بعد مضي سبعة عشر عاماً من صدور القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 والمعدل بالقانون الاتحادي رقم (13 ) لسنة 1988 في شأن الشركات التجارية تتجدد الدعوة من قبل الفعاليات الاقتصادية اماراتيين كانوا او اجانب بضرورة تعديل هذا القانون ولاسيما المادة رقم (313) منه, والمتضمنة للشروط الواجب توفرها عند الترخيص للشركات الاجنبية لمزاولة نشاطها في الدولة ورفع نسبة الملكية الاجنبية في هذه الشركات إلى اكثر من 49% وذلك حسب ما ينص عليه القانون حالياً. وتسبق الفعاليات مبرراتها تلك باهمية تحقيق انفتاح اكبر امام الاسواق العالمية لتحقيق المزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي, ثم لجذب استقطاب المزيد من الاستثمارات الاجنبية إلى سوق الامارات وذلك في اطار التسابق العالمي المحموم على اجتذاب المزيد من الاستثمارات الاجنبية, ثم تبرر تلك الفعاليات تعديل القانون إلى الضرورات التي يمليها الواقع الجديد للاقتصاد العالمي بحكم انضمام الامارات لاتفاقية منظمة التجارة العالمية د.ش.ط. ثم للايفاء بمتطلبات العولمة الاقتصادية وضرورة خلق قاعدة اقتصادية متنوعة. ثم ان الاستثمار الاجنبي من شأنه ان يخلق فرصاً للعمالة المواطنة بعد ان شهدت سوق العمل بالدولة ظاهرة البطالة في اوساط الخريجين!!. وتغالي بعض الفعاليات الاقتصادية إلى ضرورة تعديل مواد القانون ولاسيما المتعلقة بالملكية الاجنبية لتصبح الملكية الاجنبية في الشركات المساهمة 100% بدلاً من النسبة الحالية والبالغة 49% وذلك لتحقيق المزيد من الانفتاح وتفعيل السوق المحلية والنشاط التجاري في الدولة!! ان مطالبة تلك الفعاليات بتعديل قانون الشركات بما يتناسب مع التوجه الجديد في الاقتصاد العالمي وفتح سوق الامارات امام المستثمرين الاجانب يدعونا الامر إلى تشخيص السوق المحلية والتركيبة التجارية والاقتصادية للشركات المساهمة, ومدى فاعلية الشركات الاجنبية في ظل عددها الكبير العاملة في الامارات, ومدى مساهمة تلك الشركات ورؤوس الاموال الاجنبية في التنمية الاقتصادية للامارات. نحاول هنا ان نشخص ابعاد تلك الدعوة ومدى آثارها وانعكاساتها على الاوضاع الاقتصادية خاصة والاجتماعية والامنية في الدولة ومع اقرارنا التام باهمية تحقيق انفتاح اكبر على العالم في ظل المتغيرات العالمية حيث اصبح التعامل مع العالم الخارجي امراً واقعاً ويبدأ تشخيصنا هذا في اطار عدم فصل الاوضاع الاقتصادية والمصالح الفردية والتجارية لشريحة التجار والمستثمرين المواطنين منهم والاجانب عن الاوضاع الاجتماعية والامنية. كما يجب ان نراعي المصالح العامة للدولة, واهداف الاستثمار الاجنبي وانعكاساته واثاره السلبية والايجابية وخاصة تلك الاهداف غير المعلنة او غير الواضحة!! وفي هذا السياق نحدد التالي:ـ اولاً: لماذا هي الدعوة للاستثمارات الاجنبية والتنافس المحموم نحو جذب رؤوس اموال اجنبية لسوق الامارات في ظل وجود حجم كبير من الثروات ورؤوس الاموال الوطنية التي لا تستوعبها السوق المحلية والتي تقدر بمئات المليارات من الدراهم حيث تشير التقارير الدولية إلى ان حجم الثروات الخليجية تقدر بنحو 1.3 ـ 1.6 تريليون دولار 95% من هذه الثروات يتم توظيفها في اسواق عالمية تتآكل بحكم التضخم في تلك الدول, او الضرائب او حتى تكون مهددة بالمصادرة او التجميد كما شهدت السنوات الماضية حينما تم تجميد ثروات عربية وايرانية في اسواق عالمية..!! كيف يمكننا الاخذ بمبررات تلك الدعوة والامارات وبقية دول مجلس التعاون تعتبر من الدول المصدرة لرأس المال, وتعاني من ضيق الاسواق!! كيف نقبل بتلك الدعوة والامارات وحدها تحتضن فقط (58) الف مليونير وذلك وفق تصريح احد المسئولين التنفيذيين بأحد المصارف الرئيسية بالدولة!! ثانياً: ما هي مبررات تعديل نسبة الملكية الاجنبية لتصبح اكثر من 49% وربما إلى 100% كما يطلب البعض او تدعو له شريحة من الفعاليات الاقتصادية والتجارية في ظل هيمنة واضحة للشركات الاجنبية ولرؤوس الاموال الاجنبية في سوق الامارات حيث يبلغ عدد المصارف الاجنبية العاملة في الامارات نحو 27 مصرفاً مقابل 20 مصرفاً وطنياً وتلك المصارف الاجنبية ما هي الا قنوات تتدفق منها السيولة إلى الاسواق العالمية!! كيف نبرر دعوتنا تلك وعدد شركات التأمين العاملة في ثاني اكبر القطاعات بعد القطاع المصرفي التجاري قد بلغ نحو 26 شركة تأمين اجنبية مقابل 20 شركة تأمين وطنية!!. كيف نبرر تلك الدعوة وشركات المقاولات الوطنية والتي هي برؤوس اموال وطنية تعاني منافسة حقيقية من الشركات الاجنبية العاملة في قطاع المقاولات العريض!! بل انها ارتضت ان تقبل بنصيب محدود للغاية مقابل نصيب الاسد للشركات الاجنبية التي تسند اليها المشاريع الكبرى وتكسب العطاءات الضخمة حتى من مشاريع الحكومات والحكومة الاتحادية!! ثالثاً: ما هي مبررات الدعوة نحو توسيع الملكية الاجنبية لتزيد عن النسبة التي حددها القانون ونحن نجد ان حقيقة الواقع يؤكد مدى هيمنة الملكية الاجنبية على واقعنا التجاري لتصل في كثير من الاحيان إلى اكثر من 100% وتتمثل تلك السيطرة او الهيمنة في رأس المال. والايدي العاملة الاجنبية, والادارية الاجنبية فيما تكون المساهمة الوطنية في الكفالة او الشكل القانوني نظير مبالغ ضئيلة جدا يدفعها الملاك الحقيقيون لتلك الشركات للشركاء المواطنين في نهاية كل عام, ولربما دفع هؤلاد المواطنون الثمن غاليا حينما يعلن الشركاء الشريك الاجنبي افلاسهم او يولوا هاربين فيما يتحمل الشريك المواطن (الصوري) عبء المديونية كلها وقد يتعرض للسجن ومصادرة اصوله الخاصة!! رابعا: ان الشريحة الداعية لتوسيع الملكية الاجنبية في الشركات المساهمة التجارية هل تدرك حقيقة دعوتها تلك وهل قامت بتشخيص دقيق لحال السوق المحلية؟! وحددت مدى حاجة السوق الاماراتية لرؤوس اموال اجنبية جديدة؟! ثم هل حددت تلك الشريحة طبيعة الاستثمارات الاجنبية ونوعيتها وقنواتها وجدواها الاقتصادية, ثم حجمها وتأثيراتها ومجالات الاستثمارات الاجنبية؟! خامسا: اذا كانت دراسات بنك ابوظبي الوطني حول القطاع الاقتصادي والمالي بالدولة اظهرت قبل اطلاقها الصناديق الاستثمارية ان هناك نمواً عشرة مليارات دولار جاهزة للاستثمار تضاف لحجم السوق سنويا وتلك المليارات خاصة بالقطاع الخاص وحده ولا تخص القطاع الحكومي, وتجد طريقها للاستثمار في الخارج سنويا فما هو مبرر التسابق نحو اجتذاب استثمارات اجنبية ورؤوس اموال اجنبية لاسيما في ظل غياب الاهداف وعدم تحديد رؤية اقتصادية او استراتيجية تنموية يحدد من خلالها حجم رأس المال الاجنبي ان كانت هناك حاجة اليه بعد تحديد نوعيته!! سادسا: ان تاريخ الاستثمارات الاجنبية سواء في الامارات او في بقية دول مجلس التعاون وسواء في عصر ما قبل النفط, او في ظل عصر الاكتشافات النفطية لم يكن قط ايجابيا وانما يرتبط ذلك التاريخ بمدى نزعة الشركات الاجنبية ورؤوس الاموال الأجنبية نحو السيطرة والهيمنة كانت لها انعكاساتها السلبية الواضحة في تخلف الاقتصاديات الخليجية وتعطيل مشاريع التنمية الاقتصادية, فضلا على اتسام تلك الحقبة بالاحتكارية وخاصة من قبل الشركات الانجليزية التي تولدت لديها نزعة الاحتكار والسيطرة على منطقة الخليج ولاسيما في قطاع الاكتشافات النفطية وانتاج النفط او تسويقه, ولم تسهم الاستثمارات الاجنبية في تحقيق تنمية اقتصادية في دولنا بقدر ما حالت دون تحقيق ذلك من قبل حكوماتنا, فكيف نبرر الدعوة الى توسيع الملكية الاجنبية في ظل تلك المعطيات!!