في البيان المشترك الصادر عن قمة مجلس التعاون الخليجي الصادر بالمنامة في نهاية العام الماضي 2000، اقر القادة اتخاذ الخطوات اللازمة، لتنفيذ المادة 22 من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بالنسبة لتوحيد العملات الخليجية، وفي تصوري ان هذا القرار كان من اهم القرارات الصادرة عن القمة الخليجية بالرغم من اهمية القرارات الاخرى الصادرة عنها. ان توحيد العملات الخليجية وان كان يمثل صعوبات لوقوف بعض الدول الخليجية ضدها في الماضي وتمسكها بعملاتها المحلية، فإنه اصبح ضرورياً في ضوء التطورات الاقتصادية الحديثة التي تمت مؤخرا على الصعيدين العالمي والاقليمي، وخاصة منها توحيد العملات الأوروبية وانشاء عملة موحدة هي «اليورو» التي نشأت حسابيا في اول عام 1999 وتبدأ كعملة كاملة في يوليو عام 2002. ومن هنا يأتي قرار القمة الخليجية واهتمامها بتوحيد العملات حيث ـــ كما ذكر البيان ــ اعتمدت المثبت المشترك لعملات دول المجلس كخطوة اولى، وكلفت المسئولين الفنيين بدول المجلس بوضع برنامج زمني لتوحيد العملة وعرضه على القمة المقبلة في مسقط والمقرر انعقادها آخر هذا العام، مع الاتفاق على الآليات والاجراءات اللازمة لزيادة تسهيل التعامل بعملات دول المجلس في اسواق الدول الاعضاء. ولقد صاحب هذا لقرار السماح لمواطني دول المجلس بممارسة جميع الانشطة الاقتصادية والمهنية في اية دولة عضو، فيما عدا عددا محدودا منها سيقتصر مرحليا على مواطني كل دولة على حدة، مع تحديد العمل بالقانون الموحد للجمارك بشكل استرشادي لمدة عام آخر اعتبارا من يناير عام 2001 على ان تلتزم الدول الست بتطبيقه بالكامل اعتبارا من شهر يناير عام 2002. وفي مجال المثبت المشترك للعملات الخليجية، فالمعروف ان خمس من الدول الاعضاء تأخذ بالدولار الامريكي كمثبت مشترك لعملاتها المحلية، اما الكويت فتأخذ بسلة من العملات يشكل الدولار الامريكي جزءا كبيرا منها، وكان من الضروري ان تتفق كافة الدول الاعضاء على مثبت مشترك واحد للعملة الخليجية الموحدة، في ضوء تجربة الماضي ومن واقع التطورات الحديثة لنظام تقييم العملات على الصعيد العالمي وفي ضوء قواعد صندوق النقد الدولي. واذا كان الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية البحريني قد ذكر في مؤتمر صحفي عقد بعد القمة ان المجلس الاعلى اتفق على المثبت المشترك لعملات دول المجلس كخطوة اولى لتحقيق هذا الهدف، إلا انه لم يتبين بشكل قاطع ماهية هذا المثبت وما اذا كان بالدولار الامريكي او بوحدة حقوق سحب خاصة، او بسلة اخرى يختارها الفنيون في ضوء نسبة المعاملات الخارجية بينهم وبين الدول التي تتعامل معهم، والتي اعتقد انها قد اختلفت حاليا عن ما كان عليه وضع المعاملات في الماضي، والذي تم على اساسه اختيار الدولار الامريكي كمثبت مشترك لعملات الدول الخليجية. ولاشك ان المثبت المشترك يتعين تحديده في ضوء القواعد الواردة في اتفاقية صندوق النقد الدولي التي تم تعديلها في ابريل عام 1978 والتي لا تخرج عما يلي: ـــ مثبت مشترك بوحدات حقوق سحب خاصة. ـــ مثبت مشترك بعملة قوية كالدولار الامريكي او الجنيه الاسترليني. ـــ مثبت مشترك آخر يختاره او يضعه العضو «سلة جديدة». ومن واقع دراسة اعدها احد الخبراء العرب الفنيين في هذا المجال وفي ضوء ما ورد بالتقرير السنوي الذي اعده صندوق النقد الدولي عن الانضمة النقدية وقواعد التحويلات الخارجية المطبقة في كل من الدول الاعضاء بالصندوق، يتبين ان هناك عددا كبيرا من الانظمة المعمول بها في تحديد اسعار صرف العملات الاجنبية، غير ان كلها تدور حول نظامين اثنين: الثبات والتعويم وقد رأيت ان اعرض ملخص هذه الانظمة امام المسئولين المختصين عن دراسة وضع مثبت مشترك للعملة الخليجية الموحدة بمجلس التعاون الخليجي: ـــ التزام السلطة النقدية بربط العملة الوطنية بعملة اجنبية بسعر صرف ثابت غير قابل للتغيير تحت اشراف ما يعرف باسم مجلس العملة، وهو نظام تتبعه ثماني دول في العالم. ـــ ربط سعر العملة الوطنية بعملة اجنبية واحدة او بمجموعة من العملات، وهو النظام الذي طبقته مصر يربط الجنيه المصري بالدولار الامريكي ويسمح هذا النظام بتحرك سعر العملة صعودا او هبوطا بحد اقصى 1% فيما يعرف باسم التعويم المحكوم او المدار (بضم الميم) ويتبع هذا النظام 45 دولة في العالم، وهو من اكثر النظم التي تلقى اقبالا بين الدول. ـــ ربط سعر الصرف بعملة اجنبية اخرى مثل سابقه مع السماح بتحرك السعر بنسبة قد تزيد على 1% وقد يصل هامش الارتفاع والهبوط الى 2% وهو نظام تتبعه حاليا ست دول هي قبرص ايسلندا وليبيا وفيتنام بالاضافة الى اليونان والدنمارك في اطار مرحلة انتقالية قبيل انضمامها الى منطقة اليورو. ـــ نظام الربط المتحرك الذي يقضي باجراء تعديل دوري طفيف لسعر العملة طبقا لجدول معلن مسبقا او استجابة لمؤشرات اقتصادية متفق عليها، وهو نظام تتبعه خمس دول من بينها تونس وتركيا. ـــ نظام الهوامش المتحركة الذي يسمح بصعود وهبوط العملة في اطار سعر ثابت يجري تعديله طبقا لجدول يعلن مسبقا او استجابة لمؤشرات اقتصادية متفق عليها، وهو نظام تتبعه ست دول من بينها اسرائيل التي تعتمد على استقرار الاسعار كأساس لتحديد سعر صرف الشيكل. ـــ التعويم المحكوم او المدار، حيث تقوم السلطة النقدية (البنك المركزي) بتوجيه اسعار الصرف من خلال التدخل المباشر بالبيع او الشراء في اسواق النقد، وهو نظام تتبعه 27 دولة من بينها سنغافورة. ـــ التعويم الكامل طبقا لحركة الاسواق، حيث يقتصر دور البنك المركزي على امتصاص التقلبات الحادة وتحقيق الاعتدال المطلوب دون تدخل في اتجاه الاسعار صعودا او هبوطا، وهو نظام تتبعه 50 دولة من بينها الهند وسويسرا والولايات المتحدة الامريكية. وفي ضوء ذلك يتبين ان لكل عملة «مثبت مشترك» تقاس عليه او توزن به «كالكيلو جرام» وذلك ما عدا الدول التي تأخذ بنظام التعويم الكامل، حيث يتدخل البنك المركزي لامتصاص التقلبات الحادة ومحاولة الوصول إلى هى الاستقرار المطلوب للعملة المحلية التي تؤدي الى استقرار اسعار السلع والخدمات في الدولة وبالتالي يتم الاسترشاد بها في دراسات الجدوى وانشاء مشروعات انتاجية وخدمية داخلية، كما يتم عن طريقها استقرار التعامل مع الخارج عاجلا أو آجلا بناء على توقعات اسعار صرفها. ان اختيار «المثبت المشترك» لنظام اسعار صرف العملة الخليجية الموحدة المقترحة، يتوقف على حجم معاملات الدول الخليجية مع الخارج، والنسبة التي تشكل حجم هذه المعاملات مع كل دولة، ولقد كان «المثبت المشترك» لعملات اغلب الدول الخليجية هو الدولار الأمريكي على اساس ان النسبة الغالبة من حجم معاملات هذه الدول كانت تتم مع الولايات المتحدة الامريكية، وبالتالي فإن التعامل التجاري والخدمي معها الذي يتم بالدولار الامريكي لا يشكل خسارة او مكسبا ملحوظا اذا ما تم تغيير سعر الدولار الأمريكي صعودا او هبوطا بالاسواق الخارجية. أما االيوم فإن الوضع قد تغير حيث ان نسبة كبيرة من معاملات الدول الخليجية تتم حاليا مع الدول الأوروبية، وبالتالي فإن تغيير سعر الدولار الأمريكي بالنسبة «لليورو» او لعملات الدول الأوروبية، يمكن ان يؤدي الى مكاسب في حالة ارتفاعه، او الى خسائر في حالة انخفاضه، وبالتأكيد تتأثر حركة الصادرات والواردات في حالة حدوث هذا التغيير، وبما يؤدي الى زيادة الصادرات او انخفاضها، او العكس بالنسبة للواردات. ومن هنا فإن اختيار «المثبت المشترك» للعملة الخليجية الموحدة يحتاج الى وقفة طويلة والى دراسة متأنية، وإلى استعانة بخبراء عرب مؤتمنين من داخل دول الخليج وخارجها، وإلى مشورة صندوق النقد الدولي عن طريق خبرائه المعينين بالمنطقة، لأن هذا الاختيار يتوقف عليه مستقبل المعاملات النقدية الخارجية لمنطقة الخليج بأكملها، ومدى الحصول على المقابل العادل للمعاملات التجارية والبترولية والخدمية التي تتم مع المنطقة. اقول ان الموضوع يحتاج الى اادة نظر قبل القرار النهائي، وعلى ان يعتمد هذا القرار على العوامل النقدية والتجارية والاقتصادية، وبعيدا عن العوامل السياسية والنفسية خاصة وان اختيار «مثبت مشترك» بالدولار الامريكي او بوحدة حقوق سحب خاصة او غيرهما لا يهم الولايات المتحدة الأمريكية في شيء بينما يؤثر على المعاملات الخليجية مع الخارج بوجه عام.. سلبا او ايجابا