مع بدء العد التنازلى لتطبيق اتفاقية حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع (تريبس) فى مجال الصناعات الدوائية انطلقت مبكرا طلقات تحذير مدوية من معسكر احتكارات الدواء العالمية العملاقة باتجاه صناعات الدواء فى البلدان النامية التى مازالت تتمتع بمهلة السنوات الخمس التى منحتها لها منظمة التجارة العالمية قبل النفاذ الفعلى للاتفاقية المحدد له مطلع العام 2005. ورأى مراقبون فى هذه التحذيرات أجواء حرب حقيقية توشك أن تندلع على اتساع العالم بين شركات الدواء العالمية العملاقة وبلدان نامية تتمتع بصناعات دوائية ناهضة تتصدرها الهند ومصر وجنوب أفريقيا والارجنتين والبرازيل وتايلاند. وقبل أيام قليلة تلقت شركة ادوية هندية سيلا من التحذيرات شديدة اللهجة من شركات صناعة ادوية عالمية كبرى تصدرتها شركة انجليزية امريكية عملاقة وضمت القائمة عددا ليس بالقليل من شركات الدواء المرموقة أقلها شأنا تتجاوز استثماراتها ميزانيات العشرات من دول العالم النامي. والباعث وراء تلك التحذيرات مااعلنته الشركة الهندية عن طرح دواء لعلاج مرض الايدز مماثل للتركيبة الثلاثية التى تنتجها شركات أدوية عالمية وبسعر لايتجاوز 5.3% فقط من مثيله الغربى. وليس ثمة خطأ مطبعيا فى الرقم فالشركة التى تتخذ من بومباى مقرا لها عرضت بيع الكوكتيل كعلاج لمريض الايدز بسعر 350 دولارا للجرعات التى يحتاجها مريض الايدز سنويا مقابل 10 آلاف دولار تطلبها الشركات العالمية فى بيع المنتج الاصلي. وفى مشهد ثان للقضية من جنوب القارة الافريقية أمسكت اثنتان واربعون شركة أدوية عالمية عملاقة من العيار الثقيل بخناق حكومة جنوب افريقيا وساقتها الى المحاكم بدعوى تجرؤها على صياغة خطة تستورد بموجبها ادوية مقلدة بأسعار رخيصة من أسواق بلدان نامية تنتجها من دون ترخيص, وهو ما حدا بأحد أبرز الناشطين فى البرامج الانسانية العالمية لرفع صرخة احتجاج عالية فى رسالة ابرقها الى صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية وصف فيها سلوك شركات الدواء العالمية بأنه انقضاض من جانب اكبر صناعات العالم ربحية على حقوق فئة من أطفال فقراء العالم. وتحصنت شركات الادوية العالمية فى هاتين القضيتين خلف حصن (تريبس) المنيع الذى سعت الدول المتقدمة وشركاتها العملاقة والمؤسسات متعددة الجنسيات لتمريره عبر اتفاقية انشاء منظمة التجارة العالمية بهدف ملاحقة المارقين من صناع ومستوردى الادوية فى العالم النامى والدول الناهضة. وترى منظمة (اوكسفام) البريطانية الخيرية (التى ادارت حملة فى هذا الصدد افردتها صحيفة فاينانشيال تايمز على مساحات عريضة فى اعدادها الاخيرة بصفة متتالية) ان الملاحقة والاضرار لن تقتصر على أطراف بعينها بل ستطال كلا الجانبين المنتج والمستورد فى دول العالم النامى والناهض مشيرة الى ان قائمة الانتظار تضم فضلا عن الهند كل من مصر والارجنتين والبرازيل وتايلاند. والأمر الشائك فى تلك القضية المتعلقة بصناعة الدواء العالمية أنها تلامس وترا حساسا فى علاقات تتعدد أطرافها بين شركات ادوية عالمية وحكومات لدول نامية تسعى الى توفير دواء زهيد السعر لمواطنيها ومنظمات انسانية لمحاربة الفقر