هناك أشياء يمكننا ان نلمحها, وأحد هذه الأشياء هو التقادم العالمي في السن, وهو شبح يطارد معظم المجتمعات المتقدمة. فخلال نصف القرن المقبل, ستفقد معظم المجتمعات الغنية ــ باستثناء الولايات المتحدة ــ جزءاً من عدد سكانها وجميعها سيكون لديها عدد أكبر من السكان المسنين. وهذا يعد تغيراً جماعياً سيؤثر بشكل عميق على الاقتصاد العالمي ومستقبل الديمقراطية والعلاقات بين الدول ذات الاعداد المتناقصة في السكان (الدول الغنية عموماً) وتلك الدول ذات الاعداد المتزايدة في السكان (الدول الفقيرة عموماً). يقول بول هوايت من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن انه بحلول عام 2014 سيكون عدد سكان أوروبا برمتها في تناقص وكذلك اليابان. وبعد عام ,2010 سينخفض عدد السكان ممن هم في سن العمل بمعدل ينخفض قليلاً عن 1% سنوياً, وهذا سيجعل معظم الدول الغنية في العالم تنمو ببطء أكبر على الصعيد الاقتصادي). ويتنبأ هوايت أيضاً بندرة عالمية في المدخرات والاستثمار. وقد ترتفع عجوزات الميزانية الحكومية لتسديد نفقات إعانات الصحة والتقاعد المتزايدة, وهو ما يستنزف الأموال من الاستثمار الخاص. وستلجأ صناديق التقاعد الخاصة وحسابات التقاعد الى بيع الأسهم والسندات والى استنزاف المدخرات أيضاً. لايمكن لأحد ان يخمن مدى ضخامة هذه التأثيرات. لكن القوى الدافعة وراء التقادم في السن والتراجع السكاني, وهي معدلات الولادة المنخفضة ومتوسط العمر المتوقع الأطول, تبدو ثابتة الى حد ما, ويظهر الجدول أدناه المستند الى توقعات مجلس الاحصاء السكاني الأمريكي ما ينتظر تلك الدول. العمود الأول يقدر التغير السكاني الاجمالي بين عامي 2000 و2050 بالنسبة لست دول غنية, والعمودان الثاني والثالث يقدمان تقديرات للشريحة السكانية التقليدية العاملة (من سن 20 ــ 64) وللسكان ممن هم فوق سن الـ 65. ان الولايات المتحدة الأمريكية ذات معدلات الولادة والهجرة العالية هي وحدها التي تنجو من التراجع السكاني. ولكن حتى في الولايات المتحدة, هناك عمال محتملين أقل مقابل كل متقاعد محتمل. وطالما ان المتقاعدين مدعومون من قبل دافعي الضرائب, من خلال الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي, فان العبء الاقتصادي على العمال سيرتفع. وفي معظم الدول, ستكون التحولات قاسية وربما غير عملية. فمن المتوقع ان يتراجع عدد السكان ممن هم في سن العمل في ألمانيا من 51 مليوناً في عام 2000 الى 29 مليوناً في عام ,2050 وفي غضون ذلك من المتوقع ان يرتفع عدد السكان ممن هم فوق سن الـ65 من 14 مليوناً إلى 21 مليوناً. وعلى الرغم من ان هذه التنبؤات الدقيقة قد تكون خاطئة, إلا أن الحقيقة المركزية كما كتب خبير السكان نيقولاس إيبرستاد في العدد الاخير من مجلة (فورين بوليسي) هي أن (النمو السكاني الطبيعي في الدول الأكثر تطورا قد توقف بشكل اساسي). ففي ألمانيا واليابان, يبلغ معدل الخصوبة 4 .1 وهو ما يعني ان النساء في المتوسط لديها اكثر من طفل واحد بقليل لكل منها. وفي ظل معدل خصوبة يبلغ 2.1 فان الولايات المتحدة تعتبر عند معدل الاحلال. ربما يكون الامريكيون قد نجحوا بشكل افضل في المزج ما بين العائلة والعمل. او ان المهاجرين قد يكون لديهم اطفال اكثر من الامريكيين الاخرين. وبصرف النظر عن ذلك, فان جميع الدول الغنية ستشعر بضغوط السكان المتقادمين في السن او المتناقصين في العدد. وهناك احتمال سيىء وهو ان زيادة عدد المسنين ستؤدي الى تخفيض عدد الشباب. فاذا زادت الضرائب على العاملين لتغطية اعانات تقاعد اعلى, فان استعداد الاسر لانجاب الاطفال قد يتضاءل لانه سيكون من الصعب تسديد نفقاتهم. تعتبر الهجرة احد صمامات الامان الممكنة. لكن بالنسبة لأوروبا واليابان, فان الزيادات المطلوبة لتجنب التراجع السكاني ستكون كبيرة. فبالنسبة لأوروبا, بما فيها روسيا, ستكون هناك حاجة لمضاعفة مستويات الهجرة الحالية الى 1.8 مليون سنويا حسبما يقول ايبرستاد. وسيتعين على اليابان التي لديها نسبة هجرة ضئيلة الآن, ان تقبل 350 الف قادم جديد في السنة. وبحلول عام ,2050 سيكون سدس سكانها من المهاجرين. وفي اوروبا ستكون الحصة المماثلة حوالي 20%. ومع الاخذ بعين الاعتبار التوترات التي تخلقها الهجرة المكثفة, فإن هذه الزيادات ستكون صعبة. وكما يلاحظ هوايت فإن بامكان الدول الغنية ان تحضر ايضاً لتقادم سكانها في السن عند طريق الاستثمار في الدول الفقيرة. ويمكن للتجارة ان تحل محل الهجرة. وستتيح الاستثمارات من الدول الغنية للدول النامية امكانية بناء صناعاتها. ومع تقاعد الناس في العالم الغني, فإن بامكانهم استخدام جزء من ايراداتهم والفائدة المتحصلة من استثماراتهم في شراء واردات من الدول الفقيرة. وستستفيد من ذلك كل من الدول المتطورة والنامية. لكن هذه الصفقة تفترض, كما يقول هوايت ان تعمل (العولمة) بشكل سلس وهو افتراض مشكوك فيه. ان التنبؤ بالمستقبل هو امر مشكوك فيه على الدوام (كما قال توين). لكن عدداً قليلاً من الدول الغنية تعمل على التنبؤ به. وعليها ان تعالج الحلقة المفرغة المتعلقة بالاتفاق الاعلى على التقاعد والضرائب الاشد وطأة على العاملين والعدد الاقل للمواليد من الاطفال. وهذا يعني القيام تدريجيا برفع اعمار التقاعد وتخفيض الاعانات خاصة للمتقاعدين الاثرياء. وهو امر لا يحدث. ففي الولايات المتحدة, كان من المستحيل (حتى الآن) ادخال تغييرات اساسية على نظام الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. ويقول هوايت ان متوسط عمر التقاعد يبلغ 59 عاماً في فرنسا والمانيا وايطاليا. وتعاني الانظمة الديمقراطية من مشكلة في مواجهة المستقبل عندما تكون عناصر متنفذة في الوقت الحاضر لديها حصة ضئيلة فيه.