قام التعاون الاقتصادي الدولي والاقليمي في ثلاثة جوانب: اهمها الجانب التجاري وكانت تبدو اهميته من قديم الزمن وبعد تعارف البشر على بعضهم البعض وقيام دول لها حدودها ومواطنيها, حيث كان من الطبيعي الا تنتج الدولة كل ما تحتاجه فتلجأ إلى غيرها للحصول على ما ينقصها, فنشأت عمليات التجارة الخارجية والتي كانت تحتاج إلى تنظيم دولي واقليمي وثنائي لوضع طرق التبادل بين الدول. ولما كان بعض الدول لا يتوافر لديها الاموال اللازمة لدفع قيمة ما تستورده نقداً, فقد لجأت إلى طلب الائتمان, لدفع القيمة المستحقة عليها بالتقسيط اي بقروض نقدية او بتسهيلات ائتمانية, واحتاج ذلك إلى تنظيم نقدي دولي في اجراء المدفوعات وتبادل النقود واجراء التسويات المالية, فنشأ النظام النقدي العالمي الذي يعمل به منذ عام 1944 اي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة. ومن هنا اهتم التعاون الاقتصادي الدولي في تنظيمه بناحيتين: ناحية تجارية تنظمها حالياً اتفاقية منظمة التجارة العالمية الحرة التي انضم اليها حتى اليوم ما يقرب من 146 دولة, واتفاقية صندوق النقد الدولي التي انضمت اليها كافة دول العالم منذ عام 1945 حيث تنظم الرقابة على النقد وسعر الصرف والتحويلات الرأسمالية وتبادل الاموال, مما ساعد على تبادل السلع والاشخاص والخدمات حيث لم يعد هناك دولة واحدة تعيش بمفردها. واذا كان التعاون الاقتصادي الدولي قد قام على هاتين الناحيتين, فإنه انتشر في بعض المجالات الاخرى المتفرعة عنها: في الاستثمار, في القروض, وايضاً في التمويل الخارجي, وهو القطاع الذي لا تستطيع بعض الدول ان تعيش بدونه, خاصة بعد ان سحب الاستعمار من الدول المستعمرة خلال العقدين الاخيرين في افريقيا وآسيا, اغلب ثرواتهم المادية والمعنوية التي استطاع فيها بعد تحويلها إلى ثروات مالية شراء الخامات التي تنتجها الدول النامية بصفة دورية. ومع تغيير الاتجاهات الدولية وبروز طبقة المثقفين عالميا, ومع الغاء الحواجز على تنقلات الاموال في ضوء التنظيمات الاقليمية والدولية الجديدة انتهى مفعول الاموال كوسيلة للتمويل الدولي, لان المستثمرين الاجانب وجدوا نفسهم امام مشروعات لا تدر ارباحاً كبيرة ولا تتفق مع المجهودات والمخاطر التي يتعرضون لها نتيجة استثمار اموالهم خارج بلادهم, ونتيجة لضعف البنية الاساسية وتهالكها في الدول النامية, كما وجدوا انفسهم امام رجال الاعمال المحليين الذين يبذلون محاولات كبيرة بغرض تحقيق الاكتفاء الذاتي لمواجهة احتياجات بلدهم المحلية ولاحلال محل الاجانب في الاستثمار بمشروعات انتاجية وتنموية يستفيدون جميعاً منها كما تستفيد بلادهم. أما المنح والهبات والمساعدات المالية الخارجية فقد اخذت تتناقص هي الاخرى خلال العشرين سنة الاخيرة, وعلى سبيل المثال اذكر ان المعونات الرسمية الدولية للدول النامية بلغت 8.58 مليار دولار امريكي خلال عام 1994 بانخفاض قدره 1.8 في المئة عن السنة السابقة لها وكان لذلك اثره على كافة الدول النامية التي كانت تعتمد على المعونات. وفي مصر على سبيل المثال فان المساعدات الامريكية لمصر خلال العشرين سنة الاخيرة بلغت 21.2 مليار دولار امريكي تم انفاق اغلبها داخل الولايات المحدة وفي مشتروات عسكرية كان من شروطها عدم السماح بتأهيل او اعداد كوادر فنية او تنمية صناعية مع قصر الصناعات العسكرية على التجميع بعيدا عن الابتكار, بالاضافة الى الشروط الاخرى للمعونة التي تقتضي استخدام معظم اموال المعونة في مشتريات من الولايات المتحدة حتى لو كانت اقل في جودتها واغلى في سعرها. كما يلاحظ انه كان لانتهاء الحرب الباردة اثر واضح على المساعدات الدولية حيث قامت بعض الدول الغنية بخفض معوناتها الى الدول الفقيرة, وقد وضعت شروطاً جديدة لتقديم المنح لها, اهمها تغيير الانظمة الاقتصادية في هذه الدول بما يسمح بتطبيق مبادىء السوق الحرة مع ربط حجم المعونة بمدى النشاط السياسي لهذه الدول, وهي شروط معقدة ومجحفة لذلك وجدت الدول المتلقية للمعونات انه لم يعد من المناسب قبول هذه الشروط وهو ما سوف يؤدي الى تقليص هذا البند ايضاً كوسيلة للتمويل الدولي, خاصة وان جزءاً من اموال المعونات يتم انفاقه داخل الدول المانحة. من هنا يتبين ان الوسائل المذكورة للتمويل الخارجي والتي كانت اساسا قويا للتعاون الدولي خلال القرن الاخير, هذه الوسائل لم تعد ملائمة لمقتضيات القرن المقبل, خاصة بعد التغيرات الجوهرية التي سبق الاشارة اليها, الامر الذي يفرض ضرورة البحث عن وسيلة اخرى للتعاون الدولي تمتص غضب وانتقادات الدول الفقيرة, وتفيد في نفس الوقت الدول الغنية التي لا تتطلع الى دخل اكبر لسكانها على حساب سكان الدول الفقيرة, وسيلة تتواءم مع الزمن الذي نعيشه والذي اصبح يختلف تماما عن الزمن القديم عندما كان الفقراء يعيشون على حد الكفاف دون ان يكون لهم متطلعات او مطالب اكثر من ذلك. هذه الوسيلة الجديدة التي يتجه اليها العالم حاليا تتمثل في (الشراكة), التي اخذت تتحقق حاليا في مناطق عديدة والتي تقوم بين دولة ومجموعة من الدول في شكل تنظيم اقليمي, وتتم في شكل اتفاقية تنص على تطوير التعاون بينهما عن طريق المزيد من التعاون الفني لا المادي, اي بتوسيع حجم التجارة بينهما عن طريق زيادة الانتاج القومي, وفي نقل التكنولوجيا وتحويلها, وفي قيام الدولة المتقدمة في هذه المجموعة بارسال خبرائها وعملائها الى الدول النامية في نفس المجموعة, يتولون تطوير اقتصاديات هذه الدول. والاهم من ذلك هو التفكير في انشاء الشركات الانتاجية المشتركة التي تجمع الادارة الناجحة مع العاملين الاكفاء من المواطنين المحليين دون تفرقة بين جنسية واخرى, وبما يؤدي الى انتاج السلع التي تحتاجها الاسواق المحلية داخل كافة دول المجموعة على السواء, وهذه الفكرة تمثل تقريبا الفكرة الاساسية للشركات البترولية المختلفة والشركات متعددة الجنسية التي كانت تضم في عضويتها الدول المتقدمة بينما لم تكن تضم عضوية اي من الدول النامية التي كانت تتم على ارضها جزءا كبيرا من عمليات الانتاج بينما النسبة الكبرى من العاملين منها من جنسيات هذه الدول. ان الشركات المشتركة بالشكل المقترح اصبحت احسن وسيلة وافضل طريقا للتعاون الدولي طالما اشترك في رأسمالها المواطنون من كافة الدول الاعضاء دون تفرقة, خاصة من الدول التي تسمح لها بالعمل على اراضيها وبأيدي عمالها وبتمويل مشترك حسب قدرة كل منها, على ان يتم توزيع ارباحها على كافة الدول الاعضاء حسب نصيب كل منها في المشاركة بحيث لا تفرض قيوداً على تنقلات العاملين بينها او السلع التي تنتجها والتي تغطي احتياجات اسواقها ويتم تصدير الفائض منها. من هنا اقول ان الشركات المصرية المشتركة والذي ينادي بها الدكتور احمد جويلي الامين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية هي افضل طريق للتعاون الاقتصادي بين الدول العربية بل ان هذه الشركات عندما تتوسع ويكون لها فروع في مختلف الدول العربية فسوف تكون طريقا عمليا من الطرق المطلوبة للسوق العربية المشتركة, التي تنادي بقيامها منذ عام 1964. بذلك يمكن ان يكون هناك خطوات عملية نحو تعاون اقتصادي عربي جاد, بعيدا عن التعاون الشكلي الذي وضعته الدول العربية في شبكة لم يخرج منها خلال نصف قرن, وبذلك ايضا يمكن ان يكون هناك تمهيد عملي لانشاء السوق العربية المشتركة بعيدا عن الاجتماعات والتنظيمات الحكومية التي تتم منذ عام 1964 دون جدوى. خطوات عملية وتنفيذية لتحويل الكلام الى عمل والنظرية الى واقع: تضع الاساس للكتلة العربية الاقتصادية الموحدة التي تقف امام العالم وامام الاعداء الذين لا يخافون الامة العربية ولن يحترموها في ظل تشتتها وانفصالها. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية