الجزائر هي أكبر بلدان حوض البحر المتوسط مساحة وأكثرها تنوعا في العادات ولغات التخاطب وطبوع الغناء والتضاريس والمناخ. بلد يقابل أوروبا بطول ساحل يبلغ 1200 كلم ويمتد الى عمق افريقيا بمسافة تقارب 3000 كيلو متر. الجزائر بلد تعانق فيه العنصر البربري والعربي والزنجي والأوربي فتشكل خليطاً فريداً من نوعه منذ مئات السنين. في بلد المفارقات العجيبة هذا يضطر سكان عين صالح وتيميمون وأدرار في الجنوب الى تشغيل مكيفاتهم لتلطيف درجة الحرارة العالية في الوقت الذي تكون فيه سباقات التزحلق على الثلج قد انطلقت على جبال القبائل والأطلس البليدي في الشمال. وفيه أيضا أسس الرومان القدماء أكبر عدد من المدن والمعسكرات خارج حدود بلدهم الأصلي. وفي الجزائر أيضا بدأ الاخوة (لوميير) الفرنسيين تسجيل أول أفلامهم السينمائية في بداية القرن الماضي باعتبارها ديكورا طبيعيا فريدا من نوعه. لكن كل هذا وروائع طبيعية أخرى مثل امتلاكها لأكبر متحف على الهواء في العالم بمنطقة الطاسيلي ونقوش ورسوم السكان الأولين التي تعود الى نحو عشرة آلاف سنة, لم يشفع لها لتكون قطبا سياحيا كبيرا نتيجة اختيارات سياسية طمست هذه الكنوز طويلا. وفيما يلى حوار مع معالي وزير السياحة الأخضر ضرباني, تناول فيه على الخصوص الاستراتيجية التي تبنتها الحكومة حاليا لتحويل السياحة من مجرد فضاء للتسلية المحلية إلى قطاع اقتصادي يقوم على قواعد عصرية عمادها جلب رؤوس الأموال والخبرة الأجنبية. * هل ثمة توجه جديد في سياسة البلاد تجاه القطاع السياحي, ما هي معالم هذه السياسة؟ ـ ويمكن القول اليوم أننا دخلنا مرحلة جديدة ومغايرة تماما لسابقاتها هي مرحلة التأسيس لصناعة سياحية. وترمي الخطة المرسومة من الوزارة خصوصا ومن الدولة عموما الى جعل الجزائر قطبا سياحيا في حوض البحر المتوسط في السنوات الأولى من القرن الحالي. ولا أبالغ إن قلت لكم أننا نتوفر على جميع المقومات التي من شأنها تحقيق هذا الهدف في أقرب الآجال, ليس من جانب الطبيعة والمادة الأولية فحسب ولكن أيضا من جانب الذهنيات حيث أصبح الجميع يدرك أهمية السياحة كفعل اقتصادي. وتعلمون بلا شك أن السياحة أصبحت تلعب دورا كبيرا في اقتصاديات الدول. وتحتل البلدان الصناعية المتطورة مكان الصدارة في سلم السياحة العالمية كأمريكا وفرنسا وألمانيا واسبانيا وإيطاليا. ففي فرنسا على سبيل المثال تفوقت مداخيل السياحة على مداخيل الصناعة مع أنها تملك شركات تصدير كبرى في مختلف المجالات وفي مقدمتها السيارات والصناعة الميكانيكية بفروعها وغيرها. إلى جانب ذلك سجلت الإحصائيات أن واحدا من كل عشرة مناصب شغل في عالم اليوم توفره السياحة والصناعات التقليدية. أعود للحديث عن الجزائر لأقول أن إمكانياتنا كبيرة, فهناك عرض سياحي متنوع وهياكل هامة بالإمكان توظيفها لترقية السياحة ليس كنشاط ترفيهي ثقافي فحسب ولكن أيضا كصناعة قائمة, ويمكن مضاعفة عدد مناصب العمل في وقت قصير وترقية منشآت الاستقبال بطرق عصرية واقتصادية في نفس الوقت. وإذا كانت الجزائر دولة بترولية وتعتمد بالدرجة الأولى على عائدات النفط فإنه يتحتم علينا اليوم أن نثمن السياحة وأن نجعل منها (البترول الأخضر). * خطتكم إذن هي تحويل الجزائر الى بلد سياحي في أقرب الآجال, ماذا أعددتم عمليا لتحقيق ذلك؟ ــ ترتكز استراتيجية وزارة السياحة والصناعات التقليدية أولا على جلب المستثمرين والمتعاملين السياحيين. وحتى يتسنى ذلك عملنا على خلق شروط التشجيع والتحفيز اللازمة باعتبار المستثمر كما يشاع عنه هو صاحب المال الجبان. والتشجيع هنا يتعلق بالضمانات القانونية فيما يخص الاستثمار وتحويل الأرباح وائتمانه على التغييرات الطارئة وما إليها. ويتعلق أيضا بمساعدة عينية مثل تمكينه من قطعة أرض أو ما يحتاجه من عقار بأسعار تنافسية. ولقد باشرنا خصخصة الفنادق والمنشآت السياحية في ذا ت الوقت الذي نعمل فيه على جلب الاستثمار الأجنبي لترقية المنتوج السياحي الجزائري وبلوغه مستوى المنافسة العالمية, وفي نفس الوقت نعمل على تطوير الجوانب المتصلة بالتكوين والمناجمنت والإشهار وما إليها وهي جوانب يحتل فيها القطاع الخاص مكانة مميزة. * تحدثتم عن الترقية من باب أنها التحضير للبيئة التي من شأنها احتضان المنتوج السياحي. فماذا تحقق في هذا المجال حتى الآن؟ ــ الترقية التي تحدثت عنها تبدأ من الخصخصة. فمن غير المعقول أن نعمل لاستقدام السياح الى جنوبنا الجميل والمغري من حيث الطبيعة والتنوع في جميع تركيباته و نحن لم نحضر بعد المستلزمات التي توفر الراحة والطمأنينة لهم. فهذه المنطقة التي يعشقها الأوروبيون كثيرا لا تتعدى طاقة استيعابها حدود 2000 سرير. الترقية إذن عملية مركبة من الاستثمار والترقية والتكوين وهي شروط متلازمة في عملية الإعداد للصناعة السياحية ويجب أن تنطلق مجتمعة وأي خلل في إحداها يزعزع البقية. وتستدعي الترقية السياحية تجنيد جميع القطاعات ذات العلاقة بالموضوع من متعاملين خواص وشركات النقل الجوي الى معدي مختلف الدعائم الاشهارية التي تتناول السياحة باختلاف أنواعها الثقافية والمناخية والاستكشافية وتلك الخاصة بصيد الغزال والخنزير وغير ذلك, وهي تشكل في مجملها دعوة لاستمالة الزبون وجلبه. ويذهب برنامج الترقية هذا الى حد دعم الصيغ الناجحة المعمول بها في الخارج مثل إهداء رحلات مجانية للزبون الأجنبي لزيارة الجزائر مقابل إظهار فضائل السياحة الجزائرية. ودعمنا العملية الدعائية أيضا بإنجاز الأقراص (السيديروم) لدعم عملية الإقناع والتحسيس بمزايا السياحة في الجزائر سواء تعلق الأمر بالدعوة للزيارة أو للاستثمار أو لشراء الفنادق والمنشآت السياحية القائمة والتي تتنازل عنها الدولة كليا أو جزئيا لمتعاملين خواص. * وأين وصلتم في عملية الشراكة مع المستثمرين الأجانب؟ ــ بلغتنا عدة عروض تتعلق بعقود تسيير (مناجمنت) وهو نوع من الاستثمار . وما يهمنا نحن هو أن يتكفل المستثمر بجانب تكوين المستثمرين محليا وترقية وتجديد الهيكل الذي يحوز عليه في اطار تنازل الدولة. فهذا نوع من الشراكة نسعى كوز ارة سياحة لتوسيعه وتطويره مع الشبكات الفندقية العالمية. ونمنح عقود تسيير الفنادق الموجودة للمستثمرين سواء في الساحل أو في المناطق الداخلية, ونمكن بذلك المستثمر من تحقيق الربح الذي يستثمر من أجله في أقصر مدة على أن يلتزم هو من جانبه بالاستثمار في مناطق السياحة الجنوبية والجبلية. ففي هذا الصدد استقبلنا عددا من الطلبات والعروض منها ما تجسد ومنها من هو قيد الدراسة, نحاول جعله متوافقا مع ما يبحث عنه المتعامل الأجنبي. فالاستثمار في غرب البلاد هو أهم بالنسبة للأسبان من المناطق الأخرى لوجود قواسم مشتركة أثرية وثقافية وعمرانية عديدة بحكم مرورهم على هذه الجهة من الجزائر واستيطانها ردحا من الزمن. فيما يهم شرق ووسط البلاد الفرنسيين والإيطاليين لذات الاعتبارات ولتمركز الآثار المدن الرومانية القديمة بهذين المنطقتين.وبالعمل على هذا المنوال نقرب المنتوج من أصحابه مادام يحوي عناصر تهمهم. * وماذا عن الاستثمار العربي؟ ــ توجد طلبات من مستثمرين عرب وهناك مشاريع أكيدة وحقيقية. وما أقوله في هذا الشأن أن انطلاقة العديد منها ستكون في أقرب الآجال. * وكيف تتعاملون في إطار استراتيجيتكم هذه مع مسألة العقار السياحي؟ ــ مناطق التوسع السياحي ثروة غير متجددة وحتى في الوقت الذي لم تكن فيه البلاد قادرة على تنمية هذه الثروة, حاولت باستمرار الحفاظ عليها للأجيال اللاحقة التي قد تكون أقدر على استغلالها.وأكثر من هذا فقد استرجعنا بعض العقارات التي تحولت عن طبيعتها الأصلية السياحية لسبب أو لآخر, و أقول أن أهمية العقار السياحي ازدادت وأدرك الجميع أهميتها, تبعا للتحولات الجارية لتطوير القطاع ككل وبناء أسس صناعة سياحية حقيقية. وأود أن أؤكد أن المستثمرين سواء كانوا من البلاد العربية أو أجانب سيجدون المساعدة اللازمة منا ويمنحهم القانون تسهيلات وحوافز لا حصر لها. والوزارة موجودة لإزالة العوائق التي قد تعترضهم. ولا أبالغ إن قلت أن الأسعار التي نطبقها فيما يتعلق بتقديم الأراضي التي تقام عليها المشاريع السياحية لن يتمكنوا من إيجادها في أية منطقة استثمارية أخرى. بالإضافة الى هذا فإن الاستثمار في السياحة بالجزائر لن يكون مجازفة بل هومضمون النجاح مسبقا نظرا للطلب الداخلي الكبير على الاستهلاك السياحي. فالجزائري معروف بإنفاقه على أوقات الفسحة وقد يقتصد من معيشته في سبيل قضاء عطلة ممتعة ومريحة. الاستثمار مربح كذلك كون الجزائر قريبة جدا من خزانات السياح الكبرى وأقصد أوروبا بالتحديد. ولكون الجزائر تتوفر على هياكل ومنشآت قاعدية هامة جدا من الموانئ والمطارات وشبكة الطرق ومختلف وسائل الاتصال وهي كلها في تقديري عوامل تساعد على نجاح الاستثمار. * يجري الحديث حاليا عن ( تعميق الإصلاحات) هل يشمل هذا (التعميق) الجوانب المتصلة بقانون الاستثمار؟ ــ قانون الاستثمار الذي أصدرته الحكومة قبل سبع سنوات متفتح ويشمل مزايا كبيرة ومع هذا زودناه بإضافات وتسهيلات نوعية وحوافز جديدة للمستثمرين إن كانوا جزائريين أو أجانب. * قلتم أن مشاريع بعض المستثمرين العرب في مجال السياحة ستنطلق قريبا بالجزائر, فماذا تقولون ,من موقعكم كمسئول عن السياحة في الجزائر, للمستثمرين الخليجيين قراء (البيان) ؟ ــ أقول لهم تعالوا واستثمروا في الجزائر. فهي لوحدها تمثل فضاء استثماريا هاما في مجال السياحة وهي تحوي كل أنواع السياحة الساحلية والجبلية والصحراوية , الثقافية والاستكشافية والترفيهية والعلمية وما الى ذلك وهي على مرمى حجر من أكبر البلدان المصدرة للسياح. والحكومة الجزائرية اليوم لديها من الإرادة السياسية ما يجعل إقامة المشاريع المربحة في السياحة مسألة حيوية وهي على استعداد لتقديم كل التسهيلات والتشجيعات والحوافز التي تمكن المستثمرين من تحقيق أهدافهم . وكوزارة للسياحة نسهر على توفير البيئة التي تساعد الاستثمار وتجلب الراحة والاطمئنان, ونقدم كل ضمانات النجاح للمستثمر وللسائح معا. وأنا متيقن أن الجزائر ستصبح في غضون 2015 الى 2020 م من أهم الأقطاب السياحية على البحر المتوسط.