المواصفات القياسية في عصر العولمة والانفتاح _ بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي

ربما يكون موضوع المواصفات القياسية قبل عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي وما ينجم عنه من تحرير تام للتجارة الدولية اسهل منه اليوم. حيث ان الموضوع ذاته اصبح يشكل تحدياً كبيراً ليس على السلطات المختصة بوضع المواصفات القياسية للسلع والبضائع والخدمات وحدها وانما على كافة الفعاليات الاقتصادية من مستهلكين ومنتجين ووكلاء وتجار ومستثمرين. ان وضع المواصفات القياسية المناسبة للمجتمع قد يشكل صعوبة وتحدياً ولكنه من الممكن تجاوزه حيث ان تلك المواصفات لنخلق من العدم وانما من الممكن الاستعانة بتجارب الآخرين والاستفادة منها ثم تكييف تلك التجارب لتناسب طبيعة مجتمعاتنا. غير ان التحدي الاكبر هو في كيفية تطبيق تلك المواصفات في مجال التجارة والصناعة خاصة فيما لو عرفنا ان هناك صناعات محلية لا يتم تسجيلها في السجل الصناعي في وزارة المالية والصناعة لاعتبارات معينة. اضافة إلى افتقار اغلب بلديات الدولة إلى المختبرات المجهزة لاختبار المواصفات القياسية وسيادة المجاملات على بعض المختبرات على حساب المصلحة العامة للمجتمع. وانفتاح كافة موانىء الدولة للعالم الخارجي مع افتقار الكثير منها إلى ابسط الاجهزة الحديثة اللازمة لفحص السلع والبضائع ومطابقة مواصفاتها. بالاضافة إلى ترك سلطة اعتماد بلد المنشأ لكافة السلع والبضائع المصنعة محلياً منها والمستوردة والمعاد تصديرها بأيدي القطاع الخاص عن طريق غرف التجارة والصناعة والتي لا يمكن اعتبارها بحال من الاحوال سلطات حكومية رسمية حيث ان غرف التجارة والصناعة تمثل القطاع الخاص ولا تمثل الحكومة. فمن هي الجهة الحكومية المسئولة في كل امارة من امارات الدولة عن تطبيق نظام المواصفات القياسية ومراقبته والاشراف عليه ومتابعته ومعاقبة المخالفين له بعد ضبطهم. حسب الظروف الاقتصادية الحالية لا يمكن لوزارة المالية ان تقوم بمثل هذا الدور لوحدها بل ان الدور ذاته قد يتوزع بين جهات عديدة تأتي على رأسها وزارة المالية والصناعة والأمانة العامة للبلديات وهيئة حماية المستهلك التي لابد من تحريرها من قبضة التجار ومصالحهم المباشرة بحكم القانون وتدعيم دورها وتجهيزها بالمختبرات اللازمة. ان هيمنة التجارة على الأجهزة التنفيذية المسئولة عن المواصفات القياسية يغلب جو المجاملات على اجراءات الفحص ويستبعد جو الحياد فتغلب مصالح التجار على مصالح المستهلكين. ولا نقصد بالمستهلكين هنا المستهلك الفرد فقط وان كان هو العنصر المغلوب دائما ولكننا نقصد المستهلك بوجه عام. فاذا كانت اسواقنا اليوم تغرق بالسلع المغشوشة وتلك التي لها اضرار بالغة على صحة الانسان والمجتمع والبيئة بشكل عام في الوقت الذي نجد فيه صراعا دائما بين الدول الصناعية ذاتها حول التحفظ على بعض السلع وحظر دخول البعض الآخر مثل اللحوم التي تثبت اصابتها بالامراض او انها قد تم تغذيتها بهرمونات معينة او بأعلاف لم تخضع لنفس المواصفات القياسية المطلوبة أوانها قد تم انتاجها بالهندسة الجينية التي لم يتم اعتمادها واقرارها بعد. فمن هي الجهة المسئولة عن صحة المستهلك في مجتمعنا ومن هي الجهة المسئولة عن صحة البيئة بشكل عام. لاشك ان بعض الامارات قادرة على تحصين ذاتها وايجاد الاجهزة الادارية اللازمة لذلك. غير ان البعض الآخر يلقي بالمسئولية على عاتق الدولة المسئولة عن صحة رعاياها. فاذا كنا سوف نكتفي بالاجهزة الادارية القائمة فلابد من تجهيزها وتفعيلها والا فلابد من ايجاد اجهزة ادارية جديدة بحسب ما تقتضيه الضرورة حيث اننا مقبلون على تحديات اكثر صعوبة في ظل عالم يزداد انفتاحه للعالم الخارجي يوماً بعد يوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات