كشف أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية الشيخ جميل الحجيلان عن جملة من الإجراءات التي اتفقت دول المجلس الست على تنفيذها خلال القمة التي شارك فيها القادة الخليجيون بالمنامة من أجل توطين سوق العمل لديها, والحد من العمالة الوافدة, وتحقيق التوازن في التركيبة السكانية, وتعديل هيكلية العمالة. وقال الحجيلان ان الدول الاعضاء اتفقت بأن تضع كل دولة نسبا تمثل الحد الاقصى المسموح به لنسبة غير المواطنين الى مجموع السكان, ومجموع قوة العمل مع اعتبار مواطني دول مجلس التعاون ضمن نسبة مواطني أي من دول المجلس والعمل على رفع تكلفة العمالة الوافدة الى الحد الذي يجعل توظيفها غير مجد لصاحب العمل, والحد من استقدام العمالة الهامشية وغير الفنية , مع التركيز على العمالة المتخصصة التي يحتاجها السوق. كما شملت الاجراءات المتفق عليها وضع حوافز مادية للايدي العاملة المدربة المواطنة, واية مميزات اخرى بهدف ترغيب وتشجيع المواطنين على العمل في بعض المهن, والنظر في الحد الادنى للاجور بما يتلاءم ومتطلبات الحياة الاساسية. ان موضوع العمالة الوطنية حظي باهتمام كبير بدليل قيام المجلس الاعلى بتكليف الهيئة الاستشارية للمجلس بوضع برنامج عمل يعرض على المجلس من اجل تشجيع العمالة الوطنية بدول المجلس. وقد تضمن البرنامج المقترح أن تقوم كل دولة باتخاذ الخطوات التنفيذية اللازمة لتطبيق الاجراءات والآليات المناسبة لذلك. لقد دخلت دول المجلس منذ اوائل عقد السبعينيات في مرحلة التطور الاقتصادي والتنموي, وانجاز تجهيزات البنية الاساسية, مما استدعى جلب عدد كبير من العمالة الوافدة لسد النقص في العمالة الوطنية, حيث ساعدت هذه العمالة في تلك الفترة على انجاز ما هدفت اليه التنمية الشاملة دون ان تشكل عبئا اقتصاديا او اجتماعيا, الا ان اختلاف هذه المرحلة عن الماضي, وانطلاقا من النمو السكاني الطبيعي المتزايد, ودخول المزيد من المواطنين المؤهلين لسوق العمل, لما تمثله من اعباء مالية, وامنية, واجتماعية, دفعت دول المجلس لايلاء هذا الموضوع الاهمية, من اجل تحقيق التوازن السكاني, والحد من العمالة الوافدة تدريجيا بروح واقعية متأنية. وكانت آخر الاحصائيات الخليجية الصادرة قد قدرت اجمالي عدد الوافدين في دول المجلس بما يربو على 10 ملايين وافد تشكل اعداد القوى العاملة فيها ما يزيد على 7 ملايين وافد من بين 5ر10 ملايين شخص يشكلون مجمل اعداد القوى العاملة في تلك البلدان, فيما بلغ اجمالي تحويلات هذه العمالة حوالي 26 مليار دولار. وتفيد المؤشرات الاقتصادية الحالية ان نسبة النمو الاجمالي في عدد السكان بدول مجلس التعاون (مواطنين ووافدين) يصل الى 5% سنويا, وهو ما يعني ان عدد سكان تلك الدول سيصل الى 40.6 مليون نسمة في عام 2005 مقابل 9ر28 مليون نسمة في عام 1998 وذلك مع استمرار توافد العمالة الاجنبية وفق معدلاتها الحالية. ويقدر خبير خليجي نسبة نمو الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي بحوالي 5.1%, وهو ما يعني ان استمرار الوضع الحالي سيرفع اعدادهم الى 2ر11 مليون نسمة في عام 2005 مقارنة مع 10 ملايين وافد وفقا لا حصاءات عام 1997 وهو معدل قد يرفع حجم الحوالات المالية الى ما يزيد على 29 مليار دولار طبقا لمتوسط قيمة الحوالة المالية التي ينفذها الوافد الواحد سنوياً. ونظرا لادراك عدد من الدول الاسيوية للاعتماد الكبير لدول المنطقة على عمالتها المصدرة الى هذه الدول باتت تنسق فيما بينها بشأنها وتجري لقاءات مشتركة منذ عدة سنوات بشأن هذه الموضوع. وتكشف تفاصيل الاتفاق المشترك للدول المصدرة للعمالة وهي الهند, وباكستان, وبنجلاديش وسيرلنكا واندونسيا والفلبين والذي عقد قبل عامين عن أن هذه الدول تسعى الى رفع الحد الادنى لمستوى اجور العمال الاجانب بحيث يبلغ 200 دولار للعمال غير المهرة و 180 دولارا بالنسبة لخدم المنازل. كما تنص الاجراءات على عقد عمل موحد لجميع فئات العمال المهاجرين للعمل الى دول الخليج يوقع عليه الكفيل ويصدق عليه في سفارات الدول المصدرة للعمال ينص على الشروط التي تمليها الدول المصدرة للعمالة, كما تحدد هذه الاجراءات الاشتراطات الواجب توافرها فيما يتصل بالسكن والاجازة والخدمات الطبية وغيرها للعمال الاجانب, بالاضافة الى تبادل المعلومات حول شئون هؤلاء العمال والمنازعات العمالية وسبل تحقيق التسوية المثلى لمستحقات العمال. كما اكدت الدول المعنية عزمها على تأسيس هيئة مشتركة دائمة للدول المصدرة للعمالة الآسيوية تعنى بمتابعة احوال العمال الاجانب وتوفير خدمات معيشية افضل لهم. ونحن نرى ان الجهود التي تبذلها الدول المصدرة للعمالة لتحسين اجور وشروط عمل مواطنيها العاملين بالخارج امر طبيعي ولا يمكن الاعتراض عليه, كما ان عدد الدول المصدرة للعمالة يعتبر من الوفرة بحيث لا تتأثر معه قدرة دول الخليج على توفير احتياجاتها من العمالة الماهرة من مصادر بديلة للدول الست التي شاركت في هذا الاجتماع, بدليل ان عدد الدول التي تنتمي اليها العمالة الوافدة بدولة الكويت وحدها يبلغ 137 دولة. كذلك فان الدول المصدرة للعمالة ليس لديها الآليات التي تستطيع من خلالها املاء شروطها على الدول المستقبلة للعمالة, كما انها تعي تماما انها ستكون المتضرر الاكثر من اية مواقف قد تتخذها وتتسبب في تحول الطلب على عمالتها إلى مصادر اخرى. واذا كانت دول الخليج العربية تشكو من تدفقات العمالة الوافدة وتضع الاجراءات والنظم للحد منها, فان أي اجراءات او نظم تتخذ من قبل الدول المصدرة للعمالة لتحقيق نفس الغرض ستكون في صالح الجهود المبذولة لاصلاح الخلل في هيكلي السكان والقوى العاملة في معظم دول مجلس التعاون الخليجي. على اية حال فاننا نرى ان الاعتماد على الافتراضات الوارده اعلاه, وكذلك على جانب رفع تكلفة جلب الايدي العاملة الاجنبية يجب ألا يمثل سوى بندين في برنامج اشمل يتضمن بنوداً عديدة هامة اخرى لتنظيم استخدام الايدي العاملة الاجنبية من جهة وتوظيف الايدي العاملة الوطنية بدول المجلس وتسهيل تنقلها بين هذه الدول من جهة اخرى. ففيما يخص الجانب الاول, فإن برنامج تنظيم استخدام العمالة الاجنبية في دول التعاون يجب ان يشمل على ضوابط محددة لمنع استقدام تراخيص العمالة الاجنبية , بحيث لا تتم الاستعانة بهذه العمالة إلا بعد التأكد من وجود حاجة فعلية لها وعدم وجود عمالة مواطنة يمكن ان تسد الحاجة ويثبت صاحب العمل انه قد استنفد جميع الطرق الممكنة لشغل الوظيفة التي يرغب الاستقدام لها بالمواطنين بنفس الرواتب السائدة لها, كما يجب ان يسعى البرنامج إلى تشديد الاجراءات المتعلقة بمنح تراخيص العمالة الاجنبية وتكثيف الحملات والزيارات التفتيشية لمراقبة مدى تنفيذ الإجراءات والنظم الخاصة بتشغيل العمالة, إضافة إلى تشديد العقوبات المتعلقة بمخالفات نظم وقواعد تشغيل العمالة الاجنبية. اما فيما يخص بدعم توظيف العمالة الوطنية بدول المجلس وفتح الحدود امام تنقلها بين هذه الدول, فلا شك ان هذا الموضوع يعتبر من العوامل الحيوية لتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي. ان دول المجلس يجب ان توسع جهودها لتوظيف الايدي العاملة الوطنية وذلك من خلال تحسين ورفع كفاءة ظروف واليات العمل بكافة القطاعات الاقتصادية وخاصة الانتاجية والحرفية التى تستوعب ايدي عاملة اكبر. وفي هذا الاطار تبرز اهمية توفير حوافز مادية ومعنوية لتشجيع المواطنين على شغل وظائف القطاع الخاص كذلك ضرورة العمل على توطين الوظائف والمهن بصورة تدريجية مع التأكد من اهمية هذا الامر اضافة الى تطوير مناهج التعليم والتدريب لتتوافق مع متطلبات سوق العمل واشتراك اصحاب العمل في عملية التطوير. اما فيما يخص تشجيع تنقل الايدي العاملة الوطنية بين اسواق العمل الخليجية, فاننا نود التأكيد هنا على عامل محوري آخر وهو ما يكشف عمق العلاقة ما بين ايجاد فرص عمل للمواطنين في دول المجلس وضرورة فتح اسواق عمل هذه الدول امام مواطني الدولة العضو0 وهذا العامل يتمثل في الاشارة المتكررة من قبل اصحاب الاعمال في القطاع الخاص الى نقص وجود الايدي العاملة الوطنية التى تمتلك المؤهلات المطلوبة, سواء الفنية او الاكاديمية, لتحل محل الايدي العاملة الاجنبية0 وللموضوعية فان هذه الاشارة تملك اساساً من الصحة في احيان عديدة , وليس جميع الاحيان الا ان الحكم فيما اذا كانت هذه الاحيان تمثل اقلية الحالات او اغلبيتها سوف يعتمد بصورة كبيرة على ما اذا كانت نظرتنا الى اسواق العمل الخليجية هي نظرة مجزأة, أي تنظر الى هذه الاسواق لكونها منفصلة وقائمة بذاتها او متكاملة وواحدة. ان طبيعة نظرتنا الى اسواق العمل بدول المجلس سوف تحد او توسع من آفاق وامكانات برامج احلال العمالة الوطنية محل العمالة الاجنيبة وبالتالي التسريع في ايجاد فرص عمل للمواطنين في دول المجلس. كما ان صاحب العمل الخليجي الذي يجد بمقدوره ان يختار بحرية وعلى نفس الاسس من معايير التوظيف من بين عشرات او مئات الالآف من الايدي العاملة المعروضة للعمل في اسواق دول المجلس سوف يبدي دون شك مقداراً اكبر من التجاوب والتعاون في التخلي عن الايدي العاملة الاجنبية مقابل توظيف الايدي العاملة الوطنية. وحرية الاختيار هذه سوف تتقلص بدرجة كبيرة اذا ما وجد صاحب العمل هذا نفسه مجبرا على الاختيار من الايدي العاملة المعروضه في سوق عمل بلده فقط. وبالتالي فان مقدار تجاوبه وتعاونه سوف يتقلص هو الآخر. ونخلص من هذا الى اعادة المطالبة بضرورة الاسراع في تنفيذ قرارات المجلس الاعلى لدول مجلس التعاون والعمل على اتخاذ الاجراءات التنفيذية لهذه القرارات ومن بينها ازالة المعوقات امام حرية التنقل والعمل ومن ضمنها استثناء مواطني دول المجلس من كافة القيود والإجراءات المقررة على استخدام غير المواطنين وبصفة خاصة استثنائهم من نظام تصاريح العمل واتخاد كافة الإجراءات لتسهيل توظيفهم وفقا للحاجة المتوافرة والعمل على استفادتهم من نظم التأمينات الاجتماعية عن تنقلهم للعمل في دولة اخرى من دول المجلس. كما يتطلب الامر توحيد وتقريب نظم وتشريعات العمل والتأمينات الاجتماعية في دول مجلس التعاون, والاستمرار في إنجاز المرحلة الثانية للمشروع الاسترشادي الموحد للأحكام المنظمة لعلاقات العمل في دول مجلس التعاون, الذي اشتمل على نصوص نموذجية ترتبط بعقد العمل الفردي, والأجور, كما يوصي المشروع بوضع الاساس لمركز المعلومات الخليجي وتبادل معلومات سوق العمل ورصد متغيراته. وغنى عن التنويه اخيرا الى ما سوف يحققه توحيد اسواق العمل بدول المجلس من مزايا اجتماعية واقتصادية استراتيجية وحاسمة بالنسبة لمستقبل التكامل الاقتصادي بين دول المجلس, خصوصا على صعيد انجاح برامج تنويع القاعدة الاقتصادية. فهذه البرامج تتعرض لفقدان الكثير من فاعليتها كون جزءاً هاماً من القيمة المضافة المتولدة عن الاجور الاضافية التى تنفق على فرص العمل التي توفرها الانشطة الاقتصادية الجديدة تتسرب خارج بلدان دول المجلس عن طريق الايدي العاملة الاجنبية, وبالتالي وجود تسرب هام في دورة التشغيل والاستثمار على مستوى الاقتصادات الكلية بدول المجلس. وبالتالي فان اتساع رقعة تشغيل الايدي العاملة الوطنية يعنى اتساع رقعة الاستفادة من القيمة المضافة المتولدة من الاجور والنفقات على الايدي العاملة بدول المجلس ككل.