والعوز والمرض ونخب من المفكرين واساتذة الجامعات المعنيين بالأمر. وتنطوى تلك المسألة على قدر هائل من المخاطر أخذ يلامس بالفعل بعض الاطراف فالبداية كانت حكومة جوهانسبرج التى رسمت خطة لاستيراد ادوية زهيدة السعر تصنع فى بلدان نامية وناهضة لاتلتزم بصورة كاملة باتفاقات براءات الاختراع مما أفضى الى حدوث جلبة من جانب اثنتى واربعين شركة عالمية عملاقة لصناعة الادوية برفع دعاوى قضائية لاحصر لها على حكومة جنوب افريقيا لمنعها من المضى قدما فى تلك الخطوة. وتجدد اثارة القضية عندما أعلنت شركة سيبلا الهندية لصناعة الادوية قبل ايام قليلة عن توصلها الى انتاج عقار اطلقت عليه دوفير لعلاج مرض الايدز يضاهى ويماثل فى تركيبته العقار الغربى الذى يطلق عليه كوكتيل كومبيفير وبكلفة زهيدة للغاية, وذهبت الشركة الهندية الى ابعد من ذلك بالاعلان عن عزمها تصدير كميات من الدواء الجديد الى غانا واوغندا ما حدا بشركة جلاكسو سميثكلاين البريطانية الامريكية العملاقة (التى يقدر رأسمالها واستثماراتها بنحو 120 مليار جنيه استرلينى أو مايعادل 175 مليار دولار) الى اطلاق رسائل تهديد شديدة اللهجة باتجاه الشركة الهندية لتحذرها من الاقدام على تلك الخطوة التى اعتبرتها بمثابة انتهاك صارخ لحقوق براءات الاختراع الخاصة بالشركة. وازاء الضغوط التى تلاحقت من قبل جماعات الاغاثة الانسانية ومرضى الايدز والحملة التى ادارتها منظمة (اوكسفام) ضد هذا التصرف قالت الشركة البريطانية الامريكية العملاقة ان تلك الخطابات روتينية ولن يعقبها اى تصرف من جانبها ضد الشركة الهندية فيما المحت الى انها تقدم منحا وهبات ومبادرات لتخفيض السعر على منتجها لصالح حكومات افريقية تعانى من ازدياد اعداد مرضى الايدز بها. وتقول فاينانشيال تايمز انه حتى بافتراض التخفيضات السعرية التى قالت عنها الشركة البريطانية الامريكية فان العقار الهندى يظل ارخص الى حد بعيد بالنسبة للحكومات الافريقية الراغبة فى استيراد العقار الهندى. ونقلت الصحيفة عن منظمة (اوكسفام) التي استهلت حملتها فى هذا الشأن قبل أسبوع قولها من الصعب ان نتفهم مبرر جلاكسو لاتباع هذا التفسير ضيق الافق بشأن ماهو مسموح به فى دول فقيرة تكافح كى تواجه وباء الايدز. واعتبرت المنظمة البريطانية الخيرية (التى تلقى دعما من مجموعة مستثمرين مؤسسين فى الشركة البريطانية الامريكية) هذا الدفاع المستميت باستخدام حقوق الملكية الفكرية مجرد نذير بقرب حدوث خطوات أعنف فى المستقبل. وتقول اوكسفام ان الشركة الهندية سيبلا يمكنها تصنيع نسخ مماثلة لعقار كومبفير لان الهند لم تعترف ببراءات اختراع الادوية ويالتالى فان بإمكانها تصدير منتجاتها لدول اخرى تسير على نفس السياق, ولفتت الى ان ارفف الصيدليات فى العالم النامى مليئة بعبوات ادوية غير حائزة على حقوق تصنيع مقلدة جرى انتاجها فى بعض الدول النامية والناهضة التى يتمتع قطاع الادوية فيها بقدرات تصنيعية كبيرة مثل الهند ومصر والارجنتين والبرازيل وتايلاند. غير ان هذا الامر يوشك على الانتهاء, فأغلب الدول (بما فيها الهند) وعدت بالتزام معايير براءات الاختراع الدولية بحلول عام 2005 وفق اتفاقية (تريبس). وأبدت المنظمة الخيرية تخوفها الشديد من الاثار التى قد تنجم عن نضوب المعروض الضئيل أصلا من العقاقير المقلدة (غير الحائزة على حقوق تصنيع) على الفقراء والمرضى فى العالم النامى وكذلك الدول المصنعة لمثل هذه الادوية. وقالت ان مثل هذا الامر قد يزيد بصورة مأساوية من مدفوعات الدول الفقيرة للحصول على حقوق تصنيع أدوية جديدة مشيرة فى الوقت ذاته الى وجود تباينات رهيبة فى الاسواق, وساقت على ذلك مثالا بباكستان التى تلتزم بصرامة معايير حقوق ملكية تصنيع الدواء فان مضاداً حيوياً مثل (سيبروفوكساسين) الذى يستخدم لعلاج حالات الجفاف والاسهال الحرجة يباع بسعر يفوق مثيله فى الهند بثمانية امثال. وأضافت أوكسفام على صفحات فاينانشيال تايمز ان قدرات الدول الفقيرة على الهرب من الاسعار المرتفعة للدواء والبراءات تتآكل بصورة مضطردة نتيجة لقوى الضغظ المرعبة التى تمارسها صناعة الدواء العالمية. وأكدت أن كثيرا من الدول النامية ذوات القدرة التصنيعية للدواء تعرضت لتهديدات بعقوبات تجارية صارمة من جانب الولايات المتحدة. ويدافع أحد خبراء صناعة الادوية جوى زاميت لوشيا باستشارية كامبريدج للصيدلة التى تقدم نصائحها للصناعات الدوائية فى حديثه لفاينانشيال تايمز عن الشركة الانجليزية الامريكية بقوله حماية حقوق الملكية الفكرية هى فخ من كل الجوانب لأن صناعة الدواء بأكملها تعتمد عليها. وقال انه حتى لو جرى تجاهل حقوق الملكية الفكرية فى أسواق قليلة الشأن مثل غانا فسوف ينظر اليها على أنها تأسيس لسابقة خطيرة. ولهذا السبب, كمايقول لوشياط فان شركات صناعة الدواء العالمية تعترض بصلابة طريق الدول التى تتسوق فى انحاء العالم سعيا وراء العقاقير رخيصة الثمن. ومن جانبها اعتبرت الشركة البريطانية الامريكية ان قضية البراءات مثل السردينة الحمراء (لافتة للانتباه وغير موجودة فى الاصل) مضيفة انه من السذاجة أن نعتقد أن هذه التناقضات الضخمة فى مسائل الصحة يمكن التغلب عليها من خلال تجاهل حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع. وقالت ان نحو 95% من العقاقير التى تعتبرها منظمة الصحة العالمية من الادوية الضرورية يجرى تقليدها دون رخص تصنيع. وعرجت منظمة (اوكسفام) الى تناول المشكلة بصورة عامة قائلة ان الادوية والعلاجات وحقوق الملكية الفكرية مسألة ضئيلة الاثر على الصحة فى تلك الدول اذا قورنت بقضايا الفقر والانظمة الصحية العاجزة والحكومات المولعة بالانفاق على العتاد العسكرى. ووجهت اوكسفام برسالة للحكومات والشركات على حد سواء نقلتها فاينانشيال تايمز على لسان جوستين فورسيث مدير السياسات للمنظمة قال فيها لن نسعى الى التصعيد او الدعوة الى المقاطعة, فنحن نقول فقط انه يتعين على جلاكسو سميثكلاين وغيرها ان تأخذ تلك القضية بمزيد من الجدية. وقد لاقت قضية وصول الدواء الى الدول الاكثر فقرا اهتماما زائدا بعد انتشار وباء الايدز الذى يهدد بقتل نحو 30 مليون انسان وتجمعت قوى جماعات المساعدات الانسانية وأدارت حملات اعلامية لمكافحة الامراض وجاء فى مقدمتها منظمة اطباء بلا حدود علاوة على الكاتب جون لى كارى الذى عرض القضية فى رواية دارت حول اجواء احدى الشركات الصناعية التى تفتقر الى الاخلاقيات.