بيئة وفرص التجارة الالكترونية في الامارات (4) ، الجوانب القانونية وتحديات عمليات التجارة الالكترونية

تشكل الجوانب القانونية العمود الفقري للتجارة سواء كانت تقليدية أو إلكترونية, لذا سعت الكثير من الدول والمؤسسات الخاصة والحكومية لايجاد القواعد والنظم التي تحكمها. إلا انه نظرا للطبيعة الخاصة التي تتسم ، بها التجارة الالكترونية من حيث انعدام الحدود الجغرافية وسرعة التطور وما تحتاجه من تغييرات سريعة في النظم مما يتناقض تماما مع طبيعة استحداث وصياغة القوانين والتي تتطلب وقتا طويلا قد يفقدها الفائدة المرجوة من تطبيقها وذلك قبل إصدارها, فقد واجه القانونيون صعوبات كبيرة الان في ايجاد الضوابط والأدوات القضائية الملائمة. اثارت التجارة الالكترونية جملة من التحديات والمشكلات القانونية التي تتطلب قوانين جديدة تعالج تلك الجوانب التي لم تتعرض لها القوانين القائمة أو تتطلب إعادة تقييم للقواعد القانونية القائمة للتواءم مع الطبيعة الخاصة للتجارة الالكترونية, وتشمل هذه التحديات القانونية ما يلي: التعاقد بالطرق الالكترونية: تواجه التجارة الالكترونية صعوبات من حيث اعتراف القوانين التقليدية بقانون إبرام العقود بالوسائل الالكترونية, ومسائل الايجاب والقبول بين الأطراف المتعاقدة ومعيار انعقاد العقد وطريقة التعبير عن الإرادة وما يتصل بذلك من مسائل تحديد زمان ومكان إبرام العقد. البينات: تثير التجارة الالكترونية تحديات حجية وقانونية الدليل والبينة بصيغتها الرقمية. وضمن هذا الاطار يظهر الموضوع الأهم, التواقيع الرقمية ويرتبط به موضوع التشفير, كما يتصل بموضوع الاثبات مسألة الموقف القانوني من الاعتراف بالرسائل الالكترونية باعتبار أن عدم الاعتراف بقانونية هذا النمط من الرسائل يضعف إمكانية الاعتراف القانوني الكافي للتجارة الالكترونية على نحو يماثل ما تتمتع به التجارة الورقية التقليدية. وهذه المشكلة تؤثر على تطبيق قوانين التجارة التقليدية في بيئة التجارة الالكترونية على نحو يتسبب في إعاقة تطور التجارة الالكترونية. انظمة الدفع الالكتروني والمال الالكتروني والمصارف الالكترونية: تثير التجارة الالكترونية تحديات في حقل الوفاء بالثمن ومقابل الخدمة, وتتصل هذه التحديات بمفهوم النقود الالكترونية, الحوالات الالكترونية, وآليات الدفع النقدي الالكتروني, وما يتصل بذلك من مسائل الاعتراف بهذه الوسائل وتحديد مسئوليات الأطراف ذوي العلاقة. المسئولية القانونية للجهات الوسيطة في انشطة التجارة الالكترونية: تشمل مسئولية مزودي خدمة شبكة الانترنت, ومسئولية الجهات القائمة بخدمة التسليم المادي, ومسئولية جهات الاعلان, ومسئولية جهات التوثيق وإصدار الشهادات. البنية التحتية: تتعلق بالتنظيم القانوني لخدمات الاتصال وتزويد خدمة الانترنت وجهات الإشراف على التجارة الالكترونية في الدولة المزودة لحلولها وروابطها, وما يتصل بهذا التنظيم من معايير ومواصفات وقواعد قانونية ومسئوليات قانونية. حماية المستهلك وتنفيذ القانون: وذلك فيما يتعلق بالقوانين والتشريعات المتصلة بحقوق وحماية المستهلك أو الجمهور خاصة وأن بعضها قد يضع معيقات على التجارة الالكترونية. الملكية الفكرية: تحديات حماية الملكية الفكرية في بيئة التجارة الالكترونية, وتحديداً حماية العلامات التجارية واسماء النطاقات ومحتوى مواقع التجارة الالكترونية من المواد المكتوبة والمرئية والمسموعة إضافة الى حماية برمجيات التجارة الالكترونية وحلولها التقنية خاصة تلك التي يجري نشرها على الموقع بصورة رقمية. مسائل أمن المعلومات: تتعلق بانماط اختراق مواقع التجارة الالكترونية ونظمها ومتطلبات أمن الشبكات من مختلف الانتهاكات وصور جرائم الكمبيوتر والانترنت. مسائل الخصوصية: تتعلق بالحق في حماية البيانات الشخصية. الضرائب والجمارك والتعريفة وتنظيم مسائل التسليم المادي للمنتجات المباعة الكترونياً: تتعلق بالتنظيم القانوني لآليات وقواعد السياسة الضريبية والجمركية المتعلقة ببيئة التجارة الالكترونية. الاختصاص والولاية القضائية والقانون الواجب التطبيق: ان التجارة الالكترونية باعتبارها تجارة بلا حدود تثير مشكلة الاختصاص القضائي بسبب حقيقة كون القوانين الداخلية ذات نطاق اقليمي محدد بحدود الدولة المعنية, ويتصل بذلك مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الالكترونية ومشكلات تنازع القوانين الى جانب مشكلات تنفيذ قرارات القضاء والتحكيم الاجنبية عند حدوث نزاع بين الأطراف المتعاقدة. البيئة القانونية للتجارة الالكترونية في الامارات: يمثل الجانب القانوني تحديا كبيرا لواقع ممارسات التجارة الالكترونية المحدودة في دولة الامارات في ضوء النمو الكبير المتوقع لهذا النشاط وعدم ملاءمة نصوص القوانين الحالية الخاصة بدولة الامارات للفصل في نزاعات التجارة الالكترونية على اعتبار إنه لايوجد قانون خاص بالتجارة الالكترونية في دولة الامارات. وأهم معالم النظام القانوني في دولة الامارات من حيث التشريعات يمكن ايجازه في النقاط التالية: ــ التشريعات تعتمد بشكل اساسي على مبدأ الاثبات بالأدلة الكتابية. ــ النصوص في قانون المعاملات التجارية تشير فقط الى (البرقية) باعتبارها إحدى وسائل الإخطار المعترف بها في المعاملات التجارية ولا تعالج وسائل الاتصال الالكتروني. ــ خلاف حول حجية مخرجات أجهزة الصراف الآلي. ــ الافتقار الى أي قوانين تنظم آليات التجارة الالكترونية. ــ يواجه التاجر في ظل سيادة قوانين الاثبات التقليدية صعوبة كبيرة في اثبات إجراء المعاملة التجارية الالكترونية وبالتالي اثبات الدين. في هذا السياق يجدر الاشارة الى رأي الخبراء القانونيين في مسألة ضرورة إصدار قانون خاص بالتجارة الالكترونية في الدولة من عدمه, ومدى الحاجة اليه لتنظيم المعاملات التجارية الالكترونية. حيث يرى بعض من الخبراء القانونيين ضرورة التريث في إصدار مثل هذا القانون. مبررات التريث في إصدار قانون خاص بالتجارة الالكترونية في دولة الامارات يجب التريث في إصدار قوانين وتشريعات جديدة تتعلق بالتجارة الالكترونية. ولا يعني ذلك عدم إصدار مثل هذه القوانين, إذ من الضروري تأمين مناخ قانوني وتنظيمي ملائم للتجارة الالكترونية, ولكن لابد من التأكيد, في الوقت ذاته, على مجموعة من الأسباب والمبررات التي تدعو الى الاعتقاد بوجوب التريث وعدم التسرع في الوقت الحاضر بإصدار قوانين وتشريعات جديدة. ويمكن اختصار تلك الأسباب كما يلي: لابد من التأكيد اولاً انه على المستوى القانوني على الأقل ينبغي محاذرة الوقوع في فخ التفريق في التسميات بين تجارة عادية أو تقليدية وبين تجارة الكترونية. حيث تبقى التجارة هي ذاتها في الحالتين. انما ما يختلف مع التجارة الالكترونية هو واسطة التعامل Medium أي وسيلة الاتصال التي تستخدم في التجارة أو الأعمال بالمعنى الواسع. ولكي تنمو التجارة, عادية كانت أم الكترونية, فهي تحتاج بشكل أساسي الى توفر عنصر الثقة الذي يتأمن بوسائل مختلفة من بينها الأطر القانونية والتنظيمية. ولكن في الوقت ذاته, علينا الا نعتبر غياب التشريعات والقوانين في مجال التجارة الالكترونية بمثابة الحجة او السبب الوحيد الذي يعيق او يعرقل انتشار هذه التجارة في الدولة المعنية. فمن الملاحظ بشكل عام الاطر القانونية والتنظيمية تعيق في كثير من الأحيان نمو التجارة وانتشارها على نطاق واسع. وعلى ذلك فقد لجأت الكثير من الدول في تشريعاتها الداخلية, وقبل انتشار التجارة الالكترونية, الى تحرير التجارة من القيود والقواعد القانونية التي تطبق في المعاملات المدنية او العقارية, واطلقت في الميدان التجاري مبدأ حرية التعامل وتركت للاطراف المعنيين حرية ترتيب علاقاتهم التعاقدية والتجارية على النحو الذي يرتأونه. الاعتقاد بوجوب عدم التسرع باصدار قوانين وتشريعات جديدة في موضوع التجارة الالكترونية ليس مطلقا ونهائيا. بل ما يعتبر ضروريا في الوقت الحاضر, هو البدء اولا باقرار خطة وطنية تمهد لدخول عصر التجارة الالكترونية تحدد فيها الأهداف المرجوة بدقة على كل الاصعدة ومنها الصعيد القانوني. وهنا يتوجب في مرحلة اولى ان نختبر فعالية القوانين والتشريعات القائمة لنرى ما يصلح منها لأن يطبق على التجارة الالكترونية, واجراء مسح شامل حول القوانين القائمة وتحديد اي منها يحتاج الى تعديل بالفعل, وفي الوقت ذاته تحديد المسائل المستجدة التي تتطلب تشريعات جديدة. وعلينا ايضا ان نستفيد من التجارب الغربية في هذا المجال, وتحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا, حيث يتبين ان القوانين القليلة نسبيا لدى هذه الدول في موضوع التجارة الالكترونية, اما قد صدرت حديثا (معظمها في العام 2000) واما هي لا تزال قيد الصدور. وفي الحالتين جرى التحضير لاصدارها منذ سنوات عديدة عبر الدراسات والابحاث والتقارير والمشورة.. الخ. علما انها لم تختبر في التطبيق بعد, وقد ترافق صدورها مع الكثير من الانتقادات والملاحظات المتعلقة بالكثير من موادها وتطالب بتعديلها. أما نطاق القوانين والتشريعات التي يتعين التركيز عليها في معرض وضع الخطة الوطنية, ومع الاخذ بالاعتبار ما ورد اعلاه, فتتعلق بتنظيم وسائل الدفع الالكتروني, وبمسائل الاثبات المعلوماتي والتوقيع الالكتروني, وبقواعد حماية المستهلكين, وبضرورة التعاون العربي اخيرا من اجل توحيد الحلول القانونية المعتمدة او التي سوف تعتمد مستقبلا لدى كل من هذه الدول على حدة (يمكن الرجوع بشأنها الى نص المحاضرة). ومن المفيد عمليا ايجاد وسائل تساعد في تنظيم التجارة الالكترونية والتي يمكنها ان تساهم مع القوانين الضرورية في ارساء مناخ الثقة المطلوب لانتشار ونمو التجارة الالكترونية. الوسائل التنظيمية القانونية البديلة لتنظيم بيئة التجارة الالكترونية: وابرز الوسائل التي يمكن اللجوء اليها هي: الدور الأساسي: الذي يمكن ان يلعبه القاضي في هذا المجال. حيث من المعلوم ان دور القاضي لا يقتصر فقط على تطبيق القوانين القائمة او تفسيرها حين تكون مبهمة, بل ان دوره ايضا هو في ابتكار قواعد قانونية جديدة عند انتفاء وجودها في القوانين والتشريعات. مرد هذا الدور هو رسالته الاساسية في عدم الامتناع عن احقاق الحق حتى عند انتفاء النص القانوني. دور العقود والاتفاقيات بين الاطراف حيث من المعلوم هنا ايضا ان العقد في الميادين التجارية, شريعة المتعاقدين, اي انه يلزم الاطراف الموقعة كما تلزمهم القوانين. وفي مجال التجارة الالكترونية يمكن لهذه الوسيلة ان تلعب دورا مركزيا. امكانية اللجوء الى آليات التحكيم المباشر: وهي آليات تجيزها القوانين عموما لابل تشجعها في الكثير من الاحيان. والتحكيم في موضوع التجارة الالكترونية يمكن ان يرتدي اشكالا متعددة ومبتكرة بما يتلاءم مع طبيعتها ويمكنه ان يطرح كحل فعال لتسوية النزاعات التي يمكن ان تنشأ بين الاطراف بسرعة وكلفة اقل. وسيلة التنظيم الذاتي: ويقصد بها ان يبادر الاطراف والمتعاملين في اطار التجارة الالكترونية إلى وضع قواعد سلوكية خاصة بهم يفرضون احترامها ضمن مناخ الشبكات ويرتبون على عدم مراعاتها نتائج قانونية متعددة منها عدم تقديم الخدمة المطلوبة الى المخالف او قطع اتصاله بالشبكة او ازالة المعلومات او المواد المشكو منها.. الخ. مبادرات عملية في الجانب القانوني لتنظيم بيئة التجارة الالكترونية: وأخيراً رغم التحديات بالغة الصعوبة التي تواجه تنظيم التجارة الالكترونية, بذلت مبادرات وجهود جادة ومهمة من قبل الدول والمؤسسات في الثمانينيات لتطوير انظمة تعتمد على الرسائل الالكترونية وخاصة فيما يتعلق بمستندات الشحن, على سبيل المثال, تبنى (مصرف تشيز مانهاتن Chase Manhattan) مشروع (SEADOCS) الذي يكون فيه المصرف وسيطا مركزيا يستقبل مستندات الشحن الكترونيا ويسجل اية تحويلات عليها, إلا ان النظام فشل لأن التجار لم يرغبوا آنذاك بتسليم صلاحياتهم في تجيير المستندات Endorsing Documents الى جهة مصرفية قد تكون غير حيادية. وفيما يلي نتعرض بايجاز لنظام البوليرو Bolero System الذي وضع لاحقا لتنظيم التجارة الالكترونية. نظام البوليرو: يهدف نظام البوليرو Bolero System الى استبدال المستندات الورقية التجارية المختلفة (المتعلقة بالعقود التجارية, وبعمليات فتح الاعتمادات المستندية وتسوية الدفع, وبعقود نقل البضائع واصدار وثائق الشحن اللازمة, وبعقود تأمين البضائع, وبتحويل الحقوق المرتبطة بتلك العقود) بسلسلة من الرسائل الالكترونية Electronic Messages مع وضع الضوابط اللازمة التي جاءت في شكل مجموعة من القواعد الملزمة لكل مستخدمي (نظام البوليرو) في ما يسمى (كتاب القواعد). وتوفر هذه القواعد الاطار القانوني الضروري ليتمكن جميع مستخدمي (نظام البوليرو) من الحصول على نفس النتائج التي يحصلون عليها حاليا من استخدام المستندات الورقية لحماية حقوقهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات