اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور حازم الببلاوي ان هياكل الاقتصاد لدول العالم العربي بشكل عام اقرب الى الدول المتخلفة منها الى الدول المتقدمة, على الرغم من ارتفاع معدلات الدخل الفردي في معظم الدول النفطية التي تتمتع بالريع النفطي, مشيرا الى ضرورة التمييز بين مجموعة الدول العربية النفطية وغير النفطية, مع الاخذ بالاعتبار ان الاولى تتمتع بمعدلات دخل فردي يضعها في قمة دول العالم, وهو امر يعود الى توافر الثروة النفطية من جهة وقلة السكان من جهة اخرى. واكد الدكتور الببلاوي خلال محاضرة القاها في (ندوة الثقافة والعلوم) والتي عقدت مؤخرا في دبي, انه سيكون من الاجحاف اقتصار هياكل اقتصاديات هذه الدول على النفط, على الرغم من انه لا يزال يمثل العنصر الرئيسي في حياتهم, فقد بذل العديد من هذه الدول في الربع الاخير من العام الماضي جهودا كبيرة في مجالات ارساء البنى التحتية, مما وضعها في درجات متقدمة من حيث التنمية البشرية, سواء في توفير المرافق الاساسية المادية كالكهرباء والطرق والاسكان والمياه او في توفير الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والحماية البيئية اذ يشير تقرير الامم المتحدة للتنمية البشرية لعام ,2000 الى ان عدة دول خليجية مثل الكويت, والبحرين وقطر والامارات تحتل مراكز متقدمة من بين اعلى خمسين دولة بالنسبة لمؤشر التنمية البشرية بالاضافة جهود كبيرة في بعض هذه الدول لبناء قاعدة صناعية مثل السعودية, او بناءمراكز متقدمة للتجارة والخدمات كما هي الحال في دبي في الوقت الحالي. واشار الى ان الدول العربية غير النفطية اغلبها يقع ضمن مجموعة الدول متوسطة الدخل الفردي,وتتمتع بقطاع للصناعات التحويلية التقليدية مثل السلع الاستهلاكية وصناعات تجميع, في حدود الخمس من الناتج الاجمالي, مع غلبة لقطاع الخدمات وتآكل دور القطاع الزراعي نسبيا. معظم هذه الدول تعاني من عجز في موازين المدفوعات نتيجة لضعف القدرة التنافسية لصناعاتها الوطنية. واخذت معظم هذه الدول بسياسات للاصلاح الاقتصادي منذ عقد التسعينات. وهي سياسات تقوم على تحرير الاقتصاد بعد عدة عقود, غلب عليها اقتصاد القطاع العام وسيطرة الدولة والحماية الجمركية العالية. وعلى الرغم مما حققته هذه الدول من انجازات في بعض مجالات التنمية البشرية فمازالت متخلفة في جوانب كثيرة اخرى (الأمية والخدمات الصحية والمشاركة السياسية). تجزؤ الاقتصاد العربي واعتبر انه من السهل الحديث عن (العالم العربي) ككيان ثقافي, او قومي, ولكن الحديث عن (اقتصاد عربي) هو من قبيل المجاز او التمني. فالاقتصاديات العربية مجزأة, وهي قليلة الترابط الاقتصادي فيما بينها, حيث ترتبط كل دولة في المنطقة بالعالم الخارجي بأكثر مما ترتبط بالمنطقة. وحتى في الاحوال التي تزيد فيها العلاقات الاقتصادية البينية فانها كثيرا ما ترتبط باوضاع عارضة او غير مستقرة. فالواقع العربي, قد يمثل حقيقة تاريخية, او جغرافية, او لغوية, او حضارية او غير ذلك, ولكنه بالقطع لا يرتقي الى مستوى (الحقيقة الاقتصادية), وان كان ذلك لا يمنع ــ بالطبع ـ من امكانيات تحوله الى مثل هذه الحقيقة اذا توافرت الظروف المناسبة. واضاف انه على الرغم من كثرة الحديث عن التعاون الاقتصادي العربي, او التكامل او حتى الاندماج, فلا تزال العلاقات الاقتصادية العربية/ العربية محدودة. فمنذ انشاء جامعة الدول العربية في 1945 ثم المجلس الاقتصادي والاجتماعي في 1953 ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية في ,1957 ورغم العديد من الاتفاقات الاقتصادية العربية فلا تزال التجارة البينية العربية اقل من 10% من حجم التجارة الخارجية للدول العربية في حين انها تبلغ حوالي 40% في مجموعة الدول الاسيوية واكثر من 20% في دول امريكا اللاتينية فضلا عن السوق الأوروبية التي تزيد فيها التجارة البينية على 60%. ولا يقتصر الامر على ضآلة حجم التجارة العربية البنية بل ان معدل نموها شهد في التسعينات تناقصا وليس تزايدا. فقد انخفض معدل نمو الصادرات البينية من حوالي 13% سنويا في الفترة 86 ــ 1989 الى ما يقرب الصفر في الفترة من 90 ـ 1996 وانخفض معدل الواردات البينية من 14% الى 7% بين الفترتين المشار اليهما. ونأمل ان يكون في توقيع اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة في 1998 والبدء في تنفيذها ما يغير من هذه الاوضاع والتوجهات. وقال (اذا كانت التجارة العربية البينية لا تزال محدودة مما يعكس ضعفا في الترابط الاقتصادي العربي, فإن الحقيقة ان هذه الصورة هي نتيجة لدخول تجارة النفط في المعاملات, والمعروف ان صادرات النفط تتجه في الغالب الى العالم الخارجي). ولذلك فإنه اذا استبعدنا النفط من الحساب, فان الصورة تصبح اكثر اشراقا, وخاصة بالنسبة لبعض دول المنطقة. فصادرات الاردن مثلا للمنطقة ـ بدون النفط ـ تمثل 47%, ولبنان 45%, وسوريا 20%. وهكذا فان دخول النفط في التجارة الخارجية للدول العربية ساعد على مزيد من الاندماج في السوق العالمية على حساب الارتباط بالسوق العربية. ورغم كل ذلك فلا تزال التجارة العربية البينية محدودة ولا تبرر الحديث عن منطقة اقتصادية او حقيقة اقتصادية مؤثرة. واعتبر انه اذا كان هذا هو حال التجارة, فان الامر يختلف بالنسبة لانتقالات عناصر الانتاج: العمل ورأس المال, اذ عرفت المنطقة انتقالات مهمة لعناصر الانتاج, وخاصة العمل, خلال الحقبة النفطية. فكما هو معروف تعاني دول الخليج النفطية من هشاشة سكانية, ثم مع ثورة النفط وما تطلبته من حركة بناء وتوسع, فقد كان من الضروري استقدام ايدي عاملة من الدول المجاورة. وهكذا عرفت الحقبة النفطية وخاصة منذ السبعينات انتقالات مهمة للايدي العاملة ـ وخاصة من الدول العربية المجاورة ـ الى الدول الخليجية. وقد صاحب هذه الانتقالات للعمالة حركة تحويلات مهمة من العاملين في هذه الدول الى بلدانهم الاصلية حتى اصبحت تحويلات العاملين ـ في بعض الاحيان ــ اهم مصدر للعملة الاجنبية لعدد من الدول العربية غير النفطية ـ مصر, اليمن, الاردن, السودان بالاضافة الى دول المغرب العربي. ومع ذلك فينبغي ان نشير الى ان اتجاه انتقال العمالة الى الدول النفطية قد بدأ في الانخفاض فيما بين الدول العربية. الحقبة النفطية واكد الدكتور الببلاوي انه الى جانب انتقالات العمالة وما ترتب عليه من تحويلات للعاملين, فقد ساعدت الحقبة النفطية على قيام تيار من المعونات والمساعدات العربية من الدول النفطية الى الدول العربية الاخرى. وقد انشأت لهذا الغرض عدة مؤسسات مالية عربية ـ وطنية او جماعية ـ لتشجيع تمويل المشروعات العربية, مثل الصندوق الكويتي للتنمية, الصندوق العربي للانماء, صندوق النقد العربي, صندوق أبوظبي