفية طموحات الرئيس الروسي الخارجية وتصدى واشنطن ،المسيطرة على الصندوق، لهذه الطموحات. فمن الواضح تماما أن السلطة الروسية الجديدة التي ترمي بشكل واضح إلى تقوية دور روسيا على الساحة الدولية تسعى في هذا السياق إلى التخلص من أدوات الضغط الخارجي التي تمثلها قروض صندوق النقد الدولي. ويرى البعض أن ضرورة هذا الإجراء تعود لسببين: أولهما أن القروض التي أعلن الصندوق عزمه على تقديمها لروسيا سابقا توقف تقديمها لأجل غير مسمى، وثانيا لأن توصيات الصندوق لم تكن دائما محل الاتفاق التام داخل صفوف السلطة في روسيا. وفي الحقيقة ظهرت الخلافات بين الصندوق وروسيا خلال العامين المنصرمين وفي العام الماضي تحديدا وقعت الحكومة الروسية في مأزق بسبب وعود الصندوق حيث أنه أثناء إعداد ميزانية العام المالي 2001م في الصيف الماضي حصلت موسكو على ضمانات من الصندوق بتأجيل سداد المديونية المستحقة لنادي باريس. ونتيجة لذلك لم تضع الحكومة في ميزانية العام المذكور الاعتمادات الخاصة بتسديد هذه الديون. إلا أنه خلال عدة شهور فقط غير الصندوق موقفه جذريا ومن ثم طفت على السطح أزمة مديونية نادي باريس والتي تسببت في إعادة الحكومة الروسية لهيكلة الميزانية وتعديل بنودها للتمكن من التسديد، الأمر الذي أدى على الاصطدام بنواب البرلمان. في الوقت ذاته يشترط صندوق النقد الدولي لتوقيع اتفاقية التعاون مع روسيا تحديد الصلاحيات والمهام بين وزارة المالية والبنك المركزي وجعل ميزانية البنك المركزي الروسي أكثر شفافية. ويتضمن الشرط الأخير ضرورة كشف جميع المعلومات والبيانات الخاصة باستخدام روسيا للقروض المقدمة إليها بما فيها القروض غير محددة أوجه الإنفاق وهو ما تعتبره موسكو تدخلا في شئونها الداخلية . ويرى العديد من المراقبين أن تخلي روسيا عن توقيع اتفاقية التعاون مع الصندوق لا تعني بأي حال من الأحوال وقف العلاقات بين الطرفين بشكل نهائي حيث أن موسكو في الغالب لن تجد مفراً من التوصل إلى اتفاق مع الصندوق قبل عام 2003 حين يجب عليها أن تسدد حوالي 17 مليار دولار إلى المقرضين. وبعبارة أخرى تشير جميع التوقعات إلى أن الأعوام المقبلة ربما تشهد توقيع اتفاقية التعاون بين الحكومة الروسية وصندوق النقد الدولي. أما في العام الجاري فيبدو أن موسكو تفضل رسم سياستها الاقتصادية بدون إملاء من قبل الصندوق . ولكن لكي تتمكن من ذلك يجب أن يتدفق المزيد من الإيرادات إلى خزينة الدولة. وتعول موسكو على العوائد النفطية (تفترض الحكومة الروسية أن يزيد سعر النفط الروسي في السوق العالمية عن 20 دولاراً للبرميل حتى نهاية العام الجاري) ونمو الناتج المحلي الإجمالي ( من المفروض أن ينمو بمعدل يزيد عن 4% في السنة). غير أن المراقبين يشككون في تحقيق الناتج المحلي الإجمالي للمعدل المذكور من النمو، كما أن هناك تكهنات عديدة بانخفاض أسعار النفط مستقبلا. وعندئذ يمكن أن تشهد روسيا انكماشاً للإنتاج وارتفاعاً لموجة التضخم المالي، أي أنه ستكون هناك أزمة اقتصادية واسعة يواجهها الرئيس بوتين لأول مرة. ويتوقع البعض أن هذه الأزمة ربما سوف تدفع صندوق النقد الدولي لتقديم القروض مجددا لروسيا أو ربما ستدفع الرئيس الروسي إلى التخلي بشكل نهائي عن توصيات الصندوق وتبني برنامج اليسار للإصلاحات الاقتصادية.