اذا كنا قد شخصنا في الحلقة الاولى ابعاد الدعوة نحو تعديل القانون بالملكية الاجنبية وهي (313) إلى (316) فإننا لم نرفض مبدأ التعديل وانما حددنا الانعكاسات السلبية لدعوة التعديل في ظل غياب رؤية اقتصادية دقيقة. وغياب استراتيجية للتنمية الاقتصادية والتي من خلالها نحدد طبيعة ودور الشركات ورؤوس الاموال الاجنبية في الاقتصاد الوطني, وفي هذه الحلقة نحاول ان نحدد صيغة التعديل ومبررات التعديل في اطار مصلحة الاقتصاد الوطني, ثم المصالح العامة للدولة دون النظر إلى المصالح الطبيعية لشريحة من التجار او المستثمرين المواطنين او الاجانب!! مشيراً في الوقت نفسه إلى ان هناك اشكاليات تواجه الاستثمارات الاجنبية المباشرة لا تتم معالجتها وفق الصيغة التي يتبناها البعض او وفق الرؤية التي يجدها بعض الفعاليات التجارية والاقتصادية في الامارات. ولا يمكن ان تتجاوب الاستثمارات الاجنبية المباشرة بسبب تعديل مادة في قانون ما!! او توسيع الملكية الاجنبية او اعطاء المزيد من الاعفاءات والمزايا والتسهيلات التي تقدمها الدولة. ان الاستثمارات الاجنبية المباشرة يتطلب جذبها او استقطابها لسوق الامارات خطوات واجراءات وتغييرات جذرية في الاقتصاد الوطني سواء في التشريعات والقوانين او في السياسات الاقتصادية او في الافكار والرؤى والاستراتيجيات.. ويجب ان ندرك جيدا انه في غياب المناخات الاستثمارية والتغييرات تلك فإن الاستثمارات الاجنبية لن تجد طريقها إلى سوق الامارات لاسيما في ظل المنافسة الاقليمية والعالمية على الاستثمارات وخاصة من قبل الدول ذات الموارد الطبيعية الهائلة, والحاجة الماسة لخلق فرص لمواطنيها من خلال الاستثمارات الاجنبية, واذا توفر في الامارات مقومات جيدة تعزز المناخات الاستثمارية فإن الامر يتطلب تحديد صيغة مناسبة للتعامل مع الاستثمارات الاجنبية بحيث يحقق الاستثمار الاجنبي اهدافه وتحقق الدولة مصالحها التي يجب ان تحدد سلفاً وقبل الشروع في تعديل قانون الشركات, وقبل الانصات لصوت شريحة من التجار او الفعاليات التجارية التي ينظر البعض منها إلى الاستثمار الاجنبي وتوسيع الملكية الاجنبية في القانون من خلال مصالحه الذاتية دون اي اعتبار لامن الدولة واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي. ولذا فإن المحاذير مطلوبة ودراسة جدوى الاستثمار الاجنبي وتحديد الاولويات والقنوات امر في غاية الاهمية قبل اعادة النظر في توسيع الملكية الاجنبية وتعديل قانون الشركات!! لقد عرفت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار مناخ الاستثمار من خلال الادبيات الاقتصادية على انه (مجمل الاوضاع والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تؤثر في توجيه او توجهات رأس المال). وفي ضوء ذلك فإن الشريحة المطالبة بتعديل قانون الشركات يجب ان تعرف جيداً بأن الاستثمار الاجنبي المباشر ليس بالضرورة ان يأخذ شكل الشراكة في تأسيس شركة مساهمة عامة, وانما قد يكون الاستثمار الاجنبي على هيئة شركة مملوكة بالكامل من قبل المستثمر الاجنبي, واذا كانت الدول الاخرى قد سمحت بالملكية الكاملة الاجنبية فإنها اي الدول قد وضعت ضوابط وحددت أطراً على هذه الشركات ومن اهمها ان تساهم في تنمية الاقتصاد وتوظيف اموالها في تنمية الموارد الطبيعية المتاحة لديها. ثم تشغيل مواطنيها في تلك الشركات, ثم فرض ضريبة على دخل هذه الشركات لصالح الحكومة او الاقتصاد الوطني في تلك الدول. فضلاً عن مدى حاجتها إلى الاستثمار الاجنبي المباشر. او اشتراط تلك الدول على الاستثمار الاجنبي تدوير الارباح المتحققة سنوياً في الاقتصاد الوطني, او ايداع تلك الارباح ورؤوس اموال تلك الشركة في مصارفها او في محافظ استثمارية تخدم الاقتصاد الوطني. واذا كان تقرير مناخ الاستثمار الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار للعام 1995 قد اشار إلى ان متوسط تدفقات الاستثمارات الاجنبية المباشرة نحو الامارات قد بلغ متوسطه السنوي 142 مليون دولار خلال الفترة من 1991 إلى 1994 فإن تلك التدفقات قد سجلت انخفاضا في مستواها في عام 1994 لتصل إلى 113 مليون دولار مقابل 183 مليون دولار في عام 1993 واذا كانت الامارات ووفق هذا التقرير تأتي ضمن الدول الخمس الاولى العربية التي استحوذت على التدفقات الاستثمارية لتصل نسبتها 81% من الاستثمارات المباشرة للدول العربية في عام 1993 فإن معظم هذه الاستثمارات قد تركزت في قطاعات الخدمات وقد كانت للحوافز والتسهيلات وغياب الضرائب والمقومات التي يتسم بها المناخ الاستثماري اسباب مباشرة في جذب هذا الحجم من الاستثمارات الاجنبية المباشرة. الا انه وبالرغم من ذلك فلا يجب ان نفتح الباب على مصراعيه امام الاستثمارات الاجنبية دون تحديد الاولويات والاهداف ونضع الاستراتيجيات بهدف جذب الاستثمارات ورؤوس الاموال الوطنية قبل الاجنبية وذلك بعد ان شهد العقد الاخير تدفق للسيولة الوطنية إلى اسواق عالمية, خاصة في ظل المنافسة الاجنبية في سوق الامارات وفي ظل عدم الغياب بمسح عن الفرص الاستثمارية والتعريف بها وتشجيع المستثمرين المواطنين للاستفادة منهم, وخاصة وان التسهيلات والافضليات كانت تقدم للمستثمر الاجنبي على حساب المستثمر الوطني ثم التباين في الانظمة المعمول بها في امارات الدولة, والبيروقراطية والروتين. ان نظرتنا إلى توسيع الملكية الاجنبية في قانون الشركات على الرغم من الهيمنة الواضحة للاستثمارات الاجنبية والايدي الاجنبية وملكية سلطة القرار الاقتصادي التي تحولت حتى في شركاتنا الوطنية من الايدي الوطنية إلى الايدي الاجنبية يدعونا إلى التساؤل حول حقيقة او جدوى تعديل نسبة الملكية هذه. ومن ناحية اخرى فإن الرغبة في الانفتاح على الاسواق العالمية والنظرة إلى الاستثمارات الاجنبية كمصدر للموارد المالية يجب ان لا ينسينا إلى ضرورة الاشكاليات والانعكاسات التي سوف يولدها هذا التعديل او هذا الانفتاح على واقعنا الاجتماعي والثقافي والاخلاقي وحتى السياسي, اذ ان الامر يتطلب مراجعة دقيقة لاوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قبل الشروع في التعديل المطلوب ودون ان نغلب مصلحة شريحة من التجار التي لا هم لها ولا تهدف إلا لتحقيق مآرب آنية ووقتية ولا يعنيها مدى التدمير الاجتماعي والاخلاقي للمجتمع اذا تحققت مصالحها وذلك في ظل تجاوب الجهات الحكومية مع التعديل دون ضوابط او تشريع يحمي المجتمع والانسان من اي تخريب ويصون المجتمع ومكتسباته من اي تدمير قد يعمد اليه الاستثمار الاجنبي في ظل اهدافه غير المعلنة!!. ان الفوائض المالية الوطنية والخليجية ثم العربية هي الاحق بالعمل في سوق الامارات وذلك في ظل تشريع او قانون للاستثمار يشتمل على الضوابط والاسس والاهداف التي يجب ان يحققها الاستثمار الاجنبي المباشر او غير المباشر, واذا كان كل من الكويت وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية قد قامت بتشريع قوانين للاستثمار الاجنبي فإن الامر يتطلب اصدار قانون للاستثمار الاجنبي في الامارات يلغي التباين في الانظمة المعمول بها حاليا من قبل امارات الدولة, ويحد من التجاوزات التي تحدث فيما بين الامارات, ويلغي التنافس غير المنطقي بين امارات الدولة ولاسيما عند منح تسهيلات ومزايا واعفاءات للاستثمار الاجنبي. كما ان قانون الاستثمار الاجنبي من شأنه ان يحدد الاطر المطلوبة, والقنوات المحددة, والآجال المفترضة ثم القطاعات التي يجب ان يعمل فيها الاستثمار الاجنبي, وطبيعة الاستثمار المطلوب الذي يجب ان يكون على هيئة تكنولوجيا او تقنية عالية وادارة فنية وخبرات نوعية وافكار ومشاريع تحقق للاقتصاد تطور وللمجتمع تنميته بدلاً من جلب عمالة رخيصة وقطاعات خدمية والمتاجرة بسمعة البلاد والعباد وتدمير المجتمع اقتصاديا واجتماعيا واخلاقياً!!.