للتنمية, الصندوق السعودي للتنمية. فضلا عن انشاء عدد من المؤسسات التي تسهم في تحسين اجواء ومناخ الاستثمار, مثل المؤسسة العربية لضمان الاستثمار والعديد من المصارف العربية. وقال انه على حين ان التجارة العربية البينية لا تزال ضئيلة, فإن انتقالات عناصر الانتاج ـ وخاصة العمل ـ فيما بين الدول العربية يمثل اهمية كبيرة في الاقتصادات العربية. ويثور التساؤل هنا الا تعتبر انتقالات عناصر الانتاج ـ العمل بوجه خاص ـ مظهر للتكامل الاقتصادي مما يبرر الحديث عن اقتصاداً عربي؟ الحقيقة ان انتقالات عناصر الانتاج فيما بين الدول العربية كانت لها آثار بعيدة على الهياكل الاقتصادية, فضلا عن الآثار الاجتماعية الناشئة عن المعايشة بين افراد الامة العربية. ومع ذلك فإن انتقالات عناصر الانتاج, وعلى خلاف التجارة تخضع لاعتبارات خاصة قد لا تجعلها كافية لانشاء كيان اقتصادي متكامل, فانتقالات عناصر الانتاج لا تصلح لان تكون اساسا دائما للتعاون الاقتصادي الاقليمي. فمن ناحية يمكن ان تتأثر هذه الانتقالات بالاعتبارات السياسية, كما حدث في معظم دول الخليج اثر حرب الخليج الثانية, او الاعتبارات الاقتصادية ـ كما حدث في معظم هذه الدول مع انخفاض اسعار النفط وظهور الركود الاقتصادي بها. ويرجع ذلك إلى ان وجود عمالة وافدة كثيراً ما يثير حساسيات سياسية واجتماعية يصعب السيطرة عليها مما يساعد على ظهور انتفاضات بين الحين والآخر. كذلك لا ينبغي ان ننسى ان حاجة الدول الخليجية للعمالة الوافدة تتجه إلى الانخفاض التدريجي, نتيجة انتهاء فترة البناء والتشييد الواسعة من ناحية ومع ظهور ايدي عاملة وطنية مدربة من ناحية اخرى. اما قيام التجارة البينية بين الاطراف المتعاملة في منطقة معينة فإنه يعني ان يتشكل الاقتصاد في كل منها على نحو اكثر استقرارا ومع مراعاة الاحتياجات المتبادلة في هذه الاسواق. اما في حالة انتقالات العمالة ـ وكذا رؤوس الاموال ـ فإن هيكل كل اقتصاد يمكن أن يأخذ شكلا مستقلا عن الاطراف الاخرى باستثناء نمط تحويلات العاملين او انتقالات رؤوس الاموال. فالتجارة البينية تؤثر في تشكيل هياكل الانتاج في الدول المعنية بشكل متكامل فيما بينها بحيث تخلق انواعاً من الترابط الانتاجي مع ما يترتب عليه من آثار على تخصيص الموار د بين الصناعات المختلفة وانشاء شبكات من العلاقات التجارية المستمرة, وبالتالي التأثير في شكل المعيشة على نحو يومي ومستقر. اما انتقالات عناصر الانتاج فإنها لا تعدو ان تكون تحويلات مالية منقطعة وغير منتظمة مع بقاء الهياكل الانتاجية في كل دولة منفصلة عن الدول المتجاورة. واخيراً فإن قيام تيار من التجارة البينية بين دول المنطقة لا يقتصر فقط على ربط الهياكل الانتاجية للدول على نحو متداخل ومتكامل, بل انه غالبا ما يؤدي ايضا إلى تشجيع انتقالات لعناصر الانتاج, من رأسمال وعمالة وذلك لتدعيم هذه التجارة البينية. ولا ينبغي ان نعتقد ان وضع الدول العربية من حيث انتمائها القومي والثقافي وتفككها الاقتصادي والسياسي امر غريب, فحتى نهاية الحرب العالمية الثانية, كانت اوروبا ـ ورغم تاريخها الحضاري وقيمها الثقافية المشتركة ـ مجزأة اقتصاديا, انجلترا ترتبط بمستعمراتها وكذا الحال بالنسبة إلى فرنسا, وهولندا في حين ان ايطاليا تبحث عن مستعمرات, اما المانيا فإنها تتعامل اساساً مع وسط اوروبا بحثاً عن مجالها