في الحلقة الأولى من هذا الموضوع كنا قد شخصنا واقع شركاتنا الوطنية وتساءلنا عن الدور المنتظر لهذه الشركات في اقتصاد الامارات, خاصة ان الدولة تسعى جاهدة ليكون لها شأن ودور بارزان في المحيط الاقتصادي العالمي. ليس كدولة نفطية فحسب وانما كدولة ذات عمق اقتصادي استراتيجي كبير, تسعى لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية على ارض الواقع. ان رؤيتنا المستقبلية لشركاتنا الوطنية ومصارفنا الوطنية يجب ان تبنى على اساس ان سوق الامارات تشهد المزيد من الانفتاح في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية, التي ستفرض واقعا مغايرا للواقع الحالي. يتطلب معالجة اوضاع شركاتنا ومصارفنا الوطنية من خلال السعي الى دمج هذه الشركات والمصارف بهدف تعزيز قدراتها الرأسمالية والتشغيلية والادارية, كإحدى الخطوات المهمة نحو تصحيح هيكلة الاقتصاد الوطني ومراجعة التشريعات المعززة لهذا الاتجاه. وتغرير مبررات هذا الدمج الى الاسباب والعوامل والمسوغات التالية: ــ المنافسة الداخلية والخارجية التي تجسدها الشركات الاجنبية لشركاتنا الوطنية, واشتداد هذه المنافسة واحتدامها مع مرور الزمن. وفي حال عدم تعزيز اوضاع شركاتنا الوطنية, فإن السوق المحلية سوف تدان للشركات الاجنبية العاملة في سوق الامارات وللشركات القادمة الى هذه السوق. وبالتالي فإن السيطرة سوف تكون في النهاية للشركات والمصارف ذات الاوضاع المالية والادارية والفنية المستقرة والقابلة للنمو. وهذا يعني ان شركاتنا الوطنية بأوضاعها الحالية لن يكون لها شأن في المساحة المحلية او الخارجية إلا من خلال تحقيق الدمج فيما بينهما. ــ بروز مؤسسات وشركات عالمية ضخمة في ظل التكتلات الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها اسواق العالم, وخاصة اسواق دول غرب اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي فإن الشركات الصغيرة ومحدودة الامكانيات لن يكون لها دور في ظل هذه التكتلات, ما لم تتوصل الى صيغة للدمج فيما بينها تؤدي الى تعزيز اوضاعها المالية والادارية والفنية. ــ ان شركاتنا ومؤسساتنا ومصارفنا الوطنية مضطرة للسعي الى التعامل مع الاسواق العالمية على ضوء الانفتاح الحاصل في سوق الامارات, وفي ظل معطيات ومتطلبات السوق العالمية وعولمة الاسواق. ولكن هذه الشركات العالمية العاملة في السوق الدولية لن تتعامل مع شركاتنا ومصارفنا الوطنية مالم تعمل هذه الاخيرة على تعزيز اوضاعها الادارية والفنية وتدعيم قاعدتها الرأسمالية, وتلتزم بالمعايير الدولية لمواكبة التطورات العالمية التي تشهد السوق الدولية. ــ اذا كانت السنوات الماضية قد شهدت هزات مالية انعكست على مختلف اوضاع الاسواق العالمية والاقتصاديات القوية, وادت الى انهيار بعض الشركات العالمية على الرغم من ضخامتها وقدراتها وامكانياتها, كما ادت الى خروج شركات اخرى من السوق, فكيف سيكون حال شركاتنا في ظل اوضاعها الحالية؟ وهذا يدعو وبشكل صريح وواضح الى اهمية تعزيز اوضاع شركاتنا ومصارفنا من خلال عمليات دمج واسعة تحقق للشركات والمصارف الوطنية استقرارها وللاقتصاد الوطني نموه وتنميته. ــ ان الاتجاه العالمي نحو تدويل الاسواق المالية والاقتصادية من خلال تحرير الاسواق المالية والغاء القيود المفروضة على الانشطة الاقتصادية, وثورة الانترنت وتكنولوجيا المعلومات والتجارة الالكترونية وعولمة الاقتصاد, تفرض جميعها على شركاتنا ومصارفنا الوطنية ان نتعامل مع هذه المعطيات بشكل واقعي, وان تسارع نحو تحقيق اندماجات