ان التوسع الكبير في التجارة يعني تزايد المنافسة، مما يجعل الابتكار المستمر أكثر حيوية ويفضي الى النجاح، ولذلك سرعت العولمة، عملية اعادة البناء الصناعي والوظيفي، مما ادى الى هبوط نجم بعض الصناعات والوظائف، وصعود نجوم اخرى. ومن الاشارات الدالة على العولمة، تزايد حصة الصادرات والواردات في الناتج الاقتصادي، فقد سجلت صادرات وواردات الولايات المتحدة نمواً من 11% من اجمالي الناتج المحلي عام 1970 حتى 25% عام 1997، وارتفعت الصادرات العالمية من 1.3 تريليون دولار عام 1970 الى 4.3 تريليونات دولار عام 1995. ويقول فريزر وأوبنهايم «اننا على شفا تحول كبير طويل المدى في الاقتصاد العالمي من سلسلة من الصناعات المحلية داخل الدول ذات الاقتصاديات المغلقة الى نظام من الأسواق العالمية المتكاملة التي يتنافس فيها لاعبون دوليون. وسوف يدفع عجلة هذا النمو الأسواق العالمية الى خفض الحواجز الاقتصادية والتجارية، وربما الأهم من ذلك، التغير التكنولوجي، الذي يسهل عملية نقل وانشاء المصانع في اي مكان مع امكانية بيع المنتجات والخدمات في اي مكان آخر ايضاً. وانطلاقاً من ذلك قد اصبح لزاماً على الشركات العالمية ان تستثمر في جميع انحاء العالم لتحافظ على قدراتها التنافسية بالوصول الى الأسواق والتكنولوجيا والمواهب ايضا، وتعتبر بيانات الاستثمارات الاجنبية المباشرة مؤشراً واضحاً على الاتجاه نحو العولمة. وتشمل الاستثمارات الاجنبية المباشرة انشطة الشركات الكبيرة مثل بناء المصانع أو الفروع في الدول الاجنبية وشراء الأسهم في شركات اجنبية. ولاتشتمل هذه الاستثمارات على تدفقات رأس المال قصيرة الاجل مثل استثمارات المحافظ والصناديق الاستثمارية في الاقتصاديات الجديدة الصاعدة. القدرة التنافسية ويؤكد الاقتصاد الجديد على ما قاله دوجلاس نورث الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، حول «الكفاءة المكتسبة» ويقصد بذلك قدرة المؤسسات على الابتكار والتعلم المستمر والتغير المنتج ولطالما كانت الأصول الثابتة والتمويل والعمالة هي المصادر الرئيسية للقدرة التنافسية للشركات في ظل الاقتصاد القديم، اما في الوقت الحالي فقد أصبح التعلم والابداع والتكيف هي القواعد الاساسية للقدرة التنافسية في الكثير من الصناعات. واصبح الاستمرار في الابتكار هو هدف اي مؤسسة تريد ان تزدهر، وينبغي ان يكون ايضا هدفاً لأي سياسات في ظل الاقتصاد الجديد. وهناك عدة عوامل تدفع الى احتدام المنافسة، منها ظهور السوق العالمية وتزايد اعداد الشركات والتكنولوجيا الجديدة التي تسهل على الشركات دخول الأسواق، مع الضغوط المتزايدة من أسواق الأوراق المالية من اجل التركيز على مصالح أصحاب الأسهم. ان المناخ المتضارب للاندماجات وشراء الشركات، متزامناً مع تزايد أعداد المؤسسات الاستثمارية، يعني ان الشركات التي لن تلجأ الى خفض التكلفة وتحسين الاداء المالي سوف تواجه صعوبات ومخاطر في سوق الاسهم، هذه المنافسة تعني انخفاض قدرة الشركات على حماية العمال، مثل الحفاظ على مستوى الاجور أو عدد العاملين حسب ما تمليه قواعد السوق. موت الشركات العملاقة قد ينتج عن الاتجاهات المشتتة للاقتصاد الجديد الموت التدريجي للمؤسسات الكبيرة، وفي ظل الاقتصاد الجديد والتركيز على الابتكار فإن انتشار الشركات سريعة النمو في الاقتصاد الجديد هو دلالة على القدرة الابتكارية لكن الشركات الصغيرة هي مفتاح السر، خاصة تلك التي تتميز بسرعة نموها، وهذا النوع من الشركات شكل 46% من نسبة نمو الوظائف في عام 1997. ان ظهور صناعات جديدة يعني ظهور وظائف جديدة ايضا، في الوقت الذي غيرت فيه التكنولوجيا الجديدة والسبل المبتكرة من تنظيم العمل في كثير من الوظائف القائمة، وساهم هذان الاتجاهان في تغيير المنظومة الوظيفية في الاقتصاد الجديد، حيث سجلت الوظائف القائمة على المعرفة والمعلومات نمواً في نصيبها على مستوى العالم خلال العقد المنصرم، في الوقت الذي انخفضت فيه الوظائف القائمة على المهارات المحدودة. من جهة اخرى خفض تضافر المنافسة الشرسة مع موجة المنتجات القائمة على الابتكار والتكنولوجيا من دورة حياة المنتج، بين طرحها في الأسواق واحلالها بمنتجات وخدمات أفضل، مثال ذلك ان مكونات اجهزة الكمبيوتر تفقد 1% من قيمتها كل اسبوع. وقد ادت المنافسة الشرسة الى ضغط دورة حياة المنتج في قطاعات اخرى مثل تصنيع السيارات. محركات الاقتصاد الجديد ويعتقد خبراء الاقتصاد ان اطار السياسات التقدمي القائم على الابتكار في الاقتصاد الجديد ينبغي ان يقوم على اربعة اعمدة هي: ـــ الاستثمار في المؤسسات الاقتصادية الجديدة خاصة التعليم والتدريب والبحث العلمي والتكنولوجي. ـــ انشاء نظام تجاري مفتوح ومرن يدعم النمو والابتكار ويشمل سياسات لدعم ثورة تكنولوجيا المعلومات. ـــ تطوير سياسات لتمكين العاملين من الحصول على الأدوات التي يحتاجونها للتكيف والازدهار والتجوال في الظروف الاقتصادية دائمة التغير. ـــ اعادة تنظيم مبتكر للحكومة وتحولها الى الوسائل الرقمية لتحقق تلك الأهداف بسرعة واستجابة عالية ومرونة. فاذا طلبنا من العاملين ان يتحملوا المخاطر المصاحبة للاقتصاد الجديد، ينبغي ان نسلحهم بالأدوات اللازمة للازدهار ومواجهة التغيرات وغموض التوقعات. فاذا لم تستثمر اي دولة في التعليم القائم على المعرفة على المستوى العالمي، وفي التدريب والعلوم والتقنية فإن مؤسساتها سوف تفتقر الى العاملين المهرة والأدوات التي يحتاجونها للنمو وايجاد وظائف توفر اجوراً جيدة. واذا لم تحول حكومة العصر الصناعي نفسها الى حكومة عصر المعرفة والمعلومات، سوف تفقد الكفاءة وتصبح عتيقة ومغلولة الأطراف عن ملاحقة التقدم.