الجوي. ولذلك فوحدة اوروبا الاقتصادية حديثة وليست قديمة, وهي (مصنوعة) ليست (طبيعية) حتى ان جان مونيه ـ ابو اوروبا الحديثة ـ كان يقول ـ بعد الحرب العالمية الثانية ـ (ان اوروبا لم توجد بعد ولابد من خلقها) وقد سبقه في هذه المقولة بسمارك الذي رأي ـ في مبيعات القرن التاسع عشر ـ في اوروبا مجرد حقيقة جغرافية. وقد يكون من المفيد ان نشير هنا إلى علاقة التطورات الاقليمية بالتطورات العالمية, وخاصة في اوروبا حيث زاد الاندماج الاقليمي مقارنة بالاندماج في السوق العالمية. فالعولمة في اوروبا هي مزيد من الاندماج الاوروبي وليس الاندماج العالمي. فليس صحيحا ان الاتجاه العام في الدول هو دائما نحو مزيد من الاندماج في السوق العالمية بشكل مطلق, بل الصحيح ان هذا الاندماج كثيرا ما تم عبر مزيد من الاندماج الاقليمي, فالاقليمية كانت جسرا للعالمية الامر الذي لم يحدث في المنطقة العربية. وتساءل الدكتور الببلاوي لماذا لم يتحقق التكامل الاقتصادي العربي في الواقع على الرغم في كثرة الحديث عنه؟ بل لعل سؤالا سابقا يطرح نفسه, هل حقا التعاون الاقتصادي الاقليمي مطلوب, ام ان الاندماج في الاقتصاد العالمي كاف, وبالتالي فإنه لامحل ـ مع اتجاهات العولمة والانفتاح على العالم ـ لتعاون اقليمي؟ وهل التكامل الاقليمي خطوة ام على العكس عقبة امام الانفتاح على الاقتصاد العالمي؟ او بعبارة اخرى هل الاقليمية مكملة ام معرقلة للعالمية؟ واذا كانت الاجابة بأن الاقليمية خطوة مدعمة للتعامل مع الاقتصاد العالمي ولها فوائدها للدول المتجاورة, فلماذا لم تتحقق رغم ما فيها من فوائد؟ هذه اسئلة تحتاج إلى اجابات, او على الاقل عناصر للاجابة. السوق العربية محدودة واضاف (اذا نظرنا إلى المجموعة العربية فإننا نجد ان معظم الدول العربية لا تتمتع الا بسوق محلية محدودة مما يحول دون الوصول إلى الكفاءة الاقتصادية في معظم الفروع الانتاجية الصناعية. فالصناعة الحديثة هي بطبيعتها صناعة للاسواق الكبيرة, وبالتالي فإن استمرار التجزئة في الاسواق العربية يعني حرمان المنطقة من اية صناعة واعدة). واحد الاسباب وراء نجاح الاقتصاد الامريكي هو سعة السوق, فهي قادرة دون حواجز او عقبات. فالحجم في ذاته هو احد المزايا النسبية للانتاج وحرمان المنطقة العربية من مزايا حواجز هو حرمانها من احد المزايا النسبية للانتاج المعاصر. ولعل اخطر ما يهدد مستقبل الصناعة في المنطقة العربية هو عدم توافر سوق مناسبة, فمعظم الدول العربية دول صغيرة مبعثرة. وهكذا فإن التعاون الاقتصادي العربي هو في الاساس العمل على توفير سوق اقتصادية واسعة. وقال لا ينبغي ان ننسى ان معظم الدول النامية تواجه الآن تحديا نحو فتح اسواقها امام السوق العالمية دون تمييز, الامر الذي يفرض عليها اعباء غير قليلة للتأقلم مع هذه الاوضاع الجديدة, وهي امور تحتاج ان يتم ذلك على فترات معقولة وبدرجة من التدرج تسمح لصناعاتها بالاستعداد لهذه المنافسة المقبلة. ولا يخفى ان الترتيبات الاقليمية بما تتضمنه من مزايا متبادلة لدول الجوار وبما يسمح بتقوية اقتصادياتها في جو من المنافسة المقبولة, امر يساعد هذه الدول على الدخول في الترتيبات العامة على نحو اكثر قدرة وبشروط افضل للمساومة, ويظهر الامر بشكل واضح ومحدد في حالة الدخول في ترتيبات مع المجموعة الاوروبية التي تواجه الدول العربية منفردة بدلا من التعامل كمجموعة اقليمية. واشار إلى ان مع اتجاهات العولمة وغلبة الايديولوجية الليبرالية فإن تجزئة وانفصال العلاقات بين الدول العربية يساعدان على استمرار الانماط القائمة في اشكال التنظيم السياسي والاقتصادي, في حين ان فتح الابواب واتاحة حرية التجارة والعمل والملكية لابناء الامة العربية من مختلف الاقطار من شأنه ان يساعد على ادخال الافكار الجديدة للتحرير وتوسيع انتشارها. وبذلك فإن مزيدا من التقارب والتعاون الاقتصادي العربي في اطار من الليبرالية قد يكون عاملا مساعدا لتدعيم قوى الحرية والديمقراطية في المنطقة العربية. اما لماذا لم يتحقق التقارب الاقتصادي العربي, ولماذا ظل شعاراً للمناسبات اكثر منه حقيقة على ارض الواقع؟ يجيب الدكتور الببلاوي ان هناك مصلحة اقتصادية في مزيد من التعاون والاندماج الاقتصادي بين الدول العربية, وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الامر لا يتحقق على ارض الواقع على الرغم من التغني بمزايا الوحدة عبر نصف قرن من الزمان, واخيراً فإن هذا التناقض لا يبدو انه يعكس عدم رشادة في السلوك او انه غير منطقي. فالمسئولون السياسيون يتصرفون بدرجة كبيرة من الرشادة والدهاء السياسي ولا ينقصهم المنطق السليم في الاستقرار والاستمرار السياسي. فكيف تفوتهم هذه الحنكة السياسية عندما يتعلق الامر بالمصالح الاقتصادية؟ هذه هي المعضلة. كيف تكون رشيداً ومنطقياً في سلوكك السياسي بشكل عام, وتقاوم في نفس الوقت تحقيق اوضاع تزيد من (المنفعة الاقتصادية العامة)؟ لعل الاجابة على هذا التناقض تكمن في معنى (المنفعة الاقتصادية العامة), ومدى ما تتضمنه من تكاليف الامر الذي يتطلب التفكير بفكرة (السلعة العامة). التعاون (سلعة عامة) وقال ان التعاون او الاندماج الاقتصادي العربي هو نوع من السلعة او الخدمة العامة الاقليمية التي تعود بالنفع على الجميع, ولكن هذا النفع شائع متى تحقق افاد منه الجميع ولا يمكن حرمان احد منه. واوضح انه عندما نتحدث عن الجميع فإننا نشير إلى الافراد والمشروعات سواء منها القائمة او المحتملة الانشاء, وسواء منها الوطني او الاجنبي. وبالمقابل فإن توفير هذه السلعة او الخدمة ليس امرا مجانيا, بل تترتب عليه اعباء وتكاليف. واذا كانت منافع التعاون الاقتصادي تعود على الجميع بهذا المعنى, فإن القرار في شأنها هو من شأن السلطات السياسية التي تضع القيود على سيادتها ومدى الحواجز بين اقليمها والخارج. ففي حالة التعاون الاقتصادي العربي فإننا نجد انفسنا بصدد وضع لدول مستقلة عليها ان تقدر المنافع والاعباء التي تعود عليها ـ كدول ـ من هذا التعاون ورأى ان معظم الأسباب التي تقف في سبيل التعاون الاقتصادي العربي هي أسباب سياسية ترجع الى طبيعة النظم السياسية القائمة حيث انها ــ وحدها ــ تتحمل تكاليف واعباء هذا التعاون فيما يمثله من تهديد لسلطاتها ان لم يكن لوجودها. ويبدو ان العلاج هو في توفير نظم سياسية لاتجد في التعاون الاقتصادي العربي تهديداً أو إهداراً لمصالحها وسلطاتها, عن طريق تعزيز الديمقراطية في المنطقة العربية مما سيساعد على ازالة واحد من أهم العقبات أمام التعاون الاقتصادي العربي. فالنظم الديمقراطية ليست ــ بطبيعتها ــ عدائية أو تآمرية, فضلا عن أنها مع الاعتراف بتداول السلطة فانها لاتتيح السلطات المطلقة للحكومات وتسمح بالتالي بحرية حركة للأفراد والمشروعات من المواطنين أو من ابناء الدول الشقيقة. الظواهر الاقتصادية للعولمة انتقل بعد ذلك الدكتور الببلاوي الى العولمة ورفض ان يضع تعريفاً لها مكتفياً بالتعرض الى ظواهرها حيث قال ان (العولمة) هي توسيع للأسواق وازالة للحواجز بين الدول حتى نصبح امام سوق عالمية. فالعولمة هي قضاء على الاقتصاديات الوطنية في سبيل إقامة السوق العالمية. ليس هذا فقط, بل ان فكرة (العولمة) تعني ايضا تغليب فكرة السوق على ما عداها من المؤسسات الاجتماعية, فكل شيء مع العولمة خاضع لمنطق (السوق) وأحكامه, ولا يتعلق الأمر فقط بتجارة السلع بل يتسع أيضا ليشمل مجالات اخرى مثل الفن والحب والعواطف, فاقتصاد السوق لم يعد يقتصر فقط على التبادل والنشاط الاقتصادي ضمن حدود الدولة السياسية, بل جاوز ذلك ليشمل مختلف اجزاء العالم وبحيث يعتبر التبادل أو السوق شاملا لأكبر قدر من المعمورة دون ان تقف الحواجز السياسية أو السيادات الوطنية عقبة امام توسع فكرة السوق واقتصاد التبادل. ثورة المعلومات والاتصالات على صعيد آخر تطرق الدكتور الببلاوي خلال الندوة الى موضوع (ثورة المعلومات) قائلا: (عندما نتحدث عن (ثورة المعلومات) فاننا نشير الى تغيير وانقطاع كيفي في التكنولوجيا وفي الآفاق المتاحة. فاذا كان ظهور الزراعة قبل حوالي عشرة آلاف سنة ثورة وانقطاعا كاملا بين نمط الحياة السابقة واللاحقة, واذا كانت الثورة الصناعية قبل قرنين انقطاعا آخر غير في نمط الحياة وأساليب الانتاج, فإننا يمكن ان نكون على فاتحة عصر جديد يمثل انقطاعا وتغييرا في نمط الحياة والتكنولوجيا, وهو المترتب على ثورة المعلومات والاتصالات. فبالرغم من حجم وسرعة التقدم التكنولوجي خلال القرن العشرين, يبدو ان العالم قد بدأ يدخل مرحلة جديدة كليا منذ نهاية الستينات وبداية السبعينيات وخاصة في التسعينيات من هذا القرن. اما قبل ذلك وبالرغم من سرعة التغيير فإنه لايبدو ان العالم قد عرف شيئا مختلفا عما كان موجودا ومعروفا من قبل. حقا لقد تحقق أكثر من كل شىء, ولكن هذا تغيير كمي لا نوعي. فالتقدم الذي حققه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف الستينات والذي يمثل بكل المعايير فترة من أسرع فترات التاريخ تطورا وازدهارا, انما يعبر عن حلقة متصلة ولايعكس اي انقطاع أو انفصال في شكل التطور. وخلص الدكتور الببلاوي في نهاية محاضرته الى ان اوضاع العالم العربي من ناحية وما أطلق عليه عصر العولمة من ناحية اخرى يفرض تحديات متعددة علينا مواجهتها في ظل مقتضيات العصر الجديد. وبطبيعة الحال ليس من السهل اختصار هذه التحديات في عدد محدود ومتفق عليه, وانما هناك العديد من وجهات النظر في هذا الشأن, منها من خلال المناقشات التي تبلور التحديات المتمثل في أهم الميادين التي تستحق العناية من الأمة العربية في المرحلة المقبلة. وهي محور مادي يتعلق بالاطار الطبيعي الذي نعيش فيه, وحيث تفرض الجغرافيا حدودها وقيودها على تطور المنطقة, وبوجه خاص من حيث ما تعرفه المنطقة من ندرة شديدة في الموارد المائية ووفرة نسبية في مصادر الطاقة, ومحور قيمي يتعلق بالاطار الثقافي الذي يحكم سلوكنا وحيث يفرض النسق القيمي امكانيات وحدود السلوك الجماعي والفردي, وآخر هو مؤسساتي ويتعلق بالاطار التنظيمي الذي يضبط تطورنا ويفرز قدراتنا على معالجة قيود الطبيعة وافراز النسق القيمي السائد.