البعد الاقتصادي لانتفاضة الاقصى _ بقلم: أ.د محمد عارف كيالي

انتفاضة الاقصى المبارك واضحة في بعدها السياسي شامخة في زخمها الانساني, وهي مع كل قطرة دم لفدائي فلسطيني تثبت جدارتها وتؤكد عدالتها بل وحتمية انتصارها. لكن من غير الواضح تماما بعدها الاقتصادي, ذلك البعد الذي يعادل ابعادها الاستراتيجية الأخرى ان لم يكن يفوقها جميعا. ان المعادلة الجائرة وظروف المعركة غير المتكافئة تبين عمق الايمان الفلسطيني في قضيته وتصميمه على المجابهة الى النهاية. وعظمة الانتفاضة ليس في مقابلة حجارتها مع اضخم آلة حربية عدوانية وحسب بل وفي معادلة المعدة الفارغة مع البطون المتهدلة والامعاء الخاوية مع الاجسام المتخمة ان مقارنة اولية للوضع الاقتصادي تظهر كم هو الفرق واسع والهوة سحيقة بين اصحاب الارض الشرعيين والغاصبين المحتلين, ففي الجانب الأول لا يتجاوز الدخل اليومي الدولار للفرد الواحد, في حين يربو على الـ(40) دولارا في الجانب الآخر, وفي الوقت الذي يعيش فيه الاقتصاد العدواني على قاعدة اقتصادية متينة وبناء تحتي واسع ومتقدم فان الاقتصاد الفلسطيني لا يزال يحبو على بناء هش ومتخلف واغلبه من بقايا عهد الانتداب البريطاني قبل الحرب العالمية الثانية, اما النظام المؤسسي الصهيوني فانه متكامل من القمة الى القاعدة.. وفي مختلف ابنيته الاجتماعية والقانونية والسياسية والادارية.. كل ذلك مقابل نظام اجتماعي بدائي لا يزال يعيش على مفاهيم العصور الوسطى وقيمها. ورغم انها في الغالب مفاهيم نبيلة كمفاهيم التعاون والتكامل والتخوف, الا انها غير كافية وغير قادرة على مجابهة التحديات الخطيرة. وفي لغة الارقام فإن الصورة تزداد وضوحاً وقتامة في آن واحد. ــ يخسر الاقتصاد الفلسطيني ما لا يقل عن 6 ملايين دولار يومياً جراء فقدانه لعمالة تقدر بـ 150 الف عامل يعملون داخل الاراضي المحتلة (فلسطين 1948). ــ فقد هذا الاقتصاد مبلغ مليار ومائتي مليون دولار لفترة الانتفاضة, نتيجة للحصار البحري على ميناء غزة وعدم تفريغ السلع والواردات, وعطب وفساد الكثير منها. ــ تهديم وتدمير الكثيرمن المباني والمنشآت والجسور جراء القصف البربري المستمر, وهذا يضاعف من المشكلة الاقتصادية والانسانية على السواء. ــ ولم يصار إلى تقديره بعد, والاغلب انه تجاوز المليار دولار ايضاً. ــ نقص الانتاج السلعي وتدني مستوى الخدمات احدث تضخماً اقتصادياً كبيراً فاقت نسبته الـ 155%. وهذا يعني انخفاض المستوى الحقيقي لمعيشة السكان العرب إلى النصف ان آثار التضخم الاجتماعية تفوق آثاره الاقتصادية بكثير. ــ اما الآثار غير المباشرة على الاقتصاد الفلسطيني جسيمة واخطرها الابعاد النفسية والمعنوية جراء ما يرتكبه جزارو تل أبيب من قتل وتقتيل واضطهاد واعتداءات يومية. وفوق الكل الموقف العربي والاسلامي اللامبالي والذي سيحدث ردود فعل سلبية لا يمكن التكهن بآثارها.. ان هذا الموقف لا يمكن الدفاع عنه ولا تبريره. وبالرغم من كل هذه المعاناة لهذا الشعب الصابر والاعزل الا من الايمان بالله والوطن فإن المليار دولار الذي خصصته القمة العربية الاخيرة لدعم الانتفاضة لم يصل إلى مستحقيه بعد لان البنك الاسلامي المسئول عن ايصال هذا المبلغ لم يستلم منه حتى الآن الا 237 مليون دولار. وحتى هذا المبلغ لم يصرف بعد لأن الكيان الصهيوني لا يسمح بدخول اي من موظفي البنك إلى الاراضي الفلسطينية. والآن السؤال الذي يطرح نفسه بحزم وبعجالة فائقة. هل يعقل ان نترك اهلنا يموتون جوعاً وقهراً. فوق موتهم ذبحاً وقتلاً؟ علينا ان ندرك انه اذا كان الاقصى في خطر فإنه لا جاكرتا ولا الدار البيضاء ولا حلب ولا صنعاء سينامون على الحرير. واذا بقى الجولان محتلاً فلا السنغال ولا السودان ولا تركيا ولا ايران سينعمون بالامن والامان. فإذا لم ندرك ذلك فعلى الاقل ان نتذكر مقولة هامة لقائد عظيم (نابليون). ان الجيوش تمشي على بطونها.. اما اذا كنا لا هذا ولا ذاك. فلا نتوقع ان يترحم احد علينا. استاذ اقتصاد جامعي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات