يتحدث العالم ومنذ السنوات الاخيرة عن مفهوم او مصطلح جديد هو العولمة, وقد تناول الكتاب والادباء هذا المفهوم من زاوية ثقافية فكتبوا عن (العولمة الثقافية) وحددوا تأثيراتها وانعكاساتها على الفرد والمجتمع، ومازال نفر من هؤلاء يكتب ويحلل ابعاد هذا المفهوم من زاوية ثقافية!! اما الفريق الآخر وهم من الاقتصاديين فيتحدثون ويكتبون عن (العولمة) من زاوية اقتصادية محددين لاثارها وانعكاساتها على الاوضاع الاقتصادية والتجارية وعلى العلاقات التجارية الدولية. وفيما ينقسم العالم الى فريقين الأول رافض لهذا الفكر الجديد وذلك من منطلق ان هذه العولمة ما هي إلا هيمنة من قبل الدول الصناعية على اقتصاديات دول العالم ومنها دول العالم الثالث, وهذا الفريق في معظمه ينتمي الى معسكر دول العالم الثالث, نجد ان الفريق الثاني مؤيد لهذه الفكرة او لهذا المصطلح لانه وليد فكرة ويحقق اهدافه وطموحاته ويعزز من وجوده في عالم متغير ويشهد تحديات اقتصادية كبرى!! وفيما يتفاقم هذا الانقسام او الاختلاف فيما بين الفريقين نجد ان العولمة اصبحت تشكل امرا واقعا يعيشه العالم وتتعايش معه مختلف شعوب العالم بما فيها شعوب العالم الثالث التي اصبحت تستسلم شيئا فشيئا لمعطيات الواقع الجديد الذي سوف تفرضه العولمة!! واذا كنا نؤكد هنا بأن كل فريق من الفريقين له من المبررات والمسوغات والاسباب التي تدعم رفضه او قبوله لفكر العولمة هذا فإن اسباب الخلاف او الاختلاف تعود بالاساس الى الفهم الدقيق لماهية العولمة وحدود تأثيراتها وتداعياتها وابعادها ومدى تفاعلاتها مع مفردات المجتمع او المجتمعات الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية وحتي الفكرية والسياسية!! لقد اصبحت العولمة امرا واقعا يجب التعامل معه لاسيما في ظل المتغيرات الاقتصادية والظواهر الاقتصادية التي افرزتها السنوات القليلة الماضية ولاسيما في العالم الثالث, ثم ثورة التقنية والتكنولوجيا التي حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة. ثم اوضاعنا الاقتصادية التي تحتم علينا التعامل مع متطلبات العولمة بالانفتاح على العالم واستيعاب المستجدات العالمية. لم يكن ميلاد العولمة سهلا وبسيطا, وانما جاء بعد مخاض طويل وفكر عميق ووقت طويل وقد مرت العولمة في مراحل عديدة بدءا من (الخصخصة) كمفهوم جديد في الفكر الاقتصادي الحديث اصبح له مريدوه ومؤيدوه حتى في عالمنا العربي, ثم منظمة التجارة العالمية W.T.O التي شكلت أداة التسويق للفكر الاقتصادي الحديث, ثم التجارة الالكترونية التي تعمل على اختزال الزمن والوسائل في التجارة والتي تعتمد على حجم المعلومات وشفافيتها, ثم تأتي العولمة التي مرت من خلال مرحلتين الأولى العولمة الثقافية التي حملتها وسوقت لها وسائل الاعلام المختلفة ولاسيما الفضائيات, وكانت تعلن تلك الفضائيات عن ميلاد عولمة اقتصادية تشمل العالم وتحمل في طياتها الكثير من الاثار والانعكاسات, وتجبر كل الابواب المغلقة امامها للانفتاح ولتصبح مشرعة امام حركة التجارة العالمية وامام شركات العولمة العملاقة, ومن هنا علينا ان نشخص حقيقة التفاعلات التي احدثتها وتحدثها العولمة الاقتصادية في مجتمع صغير كمجتمع الامارات, واقتصاد محدود كاقتصاد الامارات, وبين مدى الاثار والانعكاسات والمظاهر التي افرزتها العولمة المبكرة في اقتصاد الامارات, خاصة وان هناك دوافع وعوامل قد ساعدت رياح العولمة ان تجتاح المجتمع الاقتصادي في والامارات ومنها: ــ رغبة مجتمع الامارات (حكومة وشعب) في تحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية وثقافية ومواكبة التطور الاقتصادي في الامارات قد سهلت لان تصبح نوافذ الامارات وابوابها مشرعة امام العولمة ببعديها الثقافي والاقتصادي. ــ القوانين والتشريعات التي تعتمد الحرية الاقتصادية كأسلوب في التعامل التجاري والاقتصادي في سوق الامارات الداخلية, ثم سياسة الباب المفتوح امام حركة التجارة العالمية وحرية التحويلات من والى خارج سوق الامارات, ثم حرية حركة الايدي العاملة ورؤوس الاموال من وإلى الامارات. ــ الرغبة الجامحة لدى ابناء الامارات والمقيمين فيها في احداث تغيير اجتماعي ومعيشي واقتصادي ومواكبة التطور الذي يحدث في العالم, وهذا ما حول مجتمع الامارات من مجتمع انتاجي الى مجتمع استهلاكي يستهلك كل ما يتم استيراده من منطلق الرغبة في التقليد والمحاكاة!! ــ انفتاح مجتمع الامارات على المجتمعات الاخرى شرقية كانت أو غربية بفعل الاتصالات والسياحة والدراسة والتجارة, ثم بحكم الانفتاح الاعلامي بسبب الفضائيات قد شرعت الابواب امام الفكر الجديد المسمى (بالعولمة), واذا كانت تلك الاسباب والدواعي التي سهلت للعولمة الثقافية, ثم الاقتصادية لأن تتغلغل في المجتمع الاماراتي, فإن تفاعلات العولمة وتأثيراتها تعتمد بالاساس على تركيبة المجتمع او المجتمعات التي تتكون من المقومات التاريخية والثقافية والاجتماعية, ثم الاقتصادية والسياسية, ودرجة الوعي لدى ابناء المجتمع أو المجتمعات فإن تفاعلات وتأثيرات ومظاهر العولمة كانت واضحة وكبيرة في مجتمع الامارات, وسريعة ايضا لدرجة انها مست الجذور التاريخية والثقافية للمجتمع والبنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. في ظل تلك المعطيات والاسباب والدواعي فإن العقود الثلاثة الماضية من عمر الامارات قد عززت مفهوم العولمة وتأثيراتها في مجتمع الامارات سواء في بعدها الثقافي او الاقتصادي, وقد جاء تعزيز ذلك بسبب ضعف البنية الاجتماعية والاقتصادية وضيق سوق الامارات, ومحدودية الوعي لدى الشريحة الكبرى من سكان الامارات لمفاهيم جديدة كالعولمة الاقتصادية الامر الذي سهل من بروز مظاهر العولمة وتأثيراتها في سوق الامارات وجعلت الامارات اكثر الدول تأثرا بالعولمة الاقتصادية ومن قبلها بالعولمة الثقافية, وهكذا تسجل الامارات اسبقية في العولمة لم تحدث في مختلف دول العالم ولاسيما دول العالم الثالث!! لقد كانت التركيبة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لمجتمع الامارات العامل الاساسي في استيعاب متطلبات العولمة وسرعة التجاوب مع تلك المتطلبات وذلك دون النظر الى كيفية الاستيعاب هذه ومدى ايجابية الاثار المترتبة على استيعاب العولمة, وما هي مظاهر الاستيعاب, وكيف تنظر إلى انعكاسات العولمة في المرحلة المقبلة. ان تحديدنا للاثار والانعكاسات المترتبة على عولمة الاقتصاد الاماراتي, ثم المجتمع هو امر في غاية الاهمية وذلك للحد من الاثار السلبية مع العمل على الاستيعاب الامثل للعولمة, واتخاذ خطوات مناسبة ووفق مراحل معينة دون ان يكون هناك تداعيات تمس كيان المجتمع وتهدد امنه واستقراره مع اهمية التعامل مع متطلبات العولمة كأمر واقع!! ويأتي تحديد تلك الاثار والانعكاسات من خلال السؤال عن ماذا نريد نحن من العولمة؟! وما هي ابعاد العولمة وتأثيراتها على مجتمع صغير كمجتمع الامارات؟! ثم نحدد اعراض ومظاهر العولمة الاقتصادية خاصة في مجتمع وسوق الامارات لنحد من السلبيات ونعزز من المظاهر الايجابية.