يعتبر الأردن من البلدان النامية الصغيرة والتي تتصف بمحدودية مواردها الاقتصادية. وقلة الثروات الطبيعية والتزايد المضطرد بعدد السكان. وقد شهدت المملكة الاردنية الهاشمية منذ تأسيسها العديد من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية التي ادت إلى إحداث متغيرات جوهرية على بنيته الاقتصادية والاجتماعية. ومنذ النشأة تأثر الاقتصاد الاردني وكذلك نسيجه الاجتماعي بالعديد من التطورات في محيطة العربي, بحيث ادت التطورات إلى التأثير المباشر في الاقتصاد الوطني للبلد وقدرة هذا الاقتصاد على التجاوب مع الطفرات الاجتماعية الناتجة عنها. وقد انعكست الزيادة السكانية للاردن سواء الناتجة عن ارتفاع النمو الطبيعي للسكان والتي وصلت في الفترة 79 ـ 94 إلى حوالي 4.3% او الناتجة للصراع العربي الاسرائيلي ادى كل ذلك لزيادة التجاوب السريع مع المتغيرات الديمغرافية والاجتماعية, والتي لم تكن متوقعة في ذهن القائمين على الاقتصاد الاردني وواضعي خططه التنموية المرتكزة اساساً على الانفتاح الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص بهدف زيادة الدخل القومي في ظل شح الموارد الطبيعية وزيادة الاهتمام بالموارد البشرية على اعتبار ان تنمية القوى البشرية هي الرأسمال الوطني للبلاد. واستناداً إلى ارقام دائرة الاحصاءات العامة فقد شهد الاردن قفزات غير عادية في عدد السكان, وقد ارتفع عدد السكان عام 1952 من 586 الف نسمة ليصل 444.4 ملايين في 1996 والذي اصبح يقارب الخمسة ملايين في الوقت الراهن. اضافة إلى وجود اكثر من 40% من السكان من ذوي الفئات العمرية 15 سنة فما دون. مما يعكس عدم قدرة هذه الفئات العمرية على المساهمة في الاقتصاد الوطني وزيادة الاعباء المالية الناتجة عن اعالة هذه الفئات العمرية وما يلزم من تقديم كل الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها. مما يقلل نسبة المشاركة الاقتصادية للسكان والتي هي بحدود 2.4% فقط. البطالة في سوق العمل الأردني: البطالة هي احدى افرازات الوضع الاقتصادي وهي انعكاس مباشر له وتعطي معدلات البطالة ونسبها صورة واقعية عن مدى تطور الاقتصاد الوطني وعافيته في حال تدني نسبها, كما يعطي ارتفاع معدلات البطالة صورة عن الازمات التي يعيشها الاقتصاد الوطني وتزداد معدلات البطالة في ظل تراجع عملية النمو الاقتصادي وزيادة عدد الداخلين في سوق العمل. وقد شهد الاقتصاد الوطني في الثلاثين سنة الماضية عمليات صعود وهبوط حادة في مؤشراته, نظراً لارتباط هذه المؤشرات الاقتصادية وتأثرها بالتطورات في المنطقة العربية كون الاقتصاد الاردني كان يعتمد في السبعينيات بالدرجة الاولى على اموال الدعم العربي عام 1973 وصلت ذروته إلى ما نسبته 11%. مما عكس نفسه على تحسن كبير في مستوى دخل الفرد وانخفاض نسبة البطالة إلى حدود 4% وحدوث ندرة في الايدي العاملة الماهرة في بعض القطاعات نظراً لهجرة الايدي العاملة الاردنية الماهرة إلى دول الخليج وزيادة نسبة التحويلات المالية للبلد بالعملة الصعبة, مما ادى إلى حدوث طفرة اقتصادية مفتعلة ترافقت مع ما كان يعرف بـ (الطفرة النفطية) والتي ادت إلى بروز بعض الامراض الاقتصادية من نوع ظهور النزعة الاستهلاكية للمواطنين وتراجع التصنيع والاعتماد على الاستيراد سواء للبضائع او للايدي العاملة من الخارج والتي بدأت بالتوافد على الاردن للاحلال محل الايدي العاملة الاردنية المهاجرة. ولم يدم هذا الانفتاح الاقتصادي طويلاً. فقد شهد الاقتصاد الاردني منذ عام 1988 وحتى الآن الازمات المتعاقبة وكان من نتائجها هبوط حاد في قيمة الدينار الاردني وتراجع معدلات النمو الاقتصادي وعدم قدرة هذا النمو على تلبية احتياجات السكان وخاصة بعد ازمة الخليج الثانية والتي شهدت عودة ما يزيد عن ثلاثمائة الف مواطن من الخارج إلى البلاد. والمتتبع لحجم البطالة ومعدلاتها في الاردن يلاحظ تذبذب حاد في معدلاتها, ففي الوقت الذي كانت نسبة البطالة تقارب 59% عام ,1949 انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 4% فقط خلال الطفرة الاقتصادية والتي امتدت إلى اواسط الثمانينات. لتعود للارتفاع بعد حرب الخليج الثانية لتصل إلى 8 .18% عام 1993 حسب دائرة الاحصاءات العامة. وفي عام 1996 انخفضت نسبة البطالة إلى 12% حسب الارقام الرسمية مع العلم ان مسح البطالة الذي قام به مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية لنفس العام 1996 اكد ان نسبة البطالة في سوق العمل الاردني هي 5 .27%. والمدقق في ارقام البطالة خلال فترة التسعينيات يلاحظ ليس التناقض الكبير بين ارقام دائرة الاحصاءات العامة ومراكز الدراسات الخاصة فقط, بل يشعر ان الارقام الرسمية لمعدلات البطالة لا تتطابق مع الواقع الاقتصادي الذي شهد تراجعا كبيراً انعكس على حياة المواطنين وتراجع نسبة دخل الفرد من الناتج القومي وارتفاع معدلات الفقر. وضمور الطبقة الوسطى وانضمام شرائح اجتماعية كبيرة إلى حظيرة الفقر المطلق وزيادة معدلات الفقر المدقع. مما يطرح سؤالا عن الاسباب الحقيقية التي تقف وراء اخفاء مثل هذه الارقام. هل هذا الاخفاء يساعد جهات التخطيط المسئولة عن الاقتصاد الوطني إلى وضع خطط تؤدي إلى زيادة في معدلات النمو الاقتصادي وبالتالي طمأنة المواطنين على مستقبلهم وحياتهم اليومية؟ أسباب البطالة اجمع معظم الباحثون والدراسات التي اجراها العديد من مراكز الدراسات الرسمية والخاصة على جملة من العوامل والاسباب التي ادت إلى تفاقم مشكلة البطالة في الاردن وارتفاع معدلاتها والتي يمكن اجمالها بالاسباب التالية:ـ ـ انخفاض معدلات النمو الاقتصادي: مما حد من قدرة الاقتصاد الاردني على توليد فرص عمل جديدة. ــ الاصلاح الاقتصادي وسياسة الخصخصة: لقد ادت سياسة الاصلاح الاقتصادي والتي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة استجابة لسياسات صندوق النقد الدولي للتغلب على ازمة الاقتصاد, إلى تقليص سياسة التوظيف في قطاع الحكومة والاتجاه نحو اعادة هيكلة القطاع العام, مما ادى إلى تراجع في قدرة هذا القطاع على استيعاب موظفين جدد في الوقت الذي بدأ بالاستغناء عن اعداد كبيرة من الموظفين واحالة العديد منهم على التقاعد وتقديم حوافز مالية لهم لتقديم استقالاتهم من الوظائف الحكومية. ــ السياسة النقدية: في فترة الازمة لجأ البنك المركزي الاردني إلى وضع معايير مالية متشددة لمحاولة ايقاف التدهور في سعر صرف الدينار وتقليل نسبة التضخم مما ادى إلى ارتفاع معدلات الفائدة وقد انعكست هذه السياسات سلباً على قدرة الاقتصاد الاردني على جذب استثمارات خارجية جديدة مما يقلل من امكانية ايجاد فرص عمل جديدة إلى جانب عدم قدرة المؤسسات الموجودة على التوسع في استثماراتها في ظل التقييدات المالية وتعقيداتها. ـ ارتفاع معدلات النمو السكاني: حسب الاحصاءات العامة فقد شهد الاردن نمواً في سكانه في الفترة من 52 ـ 1994 بنسب تقارب 7.4% وانخفضت إلى 7.3% في الفترة 94 ـ 96 وهذه النسبة عادة تؤدي إلى زيادة عدد الافراد القادرين على العمل ممن هم فوق سن 15 سنة, وهذا خلال فترة الازمة من 80 ـ 1993 مما شكل تحدياً جديداً للاقتصاد الأردني. عدم مواءمة مخرجات التعليم مع حاجة سوق العمل: تشير مسوحات الاحصاءات العامة إلى زيادة عدد الخريجين من مختلف مراحل التعليم وبالتالي زيادة في عدد الداخلين الجدد لسوق العمل وقد اشارت الدراسات الاحصائية إلى وجود خلل في طبيعة التخصصات لمعظم هؤلاء الخريجين وعدم حاجة الاقتصاد الاردني لها مما ادى إلى زيادة في نسب المتعطلين عن العمل ولكن هذه المرة من حملة الشهادات الثانوية فما فوق. مما يستدعي اعادة النظر في السياسات التعليمية لتتواءم مخرجاتها مع حاجة سوق العمل وقدرته الاستيعابية. ــ العمالة الوافدة: تشير الارقام الرسمية ان عدد العمال الوافدين عام 1975 كان فقط 2228 عاملا. وارتفع هذا الرقم ليصل الى 254 الفاً عام 1996 وبلغ مجموع الحاصلين على تصاريح عمل في تلك السنة 43 الف فقط. ويعمل 30% منهم في الزراعة و36% في الخدمات, وحوالي 9% في الانشاءات. وعلى الرغم من ان تركزل العمالة الوافدة يكون في المهن التي لا يقبل عليها العمال الاردنيون لاسباب عديدة الا ان الوظائف من نوع الخدمات تشهد اقبالا من العمال الاردنيين. طرق معالجة ان مشكلة البطالة امر في غاية الصعوبة والتعقيد نظرا لارتباطه بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية اضافة الى بعض العوامل الخارجية المؤثرة والفاعلة في الاقتصاد الوطني. وعليه فإن الاستهداف الابرز يجب ان ينص على التقليل التدريجي من نسب البطالة وهذا لن يتأتي بإحداث تطوير دائم في العملية الاقتصادية اعتمادا على التخطيط السليم الذي يتواءم وقدرة البلد والناتج المحلي مع النفقات العامة والعمل على التقليل التدريجي في نسبة الخلل في ميزان المدفوعات والقيام ببعض الاجراءات الاقتصادية والقانونية التي تشجع الاستثمار المحلي الخارجي وتعيد عجلة الاقتصاد للدوران, مما يشكل بداية لزيادة نسبة النمو في الاقتصاد الأردني. ان حل مشكلة البطالة يعتبر بمثابة تحد كبير للاقتصاد الوطني, مما يستدعي تضافر جهود كلا القطاعين العام والخاص للعمل على حل هذه المشكلة. دور القطاع العام تحاول الحكومة من خلال أجهزتها المختصة وتحديدا من خلال وزارة العمل وصندوق التنمية والتشغيل وعبر قرارها لحزمة الامان الاجتماعي التصدي لظاهرة البطالة ومنع تفاقمها نظرا لخطورة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. على صعيد وزارة العمل تمارس الوزارة دورها في ظل القوانين التي تجيز لها التدخل والاشراف لتنظيم سوق العمل في القطاع الخاص, مجال اختصاصها الوحيد, وذلك من خلال التعاون والتنسيق بين الوزارة وباقي الاجهزة الحكومية الاخرى. وقد اتخذت وزارة العمل جملة من الاجراءات على هذا الصعيد تمثلت في: تنظيم سوق العمل والتشدد في استقدام واستخدام العمالة الوافدة, ووضع جملة من التقييدات التي تحد من تدفق هذه العمالة وتشجيع اردنة بعض الوظائف واغلاقها امام الوافدين. وتشجيع مشاريع التشغيل الذاتي من خلال صندوق التنمية والتشغيل. توجيه جهود التدريب المهني والتشغيل من خلال تأمين التسهيلات التدريبية للعمالة المحلية ومتابعة تشغيلها بعد اكتسابها المهارات المطلوبة. وترخيص مكاتب خاصة رسمية تشغيل العمالة المحلية داخل المملكة وخارجها. والبدء بتطبيق قانون تنظيم العمل المهني, وتحديد الحد الادنى للأجور بثمانين ديناراً. وعلى الرغم من الدور الايجابي الذي لعبه صندوق التنمية والتشغيل وذلك عبر تقديم قروض ميسرة للمواطنين للقيام بالمشاريع الصغيرة, الا ان دور وحجم التأثير لهذه المشاريع يبقى محدودا وذلك لعدم كفاية موازنة هذا الصندوق وقدرتها على التصدي لظاهرة البطالة. وتأمل الحكومة من خلال تنشيط اجهزتها المختصة اولا, ومن خلال اقرار حزمة التشريعات الاخيرة من تشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الاموال الاجنبية للاستثمار في البلد مما يوجد فرص عمل جديدة ويؤدي الى تنشيط عجلة الاقتصاد المحلي. دور القطاع الخاص ــ الشركات والمصانع: يتحدد دورها اولا في تنشيط عمليات الانتاج والتصدير وزيادة الاستثمارات, مما يؤدي الى ايجاد فرص عمل جديدة.. على الرغم من كثافة الرأسمالية المستثمرة في هذا القطاع وبالتالي ارتفاع كلفة ايجاد فرص عمل جديدة. ــ المنظمات غير الحكومية: لعبت العديد من المنظمات غير الحكومية من نوع مؤسسة نهر الاردن, ومؤسسة نور الحسين, ومشاريع امير وانجاز وصندوق اقراض المرأة دوراً في تشجيع المشاريع الفردية الصغيرة وتقديم الحوافز للعاملين في هذا المجال. وقد اثبت الواقع نجاح هذه المؤسسات بحدود عينة في تشغيل العديد من المواطنين في هذه المشاريع, مما يساعد في المدى البعيد على تقليل نسبة البطالة. ــ النقابات المهنية: ويتحدد دورها وبشكل خاص اتحاد العمال في زيادة مشاريع التدريب والتأهيل للعمالة المحلية وتوفير قاعدة مهمة من المعلومات ومتابعة تشغيل هذه العمالة في المصانع والشركات التي تطلب عمالا ومهارات محددة.. الى جانب استمرار الضغط بإتجاه تقليل اعتماد العديد من القطاعات الاقتصادية على العمالة الوافدة. عمان ـ مكتب (البيان):