بعد ان انقضى اكثر من خمسة وثلاثين عاما على قرار انشاء السوق العربية المشتركة والذي لم يتم العمل به حتى الآن, وبعد ان قرأنا تصريحات عديدة من كبار المسئولين العرب عن اهمية تحقيقها باعتبارها مسألة حياة وبقاء للامة العربية, سمعنا عن اعلان بداية تنفيذها بكامل بنودها اعتبارا من يناير المقبل بين كل من مصر وليبيا والعراق!! وفي الاجتماع الذي عقده مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بتاريخ 31/10/2000 تم متابعة هذا الموضوع ومراجعة الصيغة التي اعدتها الامانة لبدء تنفيذ هذا الاعلان كما تم بحث الخطوات المتلاحقة التي يقوم بها المجلس من اجل تسريع انشاء السوق العربية المشتركة, واضعاً نصب عينيه نموذج الاتحاد الاوروبي ومن قبلها السوق الاوروبية المشتركة والتي تأسست من واقع اتحادين نوعيين هما اتحاد الحديد واتحاد الفحم الاوروبي. وقبل الدخول في تفصيلات تنفيذية عن هذا الاعلان, اقول ان الاهداف التي تقررت عربياً للسوق العربية المشتركة والواردة في قرار انشائها تمثلت في: حرية انتقال الاشخاص ورؤوس الاموال, وحرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والاجنبية, وحرية الاقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي, وحرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافىء والمطارات المدنية. فهل سيتم تحقيق هذه الاهداف بين ثلاث دول فقط وهي الدول التي اعلنت بموافقتها على تحقيق السوق العربية المشتركة بالكامل؟. انه من الغريب ان يتم تحقيق السوق العربية المشتركة بين ثلاث دول فقط من بين 22 دولة عربية. وهو ما اعتقده سوء فهم من الدول التي لم تنضم إلى السوق, لما تتضمنه هذه السوق العربية المشتركة من مزايا في صالح كافة الدول العربية, فقيرها وغنيها, كبيرها وصغيرها, وذلك طالما يتم التنفيذ في ضوء الأسس التنفيذية التي اعلن عنها اكثر من مرة, والتي لخصها الامين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية في تصوره المعلن عن تفاصيله في بداية الشهر الحالي والذي يتضمن انشاء كيانات انتاجية وخدمية عربية كبرى من خلال تشجيع الاندماجات والتحالفات واقامة شركات عربية مشتركة مع الاستفادة من مجالات التعاون الأوروبي والدولي والامكانيات الفنية والتكنولوجيا لدى الشركات الاجنبية والترويج للمشروعات التي يقع عليها الاختيار والتوجه نحو المؤسسات الاسلامية والاقليمية العربية والصناديق الوطنية والانمائية. ان المرحلة التي نجتازها حاليا لم تعد مرحلة مطالبات وتوصيات وان كان لا يمكن لأحد ان يشكك في اهمية هذه التوصيات ومدى تناسبها مع المستوى المتفق عليه للتعاون الاقتصادي العربي بعد ان تردى في الآونة الاخيرة, وتحول الى مجرد تصريحات ومطالبات لا يتحقق منها شيئا عمليا, غير انه بعد تغيير قيادة هذا التعاون وتعيين امين عام جديد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي نعرف مدى اهتمام سيادته بالعمل الجاد والتنفيذ العاجل والرغبة الأكيدة في خدمة بلاده العربية, نشعر اننا امام مرحلة جديدة للتعاون الاقتصادي العربي, والذي يظهر من خلال رؤية جديدة صادقة لتحقيق السوق العربية المشتركة وتفعيل التعاون الاقتصادي العربي. واقول ان السوق العربية المشتركة لن تكون ذات اثر فعال في حالة تنفيذها بين ثلاث دول فقط, حتى لو تم تنفيذ اهدافها بالكامل بينها, وانما لوضع يتطلب تشكيل فريق عمل من رجال الاعمال العرب ومن خبراء مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ومن المنظمات العربية المشتركة ومن حكوميين مشهود لهم بالكفاءة الادارية والفنية, تقوم بزيارة عاجلة لكافة الدول العربية التي لم تعلن عن موافقتها للانضمام الى السوق العربية المشتركة. ولاشك ان هذه المشروعات المحلية أو الاقليمية تتطلب تصورا رسميا وهيكليا لقيامها, واقترح ان تنشأ في شكل شركات مشتركة يساهم فيها القطاعان العام والخاص مع تبنٍ واضح من رجال الاعمال العرب, وذلك بالاضافة الى مساهمات من الصناديق العربية والمحلية والاقليمية, وليس هناك ما يمنع من عرض هذه المشروعات للتمويل على المؤسسات الدولية كالبنك الدولي للانشاء والتعمير وعلى المؤسسات الاقليمية كالبنك الاسلامي للتنمية وبنك التنمية الافريقي. وأقول ان انشاء شركات عربية مشتركة تقيم مشروعات عربية مشتركة طريق عملي لانشاء السوق العربية المشتركة, وقاعدة أساسية في بداية تنفيذ السوق, لأن منتجات هذه المشروعات سيتم توزيعها داخل الاسواق العربية دون جمارك وبمساندة بنوك ومؤسسات عربية لتنمية الصادرات, وقد تنتفع بالتكنولوجيا والخبرة الاجنبية التي تمكن هذه المنتجات من التصدير للخارج بقدر ما تؤد ي الى تقليص الواردات من الخارج, وهو يتعين ان تسانده الاتحادات العربية النوعية. نحن اليوم في حاجة الى خطوات عربية تنفيذية تتجه مباشرة وتمهد عملا الى تحقيق السوق العربية المشتركة, ويتعين ان تبحث في الاجتماعات التي يعقدها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية كخطوات تنفيذية وليس مجرد أفكار أو توصيات تعرض على مسئولين وتنام عندهم سنة أو سنوات. وهو ما لم يتحقق إلا بتعيين مسئول تنفيذي على مستوى عال لكل قطاع من قطاعات السوق وفي ضوء الأهداف التي نصت عليها اتفاقيتها وتتطلبها المرحلة التي نعيشها. ومن هنا نأمل ان نسمع عن تعيين مسئول حكومي ويساعده عدد من رجال القطاع الخاص ورجال الاعمال لانشاء الشركات العربية المشتركة, محلية واقليمية, ويعطى لهم السلطات اللازمة لتحقيق ذلك. مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية