تشير كافة الدلائل والمعطيات التي تشهدها الاراضي الفلسطينية حاليا وفي ظل الهجمة الصهيونية سياسيا واقتصاديا واعلاميا إلى ان الفلسطينيين ، في تلك المناطق لا يستطعيون ولا يملكون المقومات اللازمة للدراسة الشمولية المفصلة لاوضاعهم الاقتصادية في واقعها الراهن او المستقبلي اذ ان ذلك يحتاج إلى جهد جماعي متخصص يرتكز ويسترشد برؤية سياسية اقتصادية اجتماعية تعبر عن المصالح الوطنية والاجتماعية الفلسطينية. ولا نبالغ القول انهم يعيشون في ظروف صعبة ومعقدة وخطيرة تحتاج إلى بلورة اجماع وطني للاسس والمنطلقات المطلوبة للاقتصاد الفلسطيني في اطار الاسس المستقبلية للنظام السياسي بكل جوانبه للدولة الفلسطينية، لكي نمتلك مقومات القوة في مواجهة هذا العدو الصهيوني المتغطرس. وبهدف استشراف الواقع الراهن للاقتصاد الفلسطيني التقت «البيان» مع احد الباحثين والاكاديميين ورجال السلطة الفلسطينية غازي الصوراني وكان معه هذا الحوار: * كيف ترى الوضع الاقتصادي الحالي في المناطق الفلسطينية مع تزايد الحصار الاسرائيلي يوما بعد يوم؟ ـ اعتقد ان كلاً منا يمتلك رؤية او تحليلاً لهذا الواقع تختلف في التفاصيل وتتقاطع في الصورة العامة التي نتوافق عليها وتبين لنا ان المشكلة الاقتصادية ليست مشكلة مالية او ادارية فحسب وانما هي مشكلة في منظومة الفعل الاقتصادي بعوائق بروتوكول باريس الذي وضع الاقتصاد الفلسطيني تحت رحمة مخططي الاقتصاد الاسرائيليين ولكن رغم كل التعقيدات التي فرضتها الاتفاقات من جهة ورغم ممارسات العدو الاسرائيلي من جهة اخرى فقد كان من الممكن الا تكون اوضاعنا على ما هي عليه اليوم، وهذا هو درس الانتفاضة والاستشهاد الذي يدعونا إلى المستقبل، فخلال السبع سنوات العجاف الماضية تراجع مستوى المعيشة إلى اكثر من الضعف قياسا بعام 93 بفعل التضخم وارتفاع الاسعار وثبات الاجور والتوزيع غير العادل للثروة والدخل. وانخفض الدخل الحقيقي للفرد إلى اكثر من 25% عما كان عليه عام 93 اذ انه بلغ في ذلك العام 2000 دولار للفرد سنويا، اصبح اليوم حوالي 1500 دولار تعادل قوتها الشرائية 50% في الاردن و45% في سوريا و70% في مصر. وفي الوقت نفسه انخفض الناتج القومي الاجمالي من 5004 ملايين دولار عام 92 إلى 4204 عام 95 وهبط إلى 4052 عام 96 و4409 عام 97 ووصل إلى 5474 عام 98 وهي ليست زيادة في النمو الحقيقي اذا اخذنا بعين الاعتبار عدد السكان عام 93 الذي لم يتجاوز 202 مليون نسمة وارتفع مع بداية عام 2001 إلى حوالي 303 مليون نسمة، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع في مجموع القوى العاملة من 420 الف عامل عام 94 إلى 660 الف عامل عام 2000 في ظل ما هو معروف عن محدودية سوق العمل الفلسطيني الذي لا يستوعب اكثر من 5000 فرصة كل سنة في حين يدخله ما لا يقل عن 25 الف طالب عمل سنويا. وفي ظل هذه الاوضاع ارتفعت نسبة الفقراء واصبحت 20.1% من اجمالي السكان عام 97 وقفزت إلى اكثر من 25% عام 99 (25% اي 825 الف نسمة يستهلكون 9% من السلع والخدمات فقط). ان نسبة الفقراء تحت خط الفقر في قطاع غزة وصلت إلى 37.3% عام 99 وبالتأكيد ارتفعت هذه النسبة بصورة كبيرة في ظل ظروف الانتفاضة الحالية والحصار الاسرائيلي، اي ان كل اسرة من هؤلاء لا تستطيع تأمين اكثر من 1200 شيكل شهريا (1200 درهم شهريا) علما بان خط الفقر للاسرة هو 1650 شيكل. * ما هي معدلات النمو الاقتصادي في ظل تلك الظروف، وماذا عن مجالات الاستثمار، وكيف ترى المخرج من تلك الازمة؟ ـ بداية يمكن القول انه بالنسبة لمعدلات النمو الاقتصادي فقد بلغ عام 99 (4.7%) في حين ان الزيادة السكانية لا تقل عن 4.5% سنويا، واعتقد ان نسبة النمو الاقتصادي السنوي المطلوبة في واقعنا يجب ألا تقل عن 6% سنويا لكي نضمن ارتفاع الدخل السنوي للفرد بما يقترب من الالفي دولار، وان تحقيق هذه النسبة يتطلب تأمين ما لا يقل عن 1500 مليون دولار سنويا كاستثمارات في كافة القطاعات الانتاجية الفلسطينية. فقد كان حجم الاستثمار الكلي قبل عام 93 اكثر من الف مليون دولار، انخفض عام 96 إلى 496 مليون دولار. اما الاستثمار للمشاريع المسجلة في قطاع غزة والضفة فهي: قطاع غزة: مجموع قيمة المشاريع المسجلة خلال اربع سنوات 95 ـ 98 (154مليون دولار فقط) نفذ منها فقط 196 مليون دولار، نصيب الزراعة 4 ملايين. الضفة الغربية: مجموع المشاريع المسجلة خلال 3 سنوات 96 ـ 98 (487 مليون دولار) نفذ منها 364 مليون دولار، وهنا لابد لنا من ان نتساءل اين هو صندوق الاستثمار الفلسطيني وما هو دور المجلس الاعلى للتنمية؟ اضافة على تساؤلنا أين هو دور البنوك الوطنية وودائعها وتسهيلاتها الائتمانية وقروضها في خدمة التنمية الفلسطينية؟ ان الحديث عن التنمية خلال السبع سنوات يكشف لنا حقيقة ان اقتصادنا مازال يعاني من حالة الضعف والانكشاف المستمر المرتبط باستمرار السياسات الاسرائيلية وبروتوكول باريس واطار الغلاف الجمركي الاسرائيلي والسياسة التجارية والمواصفات الاسرائيلية. ونعاني ايضا من انقسام الضفة والقطاع بفعل الاحتلال إلى ما يشبه مجتمعين من الناحية الاقتصادية بسبب تكبيل حركة السوق الفلسطيني وما يعكسه ذلك على الاوضاع الاجتماعية بينهما. كما نعاني من مظاهر التضخم وارتفاع الاسعار وثبات الاجور وتدهور اوضاع الطبقات الفقيرة حيث ارتفعت الاسعار خلال السنوات السبع الماضية بالنسبة للسلع إلى اكثر من 100% مع ثبات اجور العاملين في القطاعين العام والخاص. لقد اصبحت اسرائيل في ظل الواقع الراهن هي الشريك الاكبر والاول لفلسطين في التجارة الخارجية فهناك حوالي 80 وكالة تجارية في الاراضي الفلسطينية لشركات اسرائيلية وجميع هذه الوكالات تخص سلعاً لها بدائل في الاسواق العربية في مصر والاردن، إلى جانب ذلك فإن نسبة 86% من استيراد الاراضي الفلسطينية من اسرائيل فيما لا تتجاوز نسبة الاستيراد من مصر والاردن 1% لكل منهما، اي اننا نستورد حوالي 10% من مجموع صادرات اسرائيل التي بلغت 24 مليار دولار عام 99 ونحتل بذلك الموقع الرابع بعد الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والدول الآسيوية. لذلك نطالب بتحليل كشف الوكالات التجارية والشركات والمؤسسات الاقتصادية الاسرائيلية بهدف فرض الحظر ومنع اي موظف عام من ممارسة هذا الخلل. * في ظل المعطيات الفلسطينية هل ترى من تأثيرات ما على الاقتصاد الاسرائيلي، ونوعها سلبا ام ايجابا؟ ـ بصراحة يمكن القول انه في مقابل كل هذه المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني خاصة في الموضوع الاقتصادي بسبب المواقف والممارسات العدوانية الاسرائيلية في كل المجالات نلاحظ النجاحات والصعود في بنية الاقتصاد الاسرائيلي في مرحلة التسوية، فعلى سبيل المثال: ـ نجحت اسرائيل في دمج اقتصادها بالاقتصاد العالمي وتتحول اليوم الى مركز رئيسي للعولمة في الشرق الاوسط مع تركيا. ـ تدفق هائل للاستثمارات الخارجية التي بلغت في السنوات الخمس الاخيرة معدل 3.5 مليارات دولار عام 96 ـ 97 ارتفعت الى 8.5 عام 99 في حين انها لم تتجاوز 400 مليون عام 91 ـ 92. ـ انتهت المقاطعة الاقتصادية لاسرائيل وهذا يعني توفير او شطب 50 مليار دولار خسارة المقاطعة سنويا خلال 45 عاما (اكثر من 2000 سلعة اسرائيلية تدخل الاسواق العربية). ـ ارتفاع مستوى التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة واوروبا اذ يصل حجم التبادل التجاري مع امريكا 23% من صادرات اسرائيل و44% مع الاتحاد الأوروبي. ـ ارتفاع دخل اسرائيل من السياحة الى 3 مليارات دولار سنويا. ـ النتائج الايجابية للاتفاقات على الصعيد الاسرائيلي والسلبية على الجانب العربي ومن ذلك: ـ تزايد مظاهر التبعية السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية. ـ تزايد مظاهر الضعف والتشرذم والتخلف والتراجع بالمعنى الوطني القطري او القومي. ـ تزايد مساحات الفقر والفساد. * وماذا عن مؤشرات الاستراتيجية الفلسطينية المستقبلية: ـ ان مثل هذه الاستراتيجية فتتطلب الجهد الواعي والمسئول من كافة المعنيين من الخبراء ورجال الاعمال والمستثمرين على الصعيد الوطني لمناقشة ووضع رؤية اقتصادية وطنية تتناول عدداً من المسائل منها على سبيل المثال لا الحصر: اولا: اعادة النظر في صيغة العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل بما يؤدي الى الغاء استمرارية هذا الواقع وهذه العلاقة الموروثة عن الاحتلال واتفاق باريس. التأكيد على رفض صيغة الاتحاد الجمركي وكذلك عدم التعامل مع اسرائيل وفق صيغة منطقة التجارة الحرة الا بعد انجاز عملية الاصلاح الهيكلي للاقتصاد الفلسطيني وهذا يقتضي تشكيل هيئة فلسطينية وطنية بصورة مؤقتة تحقيقا لهذه الغاية اذ ان اتفاقية التجارة الحرة تحمل العديد من السلبيات: ـ منافسة المنتجات الاسرائيلية للمنتجات الفلسطينية. ـ صعوبة منع البضائع التي تستوردها اسرائيل من الخارج دخول الاراضي الفلسطينية بدون جمارك. ـ تفرض الاتفاقية ضرورة ملاءمة المنتجات الفلسطينية لقواعد المنشأ والمواصفات لكي تدخل الى اسرائيل دون جمارك (لاتستطيع المنافسة). ـ البديل هو تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول العربية وعقد اتفاقات تجارة حرة معها. ثانيا: دراسة وتطبيق السبل الكفيلة بتعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاندماج الداخلي بين الضفة والقطاع وانهاء حالة الارتباط لكل من الضفة والقطاع بالاقتصاد الاسرائيلي حيث ان حدوث ذلك سيقلل من الاعتماد على اسرائيل في توظيف الفائض من العمالة الفلسطينية وذلك من خلال زيادة القدرة التشغيلية للاقتصاد المحلي في الضفة وغزة أو في السوق العربي.