تشير العديد من الدارسات والبحوث إلى أن مسألة المياه اليوم هي من ابرز المواضيع إثارةً, لما تكتنفها من إشكالات مستقبلية .. وتتفق هذه الدراسات على أن إستراتيجية هذه المسألة نابعة من ارتباطاتها بموضوع الامن الغذائي. وبغية تسليط الضوء على ملامح هذه المسألة, وبالتحديد مؤشرات الامن الغذائي العربي. وهل بالامكان تأسيس سياسات اقتصادية عربية, تخدم الانسان في الوطن العربي. وماهية التحديات المستقبلية التي تواجه الامن العربي ..نتوقف مع مجموعة من المختصين والاساتذة لتبيان ذلك. تعدد الخيارات بداية تحدث الأستاذ الدكتور سالم توفيق النجفي, عن نمط توزيع الموارد بين الاقطار العربية, وعلاقته بالامن الغذائي العربي, وامكانية تحقيق التكامل الاقتصادي في الوطن العربي حيث قال: أن قاعدة الموارد الزراعية في الاقطار العربية, يتم استخدامها بعيداً عن فرض تكاليفها البديلة, وان نمط توزيع الموارد بين الاقطار العربية, قد ترتبت عليه ندرة نسبية للبعض منها في بعض الاقطار , و وفرة من ذات الموارد في اقطار عربية اخرى. وقد رافق هذه الحالة, تراجع في مؤشرات الامن الغذائي, وتزايد العجز والنقص النسبي في متوسط نصيب الفرد من إمدادات الغذاء في العديد من الاقطار العربية , وخاصة منخفضة الدخل , وهو الامر الذي سيؤدي بأفراد مجتمعاتها إلى الاتجاه نحو (خط الفقر) أو دونه . وبالرغم من تعدد الخيارات امام متخذي القرار في الاقتصادات العربية, بحيث يمكن أن تؤدي نتائجها إلى قدر افضل من الامن الغذائي العربي, مقارنة بأوضاعه الراهنة .. الا أن معظم الخيارات والحلول لا تعدو أن تكون الا ذات نتائج قصيرة الأمد. ويبقى الخيار الاكثر موضوعية, ويمكنه أن يتجاوز العديد من القيود والمحددات, هو المشهد او الخيار الذي يسعى نحو إعادة توزيع الموارد الاقتصادية الزراعية, على وفق فرض تكاليفها البديلة, المؤدي إلى تعظيم حجم الدالة الانتاجية الزراعية من جانب, والعمل على تبني سياسات اقتصادية تهدف إلى إعادة توزيع الدخل باتجاه تمكين افراد المجتمع العربي من ذوي الدخل المنخفض, من تعظيم متوسط امداداتهم من الغذاء, ولاشك أن كلا الامرين يصعب احداثهما, بدون قدر كبير من التكامل الاقتصادي العربي, يتحقق من خلاله قدر اكبر من الكفاءة الاقتصادية, وقدر مناسب من العدالة الاجتماعية , ودون ذلك ستواجه الاجيال العربية القادمة, بقدر اكبر من اللاأمن الغذائي, يؤدي بها بالتالي إلى مزيد من الفقر والجوع. تحديات المستقبل وبشأن التحديات التي تواجه الامن الغذائي العربي, تحدث الينا الدكتور خليل إبراهيم لطيف قائلاً: يواجه الامن الغذائي ثلاثة تحديات رئيسية, أنسحب معظمها من الماضي. وسوف تستمر مضاعفاتها لفترة زمنية غير قليلة , فيما استمرت السياسات الزراعية الحالية .. ويمكن تلخيص هذه التحديات بالآتي: التحدي الاول والكبير هو هيمنة النظام العالمي الجديد, والذي يعمل ( بكل خبثه السياسي والاقتصادي), على مصادرة حق السيادة وتعطيل التنمية المستدامة. التحدي الثاني: تأثير اتفاقية جولة أورجواي, إذ يؤدي تطبيق هذه الاتفاقية إلى اتساع قيمة الفجوة الغذائية وزيادة الضغوط على موازين المدفوعات في الدول العربية. التحدي الثالث : هو عامل العجز الغذائي, الذي يعد من اخطر تحديات الألفية الثالثة الضاغطة على مجمل السياسات الاقتصادية . ويعد العمل الاقتصادي العربي المشترك هو الطريق الامثل الذي أصبح الان يشكل المدخل الصحيح والآمن إلى تنمية زراعية وغير زراعية. المتغير الحاسم وبخصوص متغير المياه ومستقبل الزراعة و الامن الغذائي في العراق ـ مطلع الألفية الثالثة ـ تحدث الينا الدكتور احمد عمر الراوي قائلاً: تعد المياه اليوم أحد أهم العناصر الاساسية للتنمية بمختلف مفاهيمها المعاصرة, الامر الذي اوجد رابطاً مباشراً بين استهلاك المياه ومؤثرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ونظراً لطبيعة مناخ العراق الجاف, فان انحسار مياه الامطار في مناطق محدودة من القطر, جعل من الموارد المياه السطحية المتغير الحاسم في التنمية الزراعية العراقية, وبالتالي تحقيق أمنه الغذائي. الا أن هذا المورد اصبح يواجه تحديات جمة من الصعوبة تفادي أثارها السلبية, وفي مقدمة هذه التحديات الانعكاسات المتحملة للسياسة المائية التركية , والمتمثلة بالتأثير سلباً على كمية ونوعية مياه نهري دجلة والفرات. والتي من المتوقع أن تسبب برامج هذه السياسة إلى انخفاض وارد نهر الفرات بحلول عام 2020 بنسبة 64%, وخفض وارد نهر دجلة بنسبة 31% بحلول العام نفسه. وعليه يتوقع أن يبلغ مقدار المياه السطحية الواردة للعراق حوالي ,8 52 مليار متر مكعب , بما فيها الوارد المائي المتحقق داخلياً وعليه في ظل هذه الكمية من المياه , لا يمكن زراعة سوى 9 .8 ملايين دونم من مجموع الاراضي القابلة للزراعة في العراق, والبالغة 22 مليون دونم. ولاجل الوقوف على حقيقة تأثير متغير المياه على تنمية الزراعة العراقية, وعلى تحقيق الامن الغذائي الوطني خلال العقدين القادمين .. تم حساب الموازنة الغذائية حتى عام 2020 وفق ثلاثة متغيرات رئيسية هي: متغير المياه , والكمية المتاحة منه في ظل التحديات الخارجية والداخلية .. والتي قدرت في احسن التوقعات بنحو 8,52 مليارات متر مكعب في نهري دجلة والفرات. ـ متغير السكان , حيث تم اعتماد معدلي نمو 5,2 ـ 8,2 % كاحتمالين في حساب حجم السكان حتى عام 2020. المتغير التقني ومدى تأثيره في معدلات: غلة الدونم الواحد من المحاصيل الغذائية وبعد حساب الموازنة الغذائية وفقاً للمتغيرات المذكورة واحتياجات الفرد من السلع الغذائية المقررة من قبل معهد الصحة الوطني, التي تؤمن حصول الفرد على سعرات حرارية تتراوح بين 2800 و3200 سعره يومياً لكل فرد .. اتضح بان هذه الموازنة قد اشارت إلى عجز كبير في معظم المحاصيل الغذائية , ويتفاقم هذا العجز بزيادة معدلات نمو السكان من 5,2 % إلى 8,2 %. الامر الذي يؤكد خطورة الموقف الغذائي, وانكشاف الامن الغذائي الوطني في ظل متغير المياه, و ما يتعرض له من تحديات خارجية , متمثلة بالسياسة المائية التركية والتحديات الداخلية المتمثلة بالاستخدام غير الرشيد للمياه وتعرضها للتلوث .. مما يتطلب اتخاذ الإجراءات الملحة الخاصة بتنمية المياه, واستخدامها لتعزيز تطور الزراعة العراقية, وترصين بنيان الامن الغذائي الوطني , بما يحقق اعلى نسبة من الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية ومن هذه الإجراءات : ـ العمل على ترشيد استخدام المياه , من خلال العمل على رفع كفاءة الاستخدام وتعميم ونشر الطرق الحديثة في الري (الري بالتنقيط والري بالرش). ــ الاستفادة من مياه الصرف الصحي والزراعي باستغلالها بالزراعة , وعدم الاكتفاء بتصريفها إلى الأنهار من اجل المحافظة على المياه من التلوث من جهة, والاستفادة من مياه إضافية في الزراعة. ــ العمل على حصاد مياه الامطار واستغلال المياه الجوفية, بشكل كفء, وبما يعزز تنمية الزراعة, ويحافظ على تجديد هذه المياه. ــ العمل على نشر وتعميم التكنولوجيا الزراعية, بما يساعد على تطوير إنتاجية المحاصيل الغذائية. ـ العمل على تخطيط و إدارة الموارد المائية على نحو متكامل يأخذ بنظر الاعتبار العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية . ـ تدعيم الاتفاقيات الثنائية العربية الخاصة باستثمار مياه الانهار المشتركة , ولاسيما بين العراق وسوريا ,لما يدعم وجهه ا لموقف العربي في الحقوق المائية. ـ استكمال مشاريع الاستصلاح في وسط وجنوب العراق , مع استثمار مشروعات الجنوب الجديدة , وفقاً للتصاميم الفنية في انتاج المحاصيل الحيوية , ولاسيما محصول الشلب . ـ تشجيع الانتاج الحيواني من قبل القطاع الخاص, من خلال توفير العلف المدعوم ,من اجل تأمين متطلبات الامن الغذائي من المنتجات الحيوانية. بغداد ـ مكتب (البيان):