بدأ (الهبوط العظيم) في سوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة, بل وفي العالم. وكان المرء يتوقع ان يكتب هذه العبارة بالذات قبل نحو ثلاثة أعوام, او بالاحرى في نهاية ,1997 إلا ان الأمر تأخر كل ذلك الوقت حتى شك المرء في أسس علم الاقتصاد, بل وفي المنطق السليم. اذ كيف يمكن لأسعار اي سلعة ان تبلغ 6 4 ضعفاً القيمة الحقيقية لهذه السلعة دون ان يتوقع المرء انهياراً لبناء الاسعار هذا الذي واصل تضخمه كالبالونة؟ انك لو جمعت قيمة أصول واستثمارات كل الشركات التي يجري تداول أوراقها في سوق الاسهم , ثم جمعت قيمة اسهم هذه الشركات جميعاً بسعر 9 شهور مضت, لوجدت ان س عر الاسهم يبلغ 64 ضعف قيمة الشركات.. الم يكن هذا كافياً لإقناع الجميع بأن ما نراه هو في واقع الامر بالونة تتضخم باستمرار , ولانه ليس بوسع اي بالونه ان تتضخم الى مالانهاية, فقد كان محتماً ان تنفجر هذه البالونة ايضاً. نحن الان نتجاوز منتصف مارس, اي اننا نقترب من نهاية الربع الأول من العام الجاري , وتقدم الشركات الأمريكية ـ عادة ـ توقعاتها عن ارباحها التي لاتلبث ان تعلنها في نهاية الشهر, ويقول الجميع ان الارباح اما تبخرت, أو انها ستكون أقل من الحدود المتواضعة التي توقعها الجميع, أو انها اصبحت خسائر. حتى (ماك دونالدز ) قالت انها مندهشة من سوء ارقام الاداء في الربع الأول. ثم ان الركود الياباني جاء ليرسل برقية للجميع: تدفق الفوائض المالية اليابانية, الذي كان يشبه تدفق الانهيار, سوف يتوقف. لن تتلقى وول ستريت اكوام الفلوس اليابانية المعتادة, اذ ان النظام المصرفي الي اباني يظهر الان بوادر تحقيق بعض الخسائر الكبيرة , وكان اليابانيون قد نسوا كلمة خسائر بعد ان اختفت من قاموسهم لوقت طويل. تراجع ناسداك الى تحت مستوى الـ 2000 نقطة, وتراجع داو جونز الى تحت مستوى 10 آلاف نقطة, ولايزال هذا المستوى ـ خصوصاً في حالة ناسداك ـ مرتفعاً بالنظر الى القيمة الحقيقية للشركات التي يجري تداول اسهمها في هذين السوقين. ولكن ما هي بالضبط هذه (القيمة الحقيقية)؟ ليس ثمة شىء ـ في السوق ـ يسمى قيمة حقيقية, ان القيمة الحقيقية هي ـ باختصار ـ امر يتحدد من موازنة عنصرين يتغيران باستمرار, اي الطلب والعرض , ومن ثم فان نتيجة التوازن بينهما لابد ان تتغير بدورها, اي لابد لسعر السلعة ان يتغير. وواقع الحال ان القيمة تختلف عن السعر, حتى لايعارضنا بذلك احد فقهاء الاقتصاد. ولكننا نستخدم تعبير القيمة هنا بمعناه الدارج, وليس بمعناه العلمي. وفي كل الاحوال فان سعر الذهب ـ مثلاً ـ يتحدد بندرته, اي بمحدودية العرض.. ولو كان الذهب موجوداً مثل الرمل لما كان له قيمة (سعر) تزيد عن تلك التي للرمال. كيف يكون بوسعنا اذن ان نحدد (القيمة الحقيقية) لأي سهم؟ ان المقصود بهذا التعبير هو قياس سعر السهم على اسس مفهومة وا ضحة , مثل حجم الشركة, ارباحها السنوية, احتمالات توسعها مستقبلاً. وعادة ما يسفر الخلط في هذه المعايير عن خلل كبير في تحديد سعر سهم هذه الشركة. ولنأخذ حالة شركة (امازون) الشهيرة, بدأت الشركة بفكرة بالغة الذكاء, بدلاً من ان يذهب المشتري لشراء كتاب من المكتبات ومحلات بيع الكتب , لماذا لا نوفر له هذه الكتب على الانترنت؟ بوسع المشتري ان يملأ استمارة على شاشة الكمبيوتر, وان يدفع باستخدام بطاقة الائتمان, ثم يتسلم الكتاب الذي طلبه بعد يومين, فضلاً عن هذا فان بوسعه قراءة عرض للكتاب قبل ان يشتريه, وقراءة نقد لكتاب بارزي ن يتناولون الكتاب , وذلك حتى يحدد ـ بوعي ـ ما اذا كان يريد حقاً شراء هذا الكتاب. وحلقت الفكرة.. من مجرد فكرة الى مشروع كبير, ثم الى بيع اشياء اخرى غير الكتب, ثم الى بيع كل ما يباع. وفي العام الماضي ـ بأرقام الربع الأول فقط لو حسبناها على اساس سنوي ـ ربحت امازون نحو 11 مليون دولار , اما قيمة اسهمها فقد بلغت 21 مليار دولار. اي ان الارباح لم تبلغ 1%, ولا واحد في الألف, وانما واحد في الـ 11 الفاً! ما حدث هو ان المستثمرين بالغوا في تقدير احتمالات التوسع المستقبلية للشركة, اي عنصر واحد من عناصر تقييم ما ين بغي ان يكون عليه سعر السهم. وبالامكان للمرء ان يبالغ مرة , أو مرتين, أو مئة مرة, ولكن 11 الف مرة! انه حمق واضح. وكان من المنطقي ان ينهار هذا البناء الورقي عند أول هبة ريح.. كنا جميعاً نراقبه مذهولين, اذ كان من المستحيل ان يبقى الامر على ما هو عليه, ولكنه لم يكن يبقى فحسب , بل كان يواصل الصعود مخرجاً لسانه لجميع الصحافيين والمعلقين والمراقبين الذين توقعوا انهياره حتى فر اغلبهم الى صمت خجول بعد ان تهاوت توقعاتهم هم ولم يتهاوى وول ستريت. ولكن لماذا طال الامر الى كل هذا الحد؟ سبب واحد فحسب, تدفق المال الى وول ستر يت من اركان الارض الاربعة , لقد كان المال المتدفق على وول ستريت آتياً من دورات اقتصادية بعيدة, لاتتصل بصورة مباشرة بالسوق الأمريكي, فيما كانت أغلب الشركات التي تتداول هذه السوق أوراقها شركات أمريكية, يقال مثلاً ان المستثمرين الأوروبيين كانوا يرسلون نحو 1.5 مليار دولار يومياً الى وول ستريت. كان الطلب على الأوراق المالية طلباً مجنوناً , وكان العرض هو ذاته تقريباً, أو بزيادة ما لاتتناسب مع الزيادة في الطلب. ولذا رأينا شركات (انترنت) تطرح اسهمها للتداول بسعر دولار واحد للسهم في يوم معين, ليصل هذا السعر الى 84 دول اراً في اليوم التالي.. ان ذلك ليس مزحة أو مبالغة , انه امر حدث بالفعل, والطريف انه حدث في حالة شركة لم تكن قد بدأت عملها بعد. كل ما في الامر ان مؤسسها قال ان لديه برنامج كمبيوتر للاتصالات, وانه (ينوي) تنفيذه, وانه يحتاج الى نحو 20 مليون دولار. واقنع صاحبنا احد المصارف بفكرته , وطرح المصرف اسهماً بقيمة 20 مليون دولار, ووجد الرجل ان هذه الأوراق اصبحت (قيمتها) في الصباح التالي 1680 مليون دولار, الا ان السهم يباع الان بخمسة سنتات. هناك مال كثير في العالم.. المال المتداول يزيد خمسين مرة (58 مرة حسب كلام الخبراء ال أمريكيين) عن قيمة السلع التي ينتجها العالم وتتداولها الايدي. انها فوضى حقيقية. ان أي حكومة تطبع من العملة ما يساوي قيمة مجموع ما تنتجه , ولكن الخلل الذي نراه نابع من نفس القانون لاينطبق على العالم في مجموعة كوحدة واحدة, وفيما انفتحت الأسواق على بعضها البعض, فان من بيدهم (الامر) لايريدون اصلاح هذا الخلل لسبب واضح وبسيط, هو انهم كانوا يستفيدون. ولكن فلنعد الى العقل, ما هي القيمة المضافة ـ من الانتاج الحقيقي الملموس ـ التي يأتينا بها هذا الورق؟ فلان يشتري ورقة بعشرة, ويبيعها بخمسة عشر, ليبيعها من اشتراها بع شرين.. وهكذا , الا يبدو واضحاً ان هناك (انفصال) ما بين الانتاج الحقيقي ـ المادي ـ وبين هذه الحركة المجنونة للأوراق, ولكن بوسع الوهم ان يلد وهماً أكبر. وبوسع هذا الوهم الأكبر ان يلد وهماً أكبر وأكبر. ما لايدركه من يبيعون ويشترون هو انهم يتعاملون في أوهام . ذلك ان الانتاج الحقيقي هو الذي يحدد ـ في نهاية المطاف ـ قيمة هذه الأوراق. فإلى اين ستمضي الامور الان؟ شيئان متوقعان الان: الأول ان يخفض آلان جرينسبان سعر الفائدة للمرة الثالثة, وليس من المنتظر ان يفعل حاكم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ذلك في القريب ا لعاجل. الارجح ان يتريث قليلاً ذلك ان خفض سعر الفائدة لن يؤثر الان بسبب قوة موجة الهلع التي تجتاح سوق الأوراق المالية الان. ان جرينسبان سيختار الوقت الذي يمنح اي قرار بخفض سعر الفائدة اقصى تأثير نفسي ممكن , وليست اللحظة الراهنة هي الوقت المناسب. الامر المتوق ع الثاني هو ان يواصل سوق الاوراق المالية انخفاضه حتى منتصف شهر يونيو , اي عند اعلان توقعات ارباح الشركات خلال الربع الثاني, وحيث ان المعتقد ان هذه الارقام لن تكون أسوأ مما يتوقعه الجميع الان ـ اذ ليس هناك ما هو اسوأ ـ فان المتوقع ان يبدأ وول ستريت في ال صعود ببطء , وهو يلعق جراحه. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز