تناولنا في الحلقة الماضية الأسباب والعوامل التي عززت من توجه الامارات ثقافياً واقتصادياً نحو العولمة وطالبنا بضرورة تحديد الآثار ، والانعكاسات التي ترتبت على هذا التوجه وخاصة حينما يتأكد لنا بأن العولمة قدمت البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وأضعفت من خصوصية المجتمع وأثرت على القرار الاقتصادي في الدولة. وسوف نتناول تلك الاثار من خلال مظاهر العولمة الاقتصادية في الامارات والتي تؤكد على ان الامارات قد حققت نجاحاً في سباق العولمة ان لم تكن قد سبقت العالم حقاً ولكن!! ـــ ان التدفق الكبير للعمالة الأجنبية الى سوق الامارات على النحو الذي شهدته سوق العمل في الدولة ولاسيما خلال العقود الثلاثة الماضية انما يعني احد أهم المظاهر البارزة للعولمة في الامارات خاصة وان هذه العمالة قد حملت معها مفاهيم وثقافات في الجانب الأكبر منها ثقافات فقيرة لم تسهم في خلق وعي جيد للتعامل مع العولمة بقدر ما سهلت من سرعة هيمنة فكر العولمة وسيطرته على سوق الامارات، خاصة اذا علمنا ان دوافع تلك العمالة تنصب بالاساس على تحقيق دخل سريع، ولم تكن تلك العمالة بأنها سوف تصبح في يوم ما جزءاً من مجتمع (معولم)، وانها سوف تسهم في تشكيل تركيبة جديدة (معولمة) لمجتمع الامارات. ولم يكن في حسبان تلك العمالة بأن دوافعها وبواعثها وأهدافها سوف تتغير وتصبح اضافة الى الدافع المادي، ان يكون لديه رغبة في الاستقرار والاقامة الدائمة في مجتمع الامارات الذي اصبح يحتضن كل الجنسيات، ويوفر كل الخدمات شبه المجانيه، واصبحت هذه العمالة مع مرور الوقت مساهمة في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولربما السياسية ايضا مهما كانت درجة مساهمتها، كما ان هذه العمالة قد شكلت مناخات ثقافية واقتصادية أملت على سوق الامارات سلوكيات وقيم للتعامل التجاري والاقتصادي لم يكن يعرفها مجتمع الامارات من قبل، وذلك بعد ان تحول مجتمع الامارات من مجتمع محدود ومنغلق الى مجتمع مفتوح وواسع بالمعنى المجازي، واصبحت شخصية مجتمع الامارات تتسم بالعالمية بعد ان ذاب المجتمع بقيمه وثقافته في محيط العولمة الذي صنعته العماله الوافدة. ــــ هيمنة رأس المال الاجنبي أو الاستثمارات الاجنبية في القطاعات الاقتصادية المختلفة ولاسيما القطاعات الخدمية حيث شهدت السنوات العشرين الماضية تدفقا لرؤوس الاموال الاجنبية استطاعت ان تتوسع على حساب رؤوس الأموال أو الاستثمارات الوطنية وقد ساعد رأس المال الاجنبي على هذا التوسع طبيعة السوق المحلية الجامحة للتغير نحو العولمة والانفتاح الاقتصادي والحرية الاقتصادية التي تتبناها الدولة ومنذ قيامها فضلا عن مقومات رؤوس الأموال الاجنبية المتمثلة في الخبرة الطويلة والادارة الجيدة، لذلك فقد رأس المال الوطني قدرته في السوق والمحلية واتضحت الهيمنة الاجنبية لرؤوس الأموال الاجنبية، وأصبحت رؤوس الأموال الوطنية تتدفق الى الخارج والجزء المتبقي المحدود يعيش على الهامش، وقد تجسدت معالم الاستثمارات الاجنبية هذه في الشركات الاجنبية الكبيرة التي اصبحت مسيطرة كليا على معظم القطاعات الاقتصادية ولاسيما الخدمية. ـــ ومن معالم العولمة الاقتصادية المبكرة في الامارات ايضاً نجد ان الشارع التجاري في أسواقنا المختلفة في معظمه أصبح معولماً، فالمحلات، والمطاعم، ومكاتب الخدمات والشركات، والمراكز التجارية تؤكد على عولمة مبكرة تشهدها هذه الأسواق فالبضائع والسلع التي تباع في أسواقنا ومن خلال تلك المحلات والشركات مستوردة كلها من مختلف أسواق العالم، المطاعم أصبحت تقدم مختلف أنواع الاطعمة الاجنبية وربما تأتي جاهزة ومستوردة من الخارج وتقدم اصنافاً مختلفة لتلبية أذواق مختلف الجنسيات التي تعيش وتعمل في سوق الامارات، وأصبحت سلسلة المطاعم الاجنبية تتنافس فيما بينها على استقطاب زبائن العولمة الذين يسيرون في شوارع اماراتية، المراكز التجارية لم تعد تكتظ بالعمالة الاجنبية فحسب وانما اصبحت تغص بالسلع والمنتجات ذات الماركات العالمية الاصلية منها والمقلدة وذلك في اطار تنافس شديد على استقطاب الزبائن ذو الجنسيات المختلفة، ولم تعد تلك المحلات أو المراكز تهتم بالقوة الشرائية للمواطنين وانما يهمها ان تستقطب قوة شرائية متعددة الجنسيات بعد ان اصبحت هذه الأخيرة تشكل أهمية كبرى لدى تلك المحلات والمراكز التجارية ولذا نجد ان المنافسة الأجنبية على القوة الشرائية الاجنبية في سوق الامارات المحلية لاتراعي وجود المشتري الاماراتي بقدر ما يهمها المشتري الوافد وفي هذا الاطار فانها تعطي تسهيلات ومزايا للمشتري الوافد قد لايجدها هذا (الوافد) في البلد الذي ينتمي اليه. ـــ لقد اصبحت لغة التخاطب والتعامل في سوق الامارات هي لغات ولهجات اجنبية مختلف فاللوحات التي تحملها المحلات والمراكز والشركات هي بلغات اجنبية ولم تعد اللغة العربية هي لغة التعامل، وبالتالي فان المواطن والعربي اللذين لايجيدان اللغات الاجنبية أو اللهجات الاجنبية لايستطيعان العمل أو الدخول في سوق العمل، واصبحت اللغة الانجليزية شرطاً للقبول في اي وظيفة يتقدم لها هذا المواطن أو العربي المقيم في الامارات، كما أصبحت المدارس والمعاهد التي تدرس لغات العولمة منتشرة وتشكل ظاهرة في سوق العمل في الامارات واصبح اهتمام أولياء الأمور في الامارات ينصب على تعليم ابنائهم لغات اجنبية حتى ولو اصبح هذا الابن أو البنت لايجيدان اللغة الأم وهي اللغة العربية، وأصبحت اجادة اللغة الاجنبية لدى الابناء مجالاً للتفاخر عند الاباء والأمهات فيما تعاني اللغة العربية لديهم من احتضار حقيقي بعد ان اصبحت هذه اللغة خارج محيط العولمة، وبعد ان اصبح العرب يعيشون على هامش العالمية. ــ للعولمة في الامارات مظاهرها واشكالها التي لم تعد تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب وانما اصبحت تشكل خطراً حقيقياً على واقعنا الثقافي والاجتماعي بعد ان أصبح هذا الواقع مرتبطاً وبشكل كبير بالتطورات والمتغيرات التي تحدث في الواقع الاقتصادي المعايش في الامارات فقد فرضت هذه العولمة الاقتصادية واقعاً اجتماعياً وثقافياً مغايراً لم يمس اللغة فحسب وانما البنية والجذور والقيم والعادات والمعتقدات والاصول، حيث تواجدت اشكالا ثقافية واجتماعية ومعتقدات وسلوكيات لم يعرفها المجتمع الاماراتي من قبل وأصبحت العادات والسلوكيات ظواهر في هذا المجتمع تؤكد على العولمة المبكرة في مجتمع الامارات، وأصبح أفراد المجتمع الاماراتي مجبرين على التعامل مع الواقع الجديد المعولم حتى لو ادى ذلك الى تناسي كل السلوكيات والقيم والاخلاقيات التي كانت تمثل المزيج الذي عزز من تواجد وتماسك المجتمع الاماراتي قبل غزو العولمة لهذا المجتمع واصبحت قيمنا وسلوكياتنا في التخاطب والتعامل محاصرة بقيم وسلوكيات العولمة. لقد أصبحت أعراض العولمة واضحة المعالم على جسد المجتمع الاقتصادي في الامارات وقد ظهرت تلك الاعراض المبكرة منذ سنوات عديدة ماضية، وقد ساعد على ذلك طبيعة الاقتصاد الحر والمفتوح في الامارات، ثم التشريعات والقوانين المحفزة لشركات العولمة والتوجه لدى مختلف الجهات والمؤسسات وشرائح المجتمع بقبول اعراض العولمة. وبالتالي وفي ضوء تلك الاعراض والمعطيات فإنه يجب التعامل مع العولمة من منطلق انها اصبحت واقعاً حقيقياً ولكن يجب ان نشير الى ان تعاملنا الحالي مع العولمة سلبياً اي بمعنى ان نعطي للعولمة احقية التمدد على سطح سوقنا واوضاعنا الاقتصادية دون ان نعزز من اوضاعنا الاقتصادية الوطنية وبالتالي فإننا نخسر وسوف نخسر الكثير من المكتسبات ليس الاقتصادية فحسب وانما الاجتماعية والثقافية وربما السياسية ايضاً.