الاقتصاد الأردني بين معاناة الأردنيين وتطمينات المسئولين

لم تفتر الحكومة الاردنية عن تجديد تأكيدها بالتزامها على مواصلة الاصلاحات الهيكلية وتحرير التجارة مع التركيز على الصادرات واستقطاب الاستثمارات الاجنبية, وان الاردن سيواصل تعاونه مع دول الجوار وبقية دول العالم لتحقيق مستويات اعلى من النمو الاقتصادي ومستويات معيشية افضل لمواطنيه. وهذا ما اشار اليه رئيس الوزراء الاردني المهندس علي أبوالراغب في عدة مناسبات كان آخرها محاضرة القاها في المشاركين في الاجتماع السنوي الرابع للرؤساء التنفيذيين لمؤسسة التمويل الدولي في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا الذي يستضيفه البنك العربي. وفي كلمته ذاتها قال ابوالراغب (ان الاردن قفزت قفزات كبيرة في مجال الشئون المالية اذ استطاعت الحكومة في هذا المجال تخفيض عجز الميزانية من خلال تخفيض النفقات وتعزيز كفاءة التحصيل الضريبي إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية). واضاف رئيس الوزراء الاردني ان ذلك (ادى إلى انخفاض العجز في الميزانية قبل المنح في عام 1999 إلى 04 .7% كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي منخفضة من 9.9% في عام 1998م). وتوقع ان تنخفض هذه النسبة إلى 5% عام 2002 او نسبة 1% بعد المنح, مقدرا النمو الحقيقي للعام 2000 بحوالي 4%, حيث كان معدل التضخم بنسبة لا تذكر مقدارها 1%, في حين قدر الفائض في الحساب الجاري بنسبة 2% من الناتج المحلي الاجمالي, وبالاضافة إلى ذلك فقد تمكنت الحكومة الاردنية الراهنة من تخفيض حجم الديون الخارجية كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي من 190% سنة 1990 إلى 80% عام 2000 ونعمل على تخفيض هذه النسبة تدريجيا إلى 60% بحلول عام 2005. كل ذلك يؤكد جليا ان العمل على الاقتصاد الاردني من حيث دعمه وتقوية ركائزه اولوية اخذت من طبقة صناع القرار الاردني كل مأخذ. وتحقيقا لهذه الغاية لم تدخر الحكومة الاردنية جهدا ـ حسب شهادتها ـ في ترويج المملكة على الصعيدين الاقليمي والدولي كبيئة ملائمة للاستثمار الاجنبي. ولكن إلى اي مدى نجحت الحكومة الحالية في ذلك بالنظر إلى النواحي السياسية والاجتماعية المتعلقة بذلك. وكيف ينظر الخبراء الاقتصاديون الاردنيون إلى هذه التوجهات. وهل من وجهة نظرهم استطاعت هذه التوجهات تحقيق نجاحات يصبو اليها جميع الاردنيين. ان الاجابة على هذه الاسئلة كما يمكن ان يتصورها البعض, خصوصا وان العديد من خبراء الاقتصاد لا يشاطرون الحكومة رأيها فيما تصفه بنجاحات كبيرة تم تحقيقها على الصعيد الاقتصادي ويقول هؤلاء ان هناك الكثير مما يجب عمله ولم يبدأ به بعد. فمن حيث هؤلاء الاقتصاديين ان الوضع الاقتصادي في البلاد يتجه نحو مزيد من التراجع, ومن المنتظر ان يدفع المواطن وحده فاتورة ذلك. في حين جاءت تغطية العجز في الموازنة من جيب المواطن على حد تعبيرهم. ووصل الامر ببعض هؤلاء بالاشارة إلى ان بقاء الوضع على ما هو عليه سيعرض امن البلاد واستقرارها للخطر, خصوصا بعد اقرار الحكومة للمرحلة الثانية من ضريبة المبيعات. ويعتبر هؤلاء الاقتصاديون الاجراءات الحكومية تلك التي دفعت إلى مزيد من رفع اسعار العديد من المواد التموينية والخدماتية بأنها لم تراع ما يعانيه المواطن من ظروف معيشية صعبة بل ساهمت في زيادة الاعباء عليه. ونقلت صحيفة السبيل على لسان رئيس الجمعية الاردنية لحقوق المواطن د.فوزي السمهوري تأكيده بان (الاجراءات الاقتصادية الحكومية الاخيرة لم تكن نتاج دراسة علمية) وان اجراءات رفع الاسعار (لم تأخذ بالحسبان اوضاع المواطنين الصعبة). بمعنى تأثر مدخول المواطن الاردني الشهري بهذه الاجراءات تأثرا مباشرا اضافة إلى ضعف القوة الشرائية لهذه المداخيل. ودرج بعض الاقتصاديين على اتهام الحكومة بأنها لا تقوم بما يجب فعلا لتغطية عجز الموازنة بطريقة اكثر رحمة على المواطن من خلال محاربة الفساد وتقليص الانفاق الحكومي والتوقف عن المحسوبية في التعيين خصوصا تلك التي تضر بالاقتصاد الاردني. ويشاطر هذا الرأي رئيس غرفة الصناعة المهندس عثمان بدير وان كان باتجاه آخر عندما ذكر في تصريحات نشرتها وكالة الانباء الاردنية الرسمية انه لا ينظر بتفاؤل لمستقبل عدد من الصناعات الوطنية بسبب تحديات العولمة والانفتاح, وما يعنيه ذلك من زيادة لاعداد البطالة في المملكة وما يجره هذا التصور اذا ما تحقق من ويلات على الاقتصاد الأردني. ويلخص بدير الاوضاع الاقتصادية في الاردن تأسيسا على ان السنوات (1994 وحتى عام 1999) شكلت تراجعاً إلى حد ما في المسيرة الاقتصادية في حين شهدت هذه السنوات تراجعاً في النمو والايرادات والاستثمارات ورفعا تدريجيا عن حماية الصناعة الوطنية, وتزامنت هذه الاجراءات مع خفض الحكومة للرسوم الجمركية الامر الذي شجع على الاستيراد على حساب الصناعة الوطنية. وفيما وصف المحلل الاقتصادي د. عبدالله المالكي الوضع الاقتصادي العام في الاردن بأنه لايتجه نحو التحسن, مشيراً الى عدم تفاؤله بتحقيق نمو اقتصادي مقداره 4% كما تقول الحكومة, رفض محلل اقتصادي آخر هو د. فهد الفانك هذه الأفكار المتشائمة وقال انا متفائل بالمستقبل. ونقلت إحدى الصحف الاردنية على لسانه (ان الوضع الاقتصادي في حالة تحسن), ويرد د. الفانك أسباب ما حدث من تراجع للاقتصاد في الفترة الأخيرة الى انه تعرض لنكسة صغيرة خلال الشهور القليلة الماضية نتيجة للانتفاضة التي اثرت على الموسم السياحي وأدت لتأجيل بعض الاستثمارات ولكن الارجح ان يتحقق خلال هذه السنة نمو في حدود 3% وان تنمو الصادرات ويرتفع الانتاج الصناعي, ويسهم الانفاق الحكومي الرأسمالي في تحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل جيدة. وينظر المراقبون الى اجتماع المجلس الاقتصادي الاستشاري الأخير على انه رسم الخطوط العريضة لخصخصة أعمدة الاقتصاد الوطني الاردني, ودفع بالقطاع الخاص الى الاستثمار في شركات كان يعتبرها البعض عصية على الخصخصة وعمليات الشراء نظرا لكونها شركات استراتيجية بالنسبة للدولة الاردنية. ويبدو ان الرافضين لسياسة الحكومة المتعلقة بالخصخصة يغنون خارج السرب الرسمي المتجه بقوة الى ذلك, وهذا ما يؤكد ما تعمل عليه الهيئة التنفيذية للتخاصية, المعنية بإعداد مشاريع خصخصة الشركات الحكومية. وما يثير حنق الخبراء الرافضين لعمليات الخصخصة ان التوجه الرسمي لايرى أياً من الشركات الوطنية بعيدة عن متناول يد هذه السياسة, مشيرين الى شركتي الفوسفات التي تعرف باسم (شركة البترول الاردنية), والبوتاس, وبالرغم من تعرض هاتين الشركتين الى هزات عنيفة إلا ان ذلك لم يمنع هؤلاء من الاصرار على موقفهم الرافض لعمليات الخصخصة. من حيث (الفوسفات) يتساءل هؤلاء عن سبب خصخصة هذه الشركة مادامت الحكومة قد وضعت خطة طوارىء للعمل على إنقاذها أو تخليصها من ديونها والخسائر التي ألمت بها جراء التجاوزات الادارية والمالية. اما شركة البوتاس فان العام الجاري سيشهد البدء في خصخصة الشركة ولكن بعد اجراء خطوات إعادة هيكلة ادارية لها لتخفيض العمالة والنفقات, والمصير نفسه سيأول اليه ميناء العقبة من خلال ايجاد شراكة بين الحكومة والشريك في الخصخة وبموجب ذلك سيتم خصخصة انشطة الميناء المختلفة. أما قطاع الكهرباء فقد اقر المجلس الاقتصادي الاستشاري خصخصته, حيث تشمل الخطة فصل انشطة شركة الكهرباء الوطنية الى ثلاث شركات وهذا ما حدث, احداها شركة لتوليد الطاقة, وثانية لتوزيعها وثالثة لنقل التيار الكهربائي, وكلها سيصار الى خصخصتها في ترتيب زمني معين. وحسب مصادر وصفتها صحيفة (السبيل) الاردنية المعارضة بالمطلعة فان الحكومة قامت فعلاً بتعيين شركة (فختر) الالمانية الاستشارية للمساعدة في استكمال فصل الشركات الثلاث ومعالجة موضوع التعرفة وإعداد اتفاقيات شراء الطاقة, وان هذه الشركة قامت فعلاً ومنذ ما يقارب العام بمباشرة عملها, حيث قامت بارسال عدد من طلبات (ابداء الاهتمام) الى مجموعة من الشركات الائتلافية العالمية لتقديم الخدمات الاستشارية لعملية خصخصة نشاطي التوزيع والتوليد بعد ان جرى تحويلها الى شركتين وذلك لقطاع الكهرباء في محافظتي العاصمة واربد (شمال المملكة), بهدف (تأهيل) من ثلاثة الى ستة ائتلافات وتم فعلاً استلام 23 طلباً للذين ابدوا اهتماماً للاستثمار في هذا القطاع واختيار ستة طلبات من هذه الثلاثة والعشرين ليصار الى مخاطبتها وتزويدها بوثائق العروضين وكافة المعلومات عن قطاع الكهرباء لتقديم عروضها في الوقت اللاحق. وعلى الدرب نفسه كان مصير قطاع البريد بعد ان وافق مجلس الوزراء قبل أكثر من عام على خطة لاعادة هيكلة هذا القطاع, من خلال فصل إدارة البريد عن وزارة البريد والاتصالات وتحويلها الى شركة مساهمة عامة تمتلك الحكومة كامل اسهمها, حيث ستتعاقد الحكومة الاردنية مع شركة عالمية مؤهلة ومتخصصة في مجال إدارة البريد. أما الملكية الاردنية ووفق ما أتاحته تعديلات قانون مؤسسة عالية فقد جرى تحويلها الى عدة شركات متخصصة كمقدمة لخصخصتها, وهذا ما حصل بالفعل في عدد من القطاعات الاستثمارية, وفصلت النشاطات المساندة لشركة الملكية الاردنية الاستثمارية كالسوق الحرة والتزويد وصيانة الطائرات والتدريب وترميم المحركات عن النشاط الرئيسي (الطيران) وسجلت كشركات مستقلة مملوكة بالكامل للحكومة. وفيما يبدو ان هناك تبايناً شديداً سواء بين الرأي الرسمي لوضع الاقتصاد الاقتصاد الاردني وبعض آراء المختصين والخبراء إلا ان هناك من يعترف من الجانبين بأن المواطن الاردني لم يعد قادراً بالفعل على تحمل الاعباء الاقتصادية بغض النظر عن المسبب, وان الحكومة تبدو بأنها صادقة في توجهها وان كان هذا التوجه, أسلوبا, يلقى معارضة من قبل البعض.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات