يناقش رؤساء غرف التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعهم السادس والعشرين بالمنامة يومي 11 و12 ابريل المقبل مذكرة توصي بتأجيل تطبيق قانون الجمارك الموحد لدول المجلس بشكل الزامي لحين استكمال دراسته بشكل واف من كافة الجوانب خاصة وان العمل بالتعرفة الجمركية الموحدة لن يبدأ قبل عام 2005. وابلغت مصادر الامانة العامة لاتحاد غرف التعاون «البيان» ان رؤساء الغرف سوف يستعرضون في هذا الخصوص مذكرة اعدتها غرفة تجارة وصناعة الكويت قبل عرضها على اللقاء المشترك المقبل بين رؤساء الغرف والمسئولين في الامانة العامة لمجلس التعاون. وتشير المذكرة إلى أن الامانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية اعدت مشروع القانون الموحد انطلاقاً من توجهات دول المجلس لاقامة السوق الخليجية المشتركة وتوحيد التعرفة الجمركية تجاه الدول الاخرى. والقانون المقترح هو اول قانون ذو صفة الزامية وليس استرشادية على مستوى القوانين الخليجية الموحدة. وقد قامت الامانة باعداد هذا المشروع من خلال لجنة مثلت الادارات الجمركية الخليجية. كما طلب من هذه الادارات ابداء الرأي في احكام المشروع قبل عرضه على الاجتماع الوزاري. وبعد عرض المشروع على اجتماع وزراء المالية وبناء على توصيته فقد قرر المجلس الاعلى في دورته العشرين العمل بالقانون الموحد بشكل استرشادي لمدة عام من تاريخ اقراره على ان تتم مراجعته وفق ما يرد من الامانة العامة من ملاحظات حوله من الدول الاعضاء تمهيداً للعمل به بشكل الزامي في جميع الدول الاعضاء وتضيف المذكرة: ولما كانت اللجنة الفنية المكلفة بمراجعة مشروع القانون الموحد لم تنته من مواجهته حتى الآن، فقد اوصت لجنة التعاون المالي والاقتصادي في اجتماعها الثالث والخمسين الذي عقد في 14/10/2000 برفع توصية للمجلس الوزاري ليقوم بدوره برفع توصية للمجلس الاعلى بتمديد العمل بالقانون الموحد بشكل استرشادي لمدة عام آخر. وتوضح المذكرة الكويتية انه بدراسة مشروع القانون المقدم يمكن ومن الوهلة الاولى ملاحظة انه لم يأخذ حقه من الدراسة والجهد المطلوب لمثل هذا العمل. سيما ان الصيغة الالزامية للمشروع تجعل من المتعذر تعديله بعد صدوره الا بقرار من القمة الخليجية. وتقول المذكرة انه من المستغرب ان يكون مشروع قانون موحد على مستوى الدول الست لمجلس التعاون يعد في غياب الاجهزة التشريعية، كادارة الفتوى والتشريع في الكويت، وان يكون عرض هذا الموضوع على مثل هذه الاجهزة مجرد اجتهاد من ادارة الجمارك العامة، في حين ان مثل هذه الاجهزة هي المختصة اساساً بالصياغة القانونية، في حين يقتصر رأي الجهة الفنية على المسائل العملية والفنية. وهذه الآلية المقلوبة جعلت من المشروع المقدم جملة من الافكار الفنية التي صيغت على شكل مواد مرقمة لتأخذ شكل مشروع قانون. فالصياغة القانونية غائبة احياناً وضعيفة في اغلب الاحيان، والمصطلحات غير موحدة ويمكن ان تسبب لبسا عند التطبيق، وثمة تعارض صريح مع انظمة قانونية وطنية قائمة وتداخل في اختصاصات الهيئات ذات العلاقة بتطبيق القانون. اما الاحكام التي جاء بها مشروع القانون فيمكن ابداء ملاحظات تفصيلية على كثير منها، الا ان ما يهمنا التأكيد عليه هنا هو ان المشروع لم يستطع ان يواكب التطور في الانظمة الجمركية واجراءاتها وتقنياتها الحديثة، كما لم يحاول ان يستجيب لمتطلبات العولمة وتوجهات منظمة التجارة العالمية. وهذا ما يمكن ان ينزع منه دوره الاساسي كأداة تطوير للتجارة الخليجية. وكأمثلة على ما يعيب المشروع من الناحيتين القانونية والفنية اوردت المذكرة بايجار شديد عدداً من الملاحظات التي تتمثل في: أولاً: من الناحية القانونية: ــ تثير مجموعة من مواد مشروع القانون شبهة دستورية ناجمة عن تناقضها مع بعض نصوص دستور دولة الكويت، فقد نصت المادة 145 من المشروع على أنه «للمدير العام ان يقرر مصادرة البضائع ووسائط النقل المحجوزة في حالة قرار المهربين وعدم الاستدلال عليهم.. الخ». فهذه الصلاحية المقررة للمدير العام لا تنسجم مع حكم المادة 19 من الدستور والتي تنص على ان «المصادرة للاموال محظورة، ولا تكون عقوبة المصادرة الخاصة الا بحكم قضائي». ومنها كذلك نص المادة (140) التي قررت عقوبات تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون وهو ما يتعارض ونص المادة (32) من الدستور التي قررت انه «لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون». وكذلك الحال بالنسبة لنصوص المواد (112) و(144) في قيام شبهة معارضتها لأحكام نص عليها الدستور الكويتي، ومن المتصور ان تكون هناك شبه دستورية تناقض نصوص دستورية في دول خليجية اخرى. جاء مشروع القانون في أكثر من موضوع بتنظيم مرافق منظمة في كل دولة بتشريع خاص، وبما لايتفق مع هذه التشريعات، كما ان أصول الصياغة القانونية لاتتسق وهذا التفصيل الوارد في المشروع. وانما يجب ان يقتصر في احكامه على ما لم يرد أو ما لا يرد عادة في تنظيم المؤسسات أو في التشريعات ذات الصلة. والمثال الواضح في هذا الصدد هو الفصل الثامن من المشروع والخاص بأصول المحاكمات والذي لم يكتف باجازة تشكيل محاكم جمركية في كل من الادارة والدوائر الجمركية، بل ذهب ايضا الى تحديد طرق الاستئناف. كما جاءت مواد اخرى بتنظيم مسائل تخرج عن اطار التنظيم الجمركي الى اختصاصات جهات اخرى كتنظيم الموانيء والطيران المدني (م20 ـــ 23). كذلك تضمن مشروع القانون جملة من الاحكام يترتب على تبنيها اجراء تعديلات جوهرية في قوانين اخرى قائمة من جهة، وتغييرات أساسية في انظمة ادارية وتشريعية مستقره. فالمادة 125 من المشروع ـــ على سبيل المثال ـــ تجيز لموظفي ادارة الجمارك التحري عن التهريب وحجز البضائع والتحقيق في المخالفات الجمركية على امتداد اراضي الدولة، وخارج النطاقين الجمركيين البري والبحري. ومثل هذا النص يعطي موظفي الجمارك سلطة ملاحقة المهربين (وهو ما أكده مشروع القانون حين سمح لموظفي الجمارك بحمل السلاح) وهي سلطة تنحصر عادة بأجهزة الشرطة والأمن. مما سيؤدي الى تداخل في الاختصاص يقتضي اعادة دراسة وترتيب صلاحيات وحدود عمل هذه الاجهزة، والتنازل عن نظام كفء وناجح ومستقر لمصلحة نظام قد لايتمتع بنفس الكفاءة. وكبرهان على ان مشروع القانون لم ينل حظه من الدراسة الكافية والمتأنية، نلاحظ تعارضا بين احكام المشروع نفسه. فالمادة 14 ـــ على سبيل المثال ـــ تنص على ان تطبق التعرفة الجمركية النافذة في تاريخ تسجيل البيان الجمركي كأساس لاحتساب الرسوم على البضائع المودعة في المستودع. بينما تقرر المادة 17 تطبيق التعرفة الجمركية النافذة يوم البيع على البضائع التي تبيعها الدائرة. فاذا كانت هذه البضائع المعروضة للبيع هي ذاتها المودعة في المستودع، ستجد الادارة نفسها امام معيارين مختلفين لاحتساب الرسوم الجمركية. ومن جهة اخرى، نجد ان مواد عديدة قد تناولت مسألة تحديد النطاق الجمركي دون ان يكون بين هذه المواد اتساق منسجم، كالاختلاف الواضح بين المادة الأولى والمادتين الخامسة والثامنة في تحديد النطاق الجمركي. ثانيا: من الناحية الفنية من جانب آخر جاء المشروع متواضعا جداً في معالجته لمسائل هامة متعلقة بالعمل الجمركي، كاهماله الاخذ ببعض الانظمة الحديثة في هذا المجال، أو اغفاله احكام اتفاقيات دولية متعلقة بعمل الجمارك. ونسوق هنا، على سبيل المثال وبايجاز شديد الحالات الاربع التالية: عانى النظام التجاري الدولي من ثغرات وسلبيات كثيرة، في انظمة التثمين الجمركي في العديد من دول العالم، حيث اتسمت هذه الانظمة بعدم الشفافية والتعسف والاضرار بالمستورد وعدم السماح له بالتظلم من الممارسات الادارية لموظفي الجمارك، ولهذا حاولت اتفاقية الجات لعام 1994 سد بعض هذه الثغرات ومعالجة السلبيات ما امكن من خلال ما يسمى اختصارا «اتفاقية التثمين الجمركي» وهذه الاتفاقية تضع مباديء وقواعد عامة تخدم تحرير التجارة العالمية، وتعطي المستورد فرصة للدفاع عن حقوقه. والملاحظ ان مشروع القانون قد راعى في بابه الرابع بعض هذه القواعد والمباديء الا انه لم يوفر للمستورد المجال الكافي للاعتراض والتظلم على قرارات الادارة الجمركية بشأن تثبيت قيم وارداته، كما اعتبر لجوء المستورد الى تخفيض قيم البضاعة المستوردة هو الاصل او القاعدة وعلى المستورد ان يثبت العكس. وهذه نظرة معيبة لا تتفق مع التوجه العام لتخفيف القيود الادارية على التجارة الدولية. نظام التصفية الفورية اخذت السعودية والكويت ودول خليجية اخرى بهذا النظام لما فيه من فوائد في تسهيل عمليات الاستيراد، فيما يلاحظ ان مشروع القانون لم يتطرق له، بينما اسهب واسترسل في معالجة تفاصيل ادارية، كتخويل موظفي الجمارك حمل الاسلحة. من اعفاء الواردات ذات «القيمة المتدنية» من الضرائب والرسوم الجمركية. وتنظيم هذا الاعفاء امر مهم اخذت به معظم الانظمة الجمركية في الدول المتقدمة. والغريب ان دول مجلس التعاون الخليجي قد اهملت هذا الموضوع رغم تدني مستوى التعرفة الجمركية فيها، ورغم ارتفاع الكلفة الادارية للدورة المستندية والاجراءات الجمركية. وجاء مشروع قانون الجمارك الموحد لدول المجلس ليتبنى هذا الاهمال غير المبرر بدل ان يعالجه ولكي يبقى اعفاء الواردات ذات القيمة المتدنية خاضعة لاجتهادات ومزاجية الموظف الاداري. ميثاق او اتفاقية كيوتو الكويت عضو في منظمة الجمارك العالمية WCO والتي اصدرت مؤخرا نصا معدلا لهذه الاتفاقية، يضع مباديء وقواعد ومنهجية لمجمل النظم والممارسات الجمركية في العالم بهدف تحرير التجارة العالمية، والملاحظ ان مشروع القانون لم يأخذ بتلك المنهجية رغم اهميتها. تبسيط الاجراءات يعتبر تبسيط الاجراءات الجمركية محور اي بحث يهدف الى تطوير الاداء الجمركي. وانطلاقا من هذه الحقيقة، اعدت غرفة تجارة وصناعة الكويت بالتعاون مع الادارة العامة للجمارك في الكويت دراسة متكاملة حول تبسيط الاجراءات الجمركية. وقد يكون من المفيد ان تطلع اللجنة المكلفة باعداد المشروع على هذه الدراسة للاستفادة مما جاء فيها من افكار ومقترحات، يمكن من خلالها الانطلاق بالمشروع من حيث انتهت الدراسات لا من حيث ابتدأت. غير المشروع المقترح ــ مع الاسف الشديد ــ لم يأخذ موضوع تبسيط الاجراءات بعين الاعتبار، فجاء بمثابة ترديد لاحكام مقررة في القوانين الجمركية لبعض الدول الخليجية. علما ان ما شهدته التجارة الدولية من تطورات متسارعة خلال الفترة التي مرت على اصدار هذه القوانين يتجاوز كثيرا من هذه الاحكام، ويزيد من اهمية تبسيط الاجراءات. ودون الخوض في التفاصيل، نعتقد ان اضفاء مرونة على الاجراءات والتركيز على تبسيطها في القانون الموحد امر لابد منه. كما نعتقد ان دخول مشروع القانون في كل التفاصيل الاجرائية يحد كثيرا من مرونة القانون ومن فرص تطوير الاجراءات الجمركية وتبسيطها. ومن الاهمية بمكان اعطاء الاجهزة التنفيذية في كل دولة مجالا اكبر للتعامل مع المسائل الاجرائية، دون ان يضعف ذلك من قوة القانون الموحد كاطار تنظيمي عام. واخيرا.. ومن هذا العرض الموجز، تتأكد لنا ضرورة اعادة صياغة المشروع من خلال نظرة تشريعية واقتصادية مستقبلية، تواكب التغيرات الدولية، وتراعي التزامات دول المجلس تجاه منظمة التجارة العالمية، وتجعل من هذا القانون اداة تنمية للتجارة الخليجية البينية والخارجية. ومثل هذه الصياغة لايمكن ان تتحقق الا اذا شاركت فيها الجهات التشريعية المختصة والجهات الرسمية والاهلية ذات الصلة بالتجارة الدولية، فضلا عن الاجهزة الجمركية. وبما ان العمل بالتعرفة الجمركية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي لن يبدأ قبل عام 2005، فان الاستعجال باصدار قانون الجمارك الموحد لم يعد له ما يبرره. بل اضحى من الأولى التأني باصداره الى حين استكمال دراسته من كافة الجوانب ليأتي بمثابة اداة تطوير وانماء وانفتاح يتناسب مع طموحات المنطقة وتطلعاتها. أبوظبي ــ أحمد محسن: