يعتبر موضوع تنويع الصادرات من الموضوعات القليلة التي يجب الحديث عنه في كلتا الحالتين: عند ارتفاع أسعار النفط وعند انخفاضها. فعند ارتفاع اسعار النفط وبالتالي ارتفاع الصادرات النفطية يظهر هيكل الصادرات للدول الخليجية باوضح عيوبه حيث تمثل الصادرات النفطية النسبة الغالبة من اجمالي الصادرات وبالتالي تبرز أهمية الدعوة للتغلب على هذا الجانب. اما في حالة انخفاض أسعار النفط وبالتالي تراجع الايرادات النفطية وما يعنيه ذلك من تباطؤ الانفاق بشقيه الاستهلاكي والاستثماري وما يعنيه ذلك من تباطؤ في النمو الاقتصادي فإن الحديث يبرز مرة اخرى عن أهمية تنويع الصادرات وذلك للتغلب على التأثيرات الحادة لتراجع أسعار النفط على النمو الاقتصادي. من هنا يبدو من الافضل أن يتم الحديث عن أهمية تنويع الصادرات من وجهة النظر الاستراتيجية. فلم يعد خافيا ان هذا الهدف - هدف تنويع هيكل الصادرات - تفرضه التحديات البعيدة المدى ايضا. فاذا ما أخذنا بالاعتبار المستجدات الاقتصادية الدولية الراهنة والمتمثلة في استمرار عدم الاستقرار في اسواق النفط وتذبذب اسعاره مع زيادة حدة المنافسة في الاسواق العالمية, وعودة الركود للعديد من الاقتصاديات الرئيسية في العالم, علاوة على تصاعد دور التكتلات الاقتصادية الاقليمية , بالاضافة الى تعاظم دور القدرات العلمية والتقنية في تحديد المزايا النسبية للتجارة الدولية وبالتالي تراجع الاهمية النسبية للموارد الطبيعية وتصاعد المنافسة الدولية على استقطاب رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية وتحول معظمها لمناطق جديدة من العالم مثل منطقة جنوب شرق آسيا , وكذلك ظهور منظمة التجارة الدولية وما يتبعها من اتفاقيات واجراءات وانفتاح الاسواق العالمية وتزايد الاتجاه نحو العولمة - وجميعها تحديات طويلة الامد فان اهمية هدف تنويع هيكل الصادرات يصبح ذي حيوية واولو ية قصوى. ولعله يبرز عددا من المعوقات التي تجعل دول المجلس لا تتقدم لتحقيق هدف تنويع هيكل الصادرات بالسرعة المطلوبة حيث ان اقتصاديات هذه الدول كدول نامية لا تسمح لها باعادة هيكلة اساسياتها الاقتصادية بصورة سريعة قد تكون سلبياتها اكثر من ايجابياتها, فدول المجلس يجب ان تتخذ لنفسها منهجا نحو العولمة يتمثل في رسم استراتيجية متأنية مدروسة تأخذ في الاعتبار ايجابيات وسلبيات كل خطوة تخطوها في هذا الصدد , وهي مسألة تأخذ ان اتقافية منظمة التجارة العالمية تعطي الدول النامية فترة سماح تصل الى 10 سنوات لتهيئة اوضاعها الاقتصادية بما يتلاءم مع متطلبات النظام العالمي الجديد. ان قضية تنمية وتنويع الصادرات تعتبر من القضايا الرئيسية في الاقتصاديات الخليجية, وذلك انطلاقا من دور نشاط التصدير في توسيع وتنويع القاعدة الانتاجية لدول المجلس وتدعيم موازين مدفوعاتها وتوفير فرص العمل لابناء شعوبها, لقد آن الاوان لتقييم واقع وافاق الصناعة الخليجية لمعرفة مستوى انتاجيتها وقدرتها على الوفاء بمتطلبات السوق وتلبية احتياجات المواطن الخليجي. ومن هنا تبرز اهمية التوسع في الصناعات البتروكيماوية والمعدنية الاساسية وتكرير البترول وافساح المجا ل للقطاع الخاص وحفزه على المساهمة فيها, والقيام بتحديد الصناعات الغائبة وتلك التي تساهم في استكمال السلاسل الانتاجية خاصة في مجال الصناعات الاساسية, والعمل على ترويجها لما تمثله من فرص استثمارية جيدة للقطاع الخاص , وتشجيع التحول نحو التقنيات عالية الكفاءة والمرنة من اجل معالجة الندرة النسبية في عنصر العمل وتشجيع العمالة الوطنية على العمل في الصناعة وزيادة انتاجيتها وتحسين كفاءة ادائها . ان احد المقترحات الواردة هنا هي اقامة المشروعات المشتركة مع الشركات العالمية الكبرى لاكساب الشركات الخليجية مزيدا من الخبرات الفنية والادارية, بالاضافة الى تشجيع الاستثمار الاجنبي في دول المجلس, ويحتاج الامر في هذا الصدد مراجعة السياسات والتشريعات المتعلقة بالاستثمار لتعديلها بشكل يساعد على تحقيق هذا الهدف وكذلك الاهتمام بالمواصفات والمقاييس الخليجية بحيث تصبح المنتجات الخليجية منافسة من حيث الجودة للمنتجات العالمية. ان صغر حجم الاسواق الخليجية يفرض ضرورة الاسراع في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وازالة العوائق التي تحول دون تنفيذها واعطاء الاولوية لتوحيد التعريفة الجمركية وصولا للسوق المشتركة, والى ضرورة انشاء جهاز في كل دولة يتولى عملية تنمية الصادرات ويعمل على ازالة العوائق وتهيئة الظروف الملائمة لدخول المنتجات الخليجية الى الاسواق الخارجية وتقديم حوافز مشجعة للصادرات, والعمل على ايجاد مؤسسات خليجية على مستوى دول المجلس لتمويل وضمان الصادرات, كذلك العمل على زيادة فاعلية البنوك التجارية في تمويل المشاريع الصناعية من خلال تعزيز رؤوس اموالها, وحثها على الاستثمار المباشر في الصناعة, وتبسيط اجراءات الضمان المطلوبة لها , والعمل على زيادة القدرات المالية لبنوك التنمية الصناعية المتخصصة من خلال زيادة رؤوس اموالها, وزيادة قدراتها الفنية والادارية وتطوير اللوائح والانظمة المعمول بها وجعلها اكثر مرونة بحيث تستطيع الاقتراض من البنوك الاخرى, لتمكينها من المساهمة في رؤوس اموال المشاريع الكبرى وتوسيع مجال نشاطها الحالي, وفي هذا الاطار تبرز ايضا اهمية ربط اسواق الاوراق المالية في دول المجلس وتطويرها لتلعب دورها كقنوات لتجميع المدخرات المحلية, وجذب الاستثمار الاجنبي والاموال الوطنية المستثمرة في الخارج, بالاضافة الى الاهتمام بقطاعي التأمين والنقل البحري لما لهذين القطاعين من دور هام في تسهيل حركة التجارة الدولية. كما اننا نستذكر هنا الدعوات المتكررة التي اطلقتها الامانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي ولاتحاد غرف التجارة والصناعة لدول مجلس التعاون الخليجي لدول المجلس الى انشاء هيئة عليا او مركز خليجي مشترك لتنمية الصادرات الوطنية الخليجية, حيث ان مثل هذه الخطوة سوف تسهم في نجاح استراتيجية دعم وتشجيع الصادرات الوطنية والذي يتوقف على ايجاد اطار او كيان يسهم في صياغة وتنفيذ سياسة اقتصادية متكاملة لتشجيع الصادرات وتقديم الدعم لها في المجالات التمويلية والتسويقية, ويذكر انه حتى الآن فان المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان فقط اقامتا بانشاء مراكز لتنمية وترويج الصادرات. اما بالنسبة لباقي دول مجلس التعاون الخليجي فهي قد اخفقت في تحقيق هذه الخطوة. ان فكرة انشاء مركز لتنمية الصادرات سبق ان ناقشت اهميتها الملتقيات الاقتصادية الخليجية وكان آخرها ملتقى الصناعيين الخليجيين الذي عقد قبل عامين حيث اسفرت الحوارات التى دارت خلاله عن الاتفاق على حيوية موضوع دعم وتنمية الصادرات الوطنية. فإلى جانب اهمية انشاء مؤسسات تمويل وضمان الصادرات التى تستوجب مشاركة مباشرة من قبل الحكومات , اقترح الملتقى كذلك تشجيع اقامة اجهزة خاصة بتنمية الصادرات وتطوير السياسات التسويقية والاهتمام ببحوث التسويق في اسواق التصدير الرئيسية والثانوية وتجميع المعلومات الضرورية حول هذه الاسواق وتوفيرها للمصدرين الوطنيين. واذا كانت فكرة انشاء هذا المركز هي حيوية وضرورية , فإن ما كانت تحتاجه لتنفيذها وجود ارضية واضحة تنطلق منها فكرة انشاء هذا المركز , ولا شك ان ايجاد هذه الارضية هي من مهمة القطاع الخاص ولعل نقطة البداية الصحيحه في انشاء مراكز لتنمية الصادرات هي القيام باجراء مسح واف للصناعات الوطنية , والاسواق الرئيسية لهذه الصناعات ان كانت محلية او خليجية او عالمية , وكذلك طبيعة المنافسة والمشاكل التى تواجهها, ففي غياب هذا المسح لا يمكن رسم استراتيجية ناجحة لعمل المركز وبالتالي وضع الاهداف القريبة من تطلعات الصناعيين الخليجيين والتى تلامس مشاكلهم الحقيقية, وباعتقادنا فإن الغالبية الساحقة من الصناعات الوطنية هي من الصناعات الصغيرة والمتوسطة ذات الامكانيات المتواضعة والتى تستهدف بصورة رئيسية الاسواق المحلية ومن ثم الخليجية, وان قلة من هذه الصناعات تتطلع الى الاسواق العالمية, كما ان منتجات هذه الصناعات تتركز حول السلع الغذائية والاستهلاكية. واخيرا فإن على دول المجلس اتخاذ الخطوات للتعجيل بتكملة مراحل التكامل الاقتصادي فيما بينها لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية, الامر الذي يعزز موقفها الاقتصادي امام هذه التكتلات والدول الكبرى. ان العولمة تتطلب من دول المجلس ان تعمل على اعادة هيكلة اقتصادياتها وتعديل بعض انظمتها بما يتلاءم مع المستجدات الاقليمية والدولية ويكفل تعظيم العوائد للاقتصاديات الخليجية.