طالب الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية مؤخراً بعقد قمة عربية اقتصادية لدعم منطقة التبادل التجاري الحر وتسهيل انشاء السوق العربية المشتركة, وعلى ان يكون انعقادها مرة في السنة على الأقل, على غرار مجموعة الدول الأوروبية التي تعقد قمة اقتصادية كل ستة شهور, وألا يشترط في قراراتها الموافقة الجماعية على جميع ما يطرح فيها من موضوعات. ان هذه الدعوة ليست جديدة, على ان الجديد فيها هو دفعها الى التنفيذ العملي القريب والذي تفتقده الدول العربية في أغلب القرارات التي تصدرها والتي يتوقف تنفيذها لسبب أو لآخر, خاصة وأننا نلمس الجدية في العهد الجديد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية, بعد ان كاد المجلس يتحول الى فندق يمتلىء بالاجتماعات واللجان التي تصدر عشرات القرارات ثم يتبين فيما بعد انها للاستهلاك المحلي والدعاية الاعلامية والتغطية النظرية, وتظل كذلك الى ان تتجمد تدريجياً ثم تحفظ في الادراج التاريخية مع الملفات الارشيفية. لقد حدد السلبيات الاقتصادية التي تجتازها المنطقة العربية فيما يلي: ــ ان المنطقة العربية تقع في مرتبة متأخرة من العالم بالنسبة لمجال التنمية البشرية بالرغم من ان الكثير منها يقع في مدى متوسط, وان هناك عشر دول يأتي ترتيبها بعد المئة في جملة عدد الدول المتقدمة, كما ان هناك اربع دول لها مرتبة مرتفعة كالبحرين, والكويت, والامارات, وقطر, والقصور واضحاً في الخدمات التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية, وانه على الرغم من ارتفاع نسبة التغذية في منطقة الدول العربية, فان نسبة السكان فيها تحت خط الفقر وتقدر بنحو 25% من اجمالي عدد السكان. ــ ان معدلات النمو السكاني مرتفعة وان البطالة في أغلب الدول العربية تسبب مشكلة يمكن ان تنفجر وتؤثر سلبياً على كل الدول العربية, ولاتزال معدلات القوى العاملة كبيرة دون زيادة في القدرة الاستيعابية لها, حيث تقدر البطالة بنحو 11% بينما يقدر حجم القوى العاملة بنحو 95 مليوناً, أي ان هناك عشرة ملايين عاطل تقريباً, من بينهم 60% من خريجي الجامعات والمعاهد العليا, وتنتشر البطالة في الدول العربية غير المنتجة للبترول وكذلك المنتجة له على السواء, ويصاحب ذلك نقص وتدهور في الغذاء الذي يغطي أغلبه من الخارج (12.4 مليار دولار سنويا نصفه حبوب وخاصة من القمح). ــ ان معدلات النمو للناتج المحلي تتراجع منذ عام 1995 حيث هبط الى 3.2% كما بلغ الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة 599 مليار دولار عام ,1997 وهو ما أدى الى انخفاض متوسط الفرد من هذا الناتج الى 2269 دولاراً في العام المذكور, كما تراجعت حصة الدول العربية في التجارة العالمية في السنوات الماضية بسبب الفجوة التكنولوجية والمعرفية بين الدول العربية والدول المتقدمة في البحث العلمي والتعليم والانترنت, وذلك في عالم كله تحديات سواء من العولمة ومخاطرها على الاقتصادات العربية أو في مسيرة السلام في الشرق الأوسط والمشاركة. كما أكد ان مجلس الوحدة الاقتصادية العربية منذ انشائه وهو يسير في طريق مسدود, حيث ظل على سبيل المثال, في مناقشة وجدال منذ عام 1964 حتى الآن حول اتفاقية انشاء السوق العربية المشتركة دون جدوى, وهو ما يؤكد أهمية دور القطاع الخاص في دعم التعاون الاقتصادي العربي, وهو دور يتعين ان يسبق حالياً الدور الحكومي في التعاون الاقتصادي العربي. ولاشك ان حديث الدكتور أحمد جويلي يأتي فعلاً من القلب, ومن الاحساس بالمأساة التي يعيشها التعاون الاقتصادي العربي, كما يمس فعلاً قلوب الشعب العربي, الذي انتظر طويلاً ليرى شيئاً عملياً من هذا التعاون, فإذا به يسمع عنه فقط, سمع عن تعاون نقدي يتمثل في اتفاقية اجراء المعاملات التجارية وانتقالات رؤوس الأموال بين الدول العربية لم يتم تنفيذها, سمع عن تبادل تجاري حر يتمثل في منطقة تجارة عربية حرة مازالت تواجه مشاكل في التنفيذ رغم مرور ثلاث سنوات على توقيعها, سمع عن تكلفة اقتصادية عربية لم تتم بالرغم من أهميتها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي, وأخيرا سمع عن السوق العربية المشتركة منذ عام 1964 ومن عشرات بل مئات الاجتماعات التي انعقدت لمناقشة قيامها دون جدوى. وهو ما يؤكد أهمية الدعوة التي يطالب بها الدكتور أحمد جويلي بالنسبة لعقد مؤتمر قمة اقتصادي عربي, يستطيع ان يصدر قرارات رئاسية يتم تنفيذها فوراً دون ان تتحول الى الأجهزة البيروقراطية التي تبحثها في عشرات السنوات مثلما تم بالنسبة لكافة جوانب التعاون الاقتصادي العربي التي تقرر خلال ما يقرب من نصف قرن ولم ينجز شيئاً منها حتى الآن, قرارات رئاسية تتجه مباشرة في تنفيذها الى أشخاص وليس الى أجهزة, أشخاص يجتمعون في شكل مجموعات عمل تضع القرارات والبرامج والخطوات التنفيذية من خلال حركة دائمة تستمر ليلاً ونهاراً حتى يتم الانجاز الفعلي وتبدأ صورة اقتصادية عربية جديدة بعيدة عن الصورة القاتمة التي عشنا فيها منذ عام 1945. ان القمة الاقتصادية العربية المقترح انعقادها في أقرب فرصة ممكنة يتعين ان يتم الإعداد الجيد لها عن طريق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية, وان تركز على الموضوعات الاقتصادية فقط وفي أضيق نطاق ممكن حتى تصل الى قرارات سريعة خلال يومين على الأكثر, وعلى ان تتضمن الموضوعين التاليين أو حتى تكتفي بهما: اولاً: تغيير هيكل نظام التعاون العربي الذي بدأ مع نشأة جامعة الدول العربية وبشكل يؤدي الى فصل العمل السياسي عن العمل الاقتصادي وما يتطلبه ذلك من تقسيم هيكلي للادارات التابعة لجامعة الدول العربية, مع دمج للمنظمات العربية المتخصصة المتقاربة في أهدافها, وحتى ينتهي هذا التقسيم الى قطاعين رئيسيين: قطاع سياسي وعسكري, وقطاع اقتصادي واجتماعي يقوده مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وينضم اليه صندوق النقد العربي وصندوق الإنماء العربي وكل المنظمات العربية المشتركة التي تقوم بانشطة اقتصادية في مجالات التنمية الصناعية والزراعية والخدمات المختلفة, ويتعين ان يكون هناك ورقة عمل تعرض على القمة الاقتصادية بهذا المضمون. ويتعين ان تتضمن الورقة الصورة الجديدة للتعاون العربي في القرن الجديد, وشكل القيادة في القطاع الاقتصادي والانشطة التي يقوم بها والتي يمكن ان تحقق السوق العربية المشتركة, والتعاون مع القطاع الخاص الذي يتعين عليه أيضاً اعادة هيكلته على المستوى العربي من اتحادات وجمعيات وروابط مهنية وعملية, ليتسنى له المساهمة الجادة والعملية في انشاء السوق العربية المشتركة بما ينشئه من شركات يطرح اسهمها على المستوى العربي العام, ومن اندماجات تتم بين فروع الشركات القائمة في الدول العربية, وعلى ان يتم التنسيق في اعماله مع الجهات الحكومية العربية التي تنشأ نتيجة لتقسيم التعاون العربي الى القطاعين المذكورين, وعلى سبيل المثال يمكن ان تنشأ شركات للتجارة العربية البينية في نفس الوقت الذي يقوم فيه قطاع التعاون الاقتصادي الحكومي بوضع وتنفيذ ومتابعة خطوات تسهيل التنقلات السلعية والمالية والعمالية بين الدول العربية وبما يتطلبه ذلك من قوانين وقرارات وقواعد. ثانيا: اعتماد خطة تكامل وتنمية اقتصادية على المستوى العربي بالتنسيق مع خطط التنمية الاقتصادية المحلية والمشروعات الواردة بها والمقترح تنفيذها محلياً واقليميا, ويمكن ان يتولى القطاع الخاص انشاء الشركات المقترحة لتنفيذ المشروعات المحلية, وذلك من واقع تمويل محلي وعربي, كما يمكن ان يقوم قطاع التعاون الاقتصادي الحكومي بتخطيط المشروعات الاقليمية من طرق وكباري وكهرباء ومياه تربط الدول العربية, على ان تطرح المساهمة في تمويلها وتنفيذها على البنوك العربية والمؤسسات والصناديق المشتركة العربية والافريقية والآسيوية وعلى البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية, وبالتعاون مع كبار الماليين في المنطقة العربية الذين يتعين عليهم التحرك السريع على المستوى العربي قبل تآكل المنطقة العربية لصالح الاجانب في ظل العولمة واتفاقية منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات العالمية الاخرى. ان خطة التنمية العربية التي يقترح اعتمادها من مؤتمر القمة الاقتصادي, يتعين ان يتم التركيز فيها على الاقاليم الفقيرة بانشاء المشروعات التي تؤهلها إلى تشغيل العاطلين ورفع المستوى المعيشي للسكان وانتاج السلع الاستهلاكية التي تستورد من الخارج. وبذلك يمكن رفع المستوى الاقتصادي لهذه الاقاليم لكي تتقارب حتمياً مع الاقاليم المتوسطة والغنية في المنطقة العربية, وبذلك لا يكون هناك حاجة للهجرة غير المخططة بين الاقاليم الفقيرة والاقاليم الغنية داخل المنطقة العربية, وعلى ان ترتكز تنمية الاقاليم الفقيرة على الاموال العربية المهاجرة بالخارج بعد استردادها ومنحها المزايا والحوافز المناسبة من السلطات المحلية وعن طريق السلطات العربية المركزية التي يكون على رأسها مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والاجهزة التي تعمل معه, كما يمكن الاستعانة بصندوق تمويلي يخصص لتنمية هذه الاقاليم بالاضافة إلى المساهمات الاخرى, وهو ما لجأت اليه في البداية السلطات الاوروبية في مجال انشاء السوق الاوروبية المشتركة حيث انشأت صندوق تمويل خاص لتنمية الاقاليم الاوروبية الفقيرة التي ستشترك في السوق مع التركيز على التنمية البشرية والتدريب والتعليم والتأهيل المهني. اقول ان مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بدأ في عهده الجديد وبالتصريحات التي اصدرها امينه العام, بدأ بمنطق عملي جديد يعتمد على التخطيط الجيد الذي يوصل إلى التنفيذ العملي العاجل مع المتابعة المستمرة والتي قد تؤدي إلى تغيير في المخططات التي يتبين عدم صلاحية تطبيقها داخل المنطقة العربية, ولاشك ان انعقاد مؤتمر قمة اقتصادي عربي مع الاعداد الجيد له, وفي ضوء مستجدات حديثة على المستوى العربي والاقليمي والدولي, سوف يكون بداية جديدة وباسلوب عملي جيد ورؤية بعيدة مستحدثة تدفع المجلس وتوقظه من غفوة طويلة استمرت منذ قيامه في عام 1956. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية