لا تأتي الثورات من فراغ ولا تحمل بها الظروف سفاحاً ولا تصنعها الارادة البشرية اعتباطاً. انها النتاج الشرعي للقاء بين القوى القديمة الغاربة وبين القوى الجديدة المتفتحة البازغة. العولمة رغم ازدحام الشروحات والكتابات حولها في العقد الماضي وحتى الآن.. الا ان اغلبها بقيت هامشية لانها نظرت إلى النتائج دون الغوص في الاسباب. او انها اخذت تقطف منها وريقات من هنا وهناك وتطرح الباقي بطريقة فجة احياناً او بطريقة تعسفية في احيان اخرى. ورغم هذا الطرح غير المبرر. فإن ديناميكية العولمة القت بظلالها مرة تلو اخرى. من خلال انجازاتها العلمية الجبارة والتكنولوجية الهائلة. لدرجة ان حقائقها اصبحت موضوعية تفرض نفسها بحزم وتحقق باستمرار ولكن ايضاً يجب الا تبهرنا هذه الحقائق والانجازات العلمية لدرجة اننا اصبحنا نصوبها فوق الانسان, ان انجازات العولمة في كثير من الاحيان صارت تلتهم الانسان وتقضم الطبيعة.. وتبتلع القيم. ان الحكم الاولي على هذه الظاهرة انها حسنة وصنيعة من صنائع وحسنات العقل والفكر. لكنها ليست فوق العقل. لو اسمى من الفكر او اجل من القيم. ولكي لا يكون حكمنا مبسترأ وجاهزاً.. فاننا نرى ان دراسة هذه الظاهرة.. دراسة معمقة يجب ان تنطلق بالضرورة من الاجابة على الاسئلة الخمسة الكبرى التالية: ما هي الخلفية الاجتماعية لهذه الظاهرة؟ ما هو جوهر ومضمون هذه الظاهرة؟ من هي الفئات الاجتماعية التي تخدمها العولمة او تسعى لخدمتها؟.. (شرعية العولمة)؟. هل الظاهرة نافعة ومقبولة وصحيحة اليوم؟ هل تعيش العولمة ويفنى غيرها؟ الخلفية الاجتماعية شهد العالم منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ثلاث ثورات علمية (سقطت واحدة منها) الاولى ثورة نيوتن (1641 ـ 1727) في الفيزياء والرياضيات واهم اكتشاف لها قانون الجاذبية. الثانية: الداروينية (1804 ـ 1882) اعتبرت ثورة في حينها لكنها سقطت سريعاً بعيد الحرب العالمية الاولى لقد حملت بذور فنائها بنفسها, ورغم عدم ايماننا بجوهرها الا ان اشارتنا لها تأتي من كونها مازالت تتلائم مع الفكر الغربي وقيمه. ذلك الفكر الذي ولد منه نظرية العولمة وللتدليل على سقوطها, من خلال الوقوف على جوهرها القائم على الصراع من اجل البقاء.. والبقاء للاصلح. فأولاً لم يعد الصراع بين الاقوياء والضعفاء وحسب, بل اغلبه اصبح بين الاقوياء انفسهم, وثانياً ان الضعفاء قتلوا النظرية حينما وجدوا في انفسهم الكفاية لتحسين ظروفهم وحياتهم إلى النيوتنية والداروينية وصلتا إلى نفس النتيجة في الميدان الاقتصادي من خلال ايماننا بالقانون الطبيعي الذي لا يجوز ولا يجب اعاقته ولا التدخل في مجراه النيوتنية اشتقت قانونها الاجتماعي من النظام الطبيعي الموضع بالنظام الشمسي. والداروينية الاجتماعية استندت على النظام الطبيعي كنظام مطور من النظام البيولوجي, المدرسة الحدية في الاقتصاد بزغت مع الداروينية وتوجهها الاساسي نيوتوني في تحليلها الساكن وعبرت عن القوانين الاقتصادية بأنها ثابتة وقابلة للتطبيق عالمياً وبدون تدخل حكومي. الثورة الثالثة: النسبية لانشتاين (1824 ـ 1955) قدمت نظريته لأول مرة للعالم عام ,1905 ولكنا سرعان ما فاقت نظيرتها.. وعلى كل فإن التقويم النهائي لها لم يحسم بعد.. ان اهم ميزة لها انها نقلت العلم من حالة السكون إلى الحركة.. ادخلت عامل الزمن والمتغيرات الحركية الاخرى في التحليل. ويجب ان اية ثورة علمية ستؤثر في جميع حقول المعرفة الانسانية.. وكما ابتدأ نيوتن بالفيزياء والجاذبية ولكن نظريته انسحبت على الاقتصاد والسياسة والاجتماع وكذلك الداروينية التي تبنتها سريعاً النازية. ان جذور النظام العالمي الجديد يضرب بعيداً في التاريخ. إلى بدايات العصور الحديثة. ومنذ انهيار النظام الاجتماعي القديم (الاقطاعي) الذي اصبح متخلفاً, ففسح الطريق امام إلى نظام اكثر حيوية ورقياً هو النظام الرأسمالي.. وكان ذلك بفعل الحاجات المتنامية للسكان. وعجز النظام وعناصر انتاجه وقوانينه عن تلبية تلك الحاجات. فبدايات نظام العولمة تعود إلى القرن السادس عشر عندما انتشر النظام المركانتيلي (التجاري) العالمي ورغم انه كان اكثر تقدمية وعلمية من النظام الاقطاعي الا ان زحمه واثاره السلبية كانتا افظع واشد. ان تجارة العالم المثلثية والتي عرفت بتجارة العبيد (وفي الحقيقة صيد العبيد) في القرنين السابع عشر والثامن عشر كلفت القارة السمراء خمسين مليوناً من خيرة شبابها وقوة عملها مات اكثر من نصفهم قتلاً او غرقاً او جوعاً او مرضاً وقبل ان يصل إلى مزارع القطن الامريكية!! ان شركة الهند الشرقية (البريطانية) خير معبر عن روح وجوهر النظام المركانتيلي. شركة تجارية لها اساطيلها وجيوشها بل ومن ورائها حكوماتها.. حتى الكنيسة لم تعد تقطب حاجبيها على القيم المخالفة لجوهر الدين المسيحي. كالثراء الفاحش والغنى وحتى الربا.. فانتشرت البنوك والشركات التجارية عبر البحار وتوسع الائتمان والاقتراض, واصبحت الرأسمالية عالمية بعد ان كانت محلية (اوروبية). تطور النظام الرأسمالي وديناميكيته جعل العالم ينصهر شيئاً فشيئاً مع بعضه من خلال التطورات والاختراعات التكنولوجية الهائلة ولليوم تسيطر الشركات متعددة الجنسية (العابرة للقارات) وهي خير معبر عن النظام الدولي المعولم. ومنذ عام 1985 شهد العالم احداثاً جساماً عصفت بالنظام الدولي الذي كان سائداً بعد الحرب العالمية الثانية اهمها: البروسترويكا التي قادها جورباتشوف وادت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي ثم سقوط حائط برلين 1989 وتوحيد المانيا وحرب الخليج الثانية 1991 وتفرد امريكا بالقرارات الدولية. استاذ اقتصاد جامعي