المشروعات التي أعلن عنها للانتقال نحو الاقتصاد الرقمي والتطبيقات الافتراضية, جاءت في وقت دقيق للغاية, لأنها جاءت في وقت كان فيه البون الحضاري بين الشمال والجنوب, أو بين الدول الأكثر تقدما والدول البادئة في التنمية يزداد تباعداً مع كل ثانية تمضي على هذا الكوكب, وما كان لهذه الفرصة التاريخية ان تتاح لولا عصر المعرفة الذي هيأها على طبق من ذهب لأمم الأرض قاطبة لردم الهوة الشاسعة وتقريب الفروقات, إن هي استطاعت ان تمتلك الارادة الجادة, والقدرات العلمية, والبصيرة الثاقبة, فكانت تلكم المشروعات أملاً وردياً في ان تدرك هذه الأمة ما لم يكن ممكنا ادراكه في مجالات الصناعة والعلوم والإعلام والأدب, بل حتى الرياضة والفن. ورغم إن الحجم النسبي لدولة مثل الامارات باعتبارها دولة صغيرة كان عاملاً ايجابياً في إحداث نقلة هائلة في المجال, بخلاف ما لو كان الحجم كبيرا بحجم دولة مثل الولايات المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا مثلاً, إلا ان هذه الميزة النسبية لم تستثمر كما يجب حتى الآن. إن الحقيقة المؤلمة التي نلمسها بعد الفترة الزمنية بين الاعلان وبين الوقت الحالي, هي ان المؤسسات والبرامج وفرق العمل التي أوكلت اليها مهمة ومسئوليات الانتقال الى عالم التطبيقات الافتراضية لم تحقق على أرضية الواقع من الطموحات أكثر من الاهتمام بعدد من العوامل المساعدة والثانوية, فاقتصر الاهتمام على الأبنية والتسهيلات المكتبية الفاخرة, وعقد المؤتمرات والندوات وورش العمل, وتسابقات الدوائر الحكومية الى الافصاح على صفحات الصحف عن مشروعاتها وتطبيقاتها المتعلقة باجراءات العمل, وتكرست الجهود في سبيل القفز على المراحل واختصار المسافات والانشغال بالتفكير في النتائج والثمار النهائية, مما جعلها تخطىء في تقدير حجم المسئولية وخطورة الدور المطلوب, فظنت ان هذا الأمر لا يختلف كثيرا عن استيراد آلة أو مركبة ثم يدار محركها لكي تبدأ في العمل, وتناست حتى ان هذه المركبة تحتاج الى طرق تسير عليها وقوانين للمرور تنظم حركتها ومحطات صيانة وقطع غيار ووقود ومعاهد تدريب على القيادة, وقائمة طويلة من الاحتياجات الاخرى, وهكذا فإن تلك المؤسسات لم تعط نفسها فرصة للتخطيط والتنظيم والتفكير بروية في المراحل التي ينبغي ان تقطعها والعقبات التي لابد لها من اجتيازها. في اعتقادي ان كل ما أنجز حتى هذه اللحظة يسير بعكس الاتجاه الصحيح, وأن الجوانب الأساسية لوضع الفكرة موضع التطبيق لا تزال منسية أو لا تكاد تخطر على بال, وأن بدايات الجهود كان ينبغي لها ان تنحو منحى آخر يختلف تماماً عما يجري على الساحة, فما يجري على الساحة الان هو عبارة عن المشاهد الأخيرة للمشروع في مراحله النهائية, ولسائل ان يتساءل: وماذا يضير ان يكون ما يجري هو البداية, والجواب: ان البدء من نهاية المطاف يعني ان ما تم سيبقى معلقاً في الهواء لأنه لم يبن على أسس منهجية وأصول علمية ومهنية. التطبيقات الافتراضية بأنواعها ما هي إلا ارهاصات لحضارة جديدة, ولهذا فشأنها شأن أية حضارة جديدة على من يريد استيعابها والسير في ركابها والاسهام في نتاجها, ان يكون لديه الاستعداد التام لتغيير نظرته اليها وطريقة تفكيره تجاهها من خلال فهم مصطلحاتها والتعامل مع أدواتها ونظمها ومفاهيمها الجديدة, ولهذا فإن الانتقال بالمجتمع الاماراتي بتركيبته العجيبة الى هذه الوضعية يحتاج الى جهود تحضيرية للمزاوجة بين الفكرة والمنظومة الاجتماعية ولاسيما منها النظام التعليمي, والنظام الاداري, والنظام الاعلامي, والنظام المصرفي والمالي, الى غير ذلك من عناصر المنظومة الاجتماعية حتى تصبح التقنية الرقمية صديقاً ودوداً.. وليس تنيناً أو غولاً أسطورياً مخيفاً ظهر على هذه البقعة من كوكب الارض بمحض المصادفة. ثم تأتي الخطوة التالية التي يحتمها تبني فكرة عملاقة وخطيرة كفكرة التطبيقات الافتراضية, ألا وهي مسألة رسم معالم مخطط هيكلي يضع للمشروع برنامجه الزمني وتفاصيله العامة لنقله من حيز الخيال والأحلام والتصورات وإرسائه في حيز الواقع, وليكون لتلك الفكرة بنية تحتية ترتكز عليها وتضرب بجذورها في أعماقها وتتطور من خلالها, وهذا المخطط يتكون من عناصره الجزئية التالية: ــ وضع استراتيجية للتطوير الالكتروني: ترسم المفاهيم والمبادىء الأخلاقية والأسس والأساليب التي ستحكم استخدام تقنيات التطبيقات الافتراضية وكيفية التعامل معها, والتي تحدد حجم الدور الذي ستضطلع به في حياة الانسان والمساحات التي يسمح لها بالحركة فيها من خلال ثوابت هذا المجتمع ومعتقداته وعاداته وتقاليده وثقافته الخاصة, والتي تضع ملامح الاطار المؤسسي لاستقطاب هذه التقنية والعمل على نشرها واستخدامها وتطويرها وتصديرها الى العالم وأين يبدأ وأين ينتهي دور كل من مؤسسات القطاعين العام والخاص حتى تعمل جميع المؤسسات بشكل متناغم وليس في خطوط متقاطعة أشبه ما تكون بحركة الألعاب النارية. * تحضير الأرضية التشريعية: لأن عالماً مجهولاً كعالم التطبيقات الافتراضية بلا ارضية تشريعية يكون ولوجه اشبه بمخاطرة الدخول إلى مدينة غير محروسة حيث تسيطر الريبة وتلتبس الامور وتختلط المصالح ويحتكم افرادها إلى شريعة الغاب, ولهذا فالامر يحتاج إلى قوانين ولوائح وقرارات تؤطر عمل المؤسسات المسئولة عن ادارة التطبيقات الافتراضية, وتنظم الجوانب الفنية والمالية والاقتصادية للمتعاملين بها بحيث تحد من التجاوزات وتردع المخالفين وتحمي الحقوق وتعطي القضاء ادوات ملموسة تمكنه من الفصل في المنازعات. * تطوير القدرات والمهارات البشرية: الوطنية ولكن ليس في مجال العلاقات العامة وشئون التوظيف وغيرها من التخصصات التي لا تمت إلى تقنيات التطبيقات الافتراضية باية صلة, بل وربما ليس في مجال تصميم البرمجيات, بل اقصد بها القدرات والمهارات الوطنية في مجال التصنيع وانتاج القطع والمكونات ذات التقنية المعقدة التي تدخل في تصنيع الحواسيب واجهزتها التكميلية والابداع في ابتكار الجديد والمتطور جداً منها. * اعادة بناء الهيكل التنظيمي الحكومي: المكون من مجموع الدوائر والمؤسسات الرسمية بوضعها الحالي, وبناء هيكل جديد على انقاضه يلبي احتياجات الحضارة الجديدة ويتسق مع متطلباتها, بحيث يختصر خطوط الاتصال بين المستويات الوظيفية ويلبي احتياجات التقنيات الرقمية ويساعد على تكامل الدوائر وانسيابية المعلومات والاجراءات فيما بينها. وما يستتبع ذلك من اعادة بناء هياكل الدرجات الوظيفية وسلالم المرتبات والاوصاف الوظيفية واعادة توزيع المسئوليات مع اعادة هندسة العمليات الاجرائية على نحو يأخذ في الاعتبار عوامل الوقت والكلفة المالية وجودة الاداء وتكوين المخزون المعلوماتي. هذا المشروع العملاق يحتاج ايضاً إلى تكوين شبكة مترابطة من المؤسسات المتكاملة في مجالات تطوير عناصر التطبيقات الافتراضية وانتاج مكوناتها, كالمعاهد والجامعات التي تقوم بتدريس المواد العلمية المتعلقة بها وتطور نظرياتها ومفاهيمها, وكذلك الدور الاستشارية والهندسية في مجال تصميم البرمجيات وتطويرها, ومراكز البحث العلمي التي تقوم بالبحوث والدراسات التطويرية ونشرها واجراء الاختبارات الفنية والعلمية من اجل تسخير التقنية للحياة, بالاضافة إلى اقامة المؤسسات الصناعية لانتاج الاجهزة والمعدات والمستلزمات التي تطبق من خلالها استخدامات التطبيقات الافتراضية. كلمة اخيرة: ربما كانت الفرصة لا تزال سانحة, ولكنها لن تبقى مواتية اكثر من ذلك. بقلم: عبدالعزيز خليل المطوع