برهنت اوبك بقرارها الأخير خفض الانتاج بمقدار مليون برميل يومياً على قدرتها ليس فقط في مضمار ضبط النفس وتحمل مسئولية الدفاع عن الاسعار ولكن أيضاً في مضمار قيادة حركة المنتجين بصفة عامة, اي بما في ذلك، من هم خارج المنظمة ايضاً. فقد شارك في اجتماع فيينا الأخير ممثلون من سلطنة عمان وجمهورية روسيا الاتحادية والمكسيك وانجولا وكازاخستان. وقد أعرب هؤلاء جميعاً عن استعداد بلادهم ايضاً لخفض الانتاج, اما من جهة الاسعار فان احداً لايمكن ان يتهم المنظمة الان بالمغالاة في اي شىء, فالهدف محدد سلفاً, اي الحفاظ على الاسعار أقرب ما يمكن لمستوى 25 دولاراً للبرميل, والابقاءعلى صعودها وهبوطها ضمن نطاق المسافة بين 22 دولاراً و28 دولاراً للبرميل. وليس هناك من يعترض الان على هذا المستوى المعقول, لا الشركات ولا حكومات الدول المستوردة الاساسية ولا المصدرين. تبدو الامور مستقرة تقريباً اذن, فالمهم في قرارات فيينا الاخيرة هو ان المنظمة اوضحت انها قادرة على الحركة بسرعة وبمرونة للابقاء على مستوى الاسعار. ويعني ذلك ان ما حدث في فيينا قبل أيام يمكن ان يتكرر مستقبلاً, وفي هذا ما يدعو السوق للاطمئنان بعد ان برهنت اوبك على قدرتها على تحقيق قدر من التضامن والتماسك يضمن لها دور صانع السوق, طالما بقى هذا الدور ضمن نطاق المستويات المعقولة والمقبولة ــ من الجميع ــ للاسعار. إلا ان سد هذه الجبهة لايعني ان مهمة الدول الاعضاء في المنظمة قد انتهت, فهناك قضية كبيرة تستحق الان ان تطرح للنقاش, بل انها تستدعي تحركاً سريعاً من هذه الدول, وهو تحرك يتطلب ــ ان ارادت دول المنظمة الحفاظ على مصالحها ــ تنسيقاً مشتركاً على نموها. وتتلخص هذه القضية في تراجع فائض الطاقة الانتاجية لدول اوبك الى مستويات تدعو للقلق. وحتى نوضح للقارىء غير المتابع هذه المسألة يمكن ان نصف فائض الطاقة الانتاجية بأنه هذا القدر من النفط الذي يمكن انتاجه بمجرد صدور قرار بذلك. بعبارة اخرى هناك آبار جاهزة للانتاج, الا ان صنابيرها مغلقة عن عمد, فان قال المسئولون ان على الآبار ان تبدأ الانتاج, فانه بالامكان فتح الصنابير وبدء الضخ دون عوائق تذكر. ماذا سيحدث اذن مع الزيادة المستمرة في الطلب على مدار الاعوام الخمسة المقبلة مثلاً؟.. اذا درسنا سيناريوهات الطلب خلال هذه الفترة, ونظرناً إلى معدلات الزيادة المتوقعة في انتاج الدول غير الاعضاء في اوبك, فسوف نجد ـ دون ان نثقل على القارىء كثيراً ـ ان انتاج الدول غير الاعضاء سيلبي اقل قليلاً من نصف الزيادة المتوقعة في الطلب. الخريطة كلها تقترح امراً واحداً: لابد من زيادة الطاقة الانتاجية الفائضة او الاحتياطية.. الدول المنتجة تدرك ذلك, والشركات الكبرى تدرك ذلك ايضاً. ان قانون السوق واضح وبسيط, اذا كان هناك طلب على سلعة معينة فإن من يستطيعون انتاجها لابد سيتحركون لانتاجها. الا ان حركة اوبك في هذا المجال بطيئة إلى حد يدعو للدهشة. ويقول البعض ان هذا البطء كان نتيجة لانخفاض الاسعار على نحو ما رأينا في العام ,1998 وهو قول صحيح. الا ان الاسعار الآن وصلت إلى مستويات معقولة نسبياً, ويبدو انها ستستقر لبعض الوقت طالما تحلت اوبك بهذه الروح التي اظهرتها في مؤتمر فيينا الاخير. ويعني ذلك ان على من ينتجون الآن ان يطبقوا بسرعة خططاً لرفع طاقتهم الانتاجية الاحتياطية لتلبية الزيادة الحتمية في الطلب على نفوط اوبك, وهي زيادة تنتظرنا عند منعطف الطريق, لا شك في هذا. وواقع الحال ان بعض الدول المنتجة ادركت ذلك بالفعل, وبدأت في التفاوض مع شركات دولية كبرى لضخ استثمارات هائلة وتقنيات بالغة التطور لرفع الطاقة الانتاجية. ومع اقرارنا بأن هذا الاتجاه هو اتجاه منطقي ومفهوم, وانه مفيد للجميع, الا أنه من الضروري هنا ان نشير إلى ان العنصر الاساسي المفتقد الآن هو عنصر التنسيق بين دول اوبك في انفتاحها على الشركات الأجنبية. قد يبدو هذا العنصر طموحا إلى حد كبير, ولكن العقل وحده يطرحه على ساحة ما يحدث حاليا.. لقد تابعنا مثلا قصة مفادها ان عمان مضطرة الى تعديل بعض الشروط التي وضعتها امام الشركات الاجنبية وذلك بسبب فتح مجالات جديدة امام هذه الشركات في بلدان منتجة اخرى.. ان اي خسارة تلحق بعمان انما تلحق بكل المنتجين, بل ان مصلحة الجميع تقضي بسد كل المنافذ التي بوسع الشركات الاجنبية ان تدخل منها لاذكاء المنافسة بين المنتجين على جعل شروط تعاملهم مع هذه الشركات (اكثر جاذبية) واقل تشددا. لقد برهن المنتجون في فيينا على قدرتهم على التنسيق لضبط حركة الاسعار, وبوسعهم الآن البرهنة على قدرتهم على التنسيق في التفاوض مع الشركات الدولية للحصول على افضل شروط ممكنة للجميع.. قصر النظر وهذا يدعو الى جعل هذه المفاوضات امرا احاديا وفرديا. ولا خلاف هناك حول ان التفاوض بين أي دولة منتجة وشركات النفط الاجنبية هو (قضية سيادية) تعني هذا البلد وحده.. ولكن التنسيق لا يعني عكس ذلك. فمستويات الانتاج ـ مثلا ــ هي ايضا قضية سيادية ولكن الدول المنتجة تنسق بشأنها دون حساسيات. فضلا عن هذا فإن مصلحة اية دولة منتجة تعتزم دعوة الشركات الاجنبية لتطوير قدراتها الانتاجية تحتم التنسيق. ذلك ان النظرة الى الانتاج ــ اقليميا على الاقل ــ يجب ان تتم من منظور اشمل.. هناك مثلا القدرات الهائلة على انتاج الغاز في قطر وايران.. وربما عمان بعد الاكتشاف الكبير الاخير. ويعني ذلك ضرورة دراسة المؤدى الاستثماري لتطوير انتاج الغاز في بلدان اخرى على ضوء الطلب العالمي على الغاز, اذ قد تكون النتيجة ان تفضل الدولة المنتجة المعنية توجيه الاستثمارات والتكنولوجيا الاجنبية لانتاج النفط الخام ولزيادة مصافي التكرير.. مثلا. لا نريد باختصار ان يتحول الانفتاح على الشركات الاجنبية الى تسابق في جعل شروط استقدامها اكثر جاذبية واقل فائدة للدول المنتجة.. لا نريد ان تتنافس الدول المنتجة فيما بينها على جذب الشركات الدولية فإذا بالامر يتحول الى تآكل تدريجي ــ حين تلعب الشركات بورقة التنافس هذه ـ للفوائد التي يمكن ان يجنيها المنتجون من تعاونهم مع هذه المؤسسات الدولية العملاقة. ويمكن الاستناد على ما حدث في فيينا من تنسيق وتطويره الى آفاق اكثر رحابة من مجرد التحرك لضبط الاسعار. ثم ان استقرار الاسعار ـ لو عدنا الى ما حدث في فيينا ـ يمكن ايضا ان يعيد طرح قضية ترشيد استثمار الدول المنتجة لعائداتها النفطية. لقد شاء الله ان يمنحنا فرصة اخرى.. اي عوائد نفطية مستقرة نسبيا ولا بأس بها من حيث الحجم. وحتى لا نضيع هذه الفرصة يتحتم علينا ان ننظر بصورة نقدية الى ما كان.. ويتضمن هذا الـ(ما كان) اخطاء فادحة في بعض الاحيان. ولكن لا بأس في ذلك, ففي تاريخ الدول الاخرى اخطاء افدح كثيرا. المهم في كل الاحوال هو ان نتجنب مستقبلا تكرار هذه الاخطاء.