فعلية تؤكد قدرتها على التعامل معها والعمل على المحافظة على موقع الاقتصاد الوطني امام الاقتصاديات العالمية. ــ ان معطيات سوق التجارة والأعمال في الامارات تؤكد ان الامارات تعاني من تخمة حقيقية في شركاتها ومصارفها, قياسا على الاسواق والدول الخليجية الاخرى. وفي ظل ضيق السوق والمنافسة غير المتكافئة بين الشركات الاجنبية والشركات الوطنية العاملة في السوق, ينبغي على شركاتنا ومصارفنا التوجه نحو تحقيقاندماجات فعلية كبيرة وبشكل مدروس لتجاوز ضيق السوق والمنافسة الاجنبية. ــ ان ضرورة تعزيز السوق المالية في الامارات ومعالجة حالة الركود الذي تعاني منه سوق الاسهم في الدولة منذ اكثر من عامين, يجعل التوجه نحو معالجة اوضاع شركاتنا الوطنية امراً ملزماً للجهات المساهمة في هذه الشركات. ويجب ان تتم هذه المعالجة في اطار دمج تلك الشركات او بعضها, وصولا الى تحريك السوق وزيادة الطلب على اسهم هذه الشركات. ــ ان الدعم الحكومي الكبير الذي قدمته الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية خلال سنوات تأسيس هذه الشركات, وخاصة في جانبه المادي, سوف يتراجع بعد تراجع الاوضاع المالية للدولة اثر تذبذب الايرادات النفطية. وبالتالي فإن عدم استمرار هذا الدعم سيضع الشركات والمصارف الوطنية امام خيار وحيد وهو التوجه نحو تعزيز بنيتها وقدراتها المالية, وذلك في حال الرغبة في الاستمرار, وهذا لا يتم إلا من خلال عملية دمج مدروسة وناجحة تحق اهداف الشركات والمصارف وتعزز من قدراتها وقاعدتها الرأسمالية. ــ إن أزمة سوق الاسهم في الامارات خلال السنوات الاخيرة القت بظلالها على المناخ الاستثماري في البلاد, وزعزعت ثقة المساهمين والمتعاملين في سوق الامارات على حد سواء.. وبالتالي فإن تعزيز الثقة وعودة المساهمين والمتعاملين لا يتمان إلا من خلال تعزيز أوضاع هذه الشركات من خلال عمليات دمج جادة وفاعلة, تخدم الاقتصاد الوطني وتعزز سمعة المناخ الاستثماري في الامارات, خاصة وان وجود وحدات كبيرة او شركات كبيرة وقوية من شأنه ان يحمي حقوق المساهمين في هذه الشركات والمتعاملين في اسهمها او معها. ــ ان عملية اندماج الشركات المساهمة في الامارات تعزز من ربحيتها, حيث ان وجود شركات كبيرة اثر الدمج يعني قدرة هذه الشركات على انتاج سلع وخدمات ذات جودة عالية ستجد طلبا داخليا وخارجيا عليها, وعلى تجاوز عقبة المنافسة من كل الشركات الاجنبية التي تنتج نفس الوحدات وتستطيع الشركات الوطنية المندمجة ان توسع من اعمالها وان توجد لها فروعا داخلية وخارجية وتقلص نفقاتها. ان التحديات الاقتصادية التي تواجه وستواجه اقتصاديات المنطقة ومنها الامارات والمتغيرات الاقتصادية التي تشهدها الساحة العالمية, والظروف الاقتصادية التي تعاني منها اقتصاديات المنطقة والامارات خاصة, تستوجب مراجعة امينة لكافة الاوضاع الاقتصادية, تهدف الى تحقيق اصلاحات جذرية لمعالجة اوضاع الضعف والخلل في الاقتصاد الوطني, واتخاذ خطوات جادة وفاعلة من اجل ترميم الاقتصاد وتفعيل قطاعاته واعادة هيكلته لمواجهة تلك الظروف والمتغيرات والتحديات. وتأتي عملية الدمج بين وحدات القطاع الخاص كإحدى الخطوات المطلوب اتخاذها من قبل الدولة بقطاعيها العام والخاص, اذا ما اريد ان يكون للاقتصاد الوطني دور في احداث التنمية الشاملة واذا ما اريد المحافظة على موقع الدولة واهميتها الاقتصادية على المستويين الاقليمي والعالمي, وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للامارات والذين يعيشون على ارضها.