لم يكن اليوم الأول لتداول الأسواق الأمريكية لعام 2001 مختلفا, ناسداك انخفض 2.7%, الداو 3.1% وستاندر اند بور 8.2%... ولست مستغربا, فتمنيات المستثمرين بأن تنهي مؤشرات الاسواق الامريكية غضبها وتقلب صفحة بيضاء جديدة في أول أيام السنة الجديدة لم تتحقق, فيبدو ان الأثر لايزال قائما, والموضوع أكثر من تمنيات, فبعد دخولنا العام العاشر على التوالي, لما يسمى الأطول مدة, لفترة نمو ورخاء تمر بها الولايات المتحدة الامريكية, وقد بلغت 109 أشهر, وكانت أطول فترة سجلت لحالة نمو متواصلة في الأعوام ما بين فبراير 1961 ــ ديسمبر 1969 وهو ما يمثل 106 أشهر. فخلال هذه الفترة ما بين 1991 الى وقتنا الحالي.. ارتفع مؤشر الداو من مستويات الثلاثة آلاف نقطة في مارس 1991 الى حوالي 10750 نقطة حاليا, ووصل الى أعلى مستوياته عند بلوغه حاجز الـ 11750 نقطة.. وناسداك كان بحجم 500 نقطة فقط, أما اليوم فهو عند مستويات الـ 2400 بعدما وصل الى ذروته في مارس عام 2000 عندما تجاوز حاجز الـ 5000 نقطة. هذه الزيادة جاءت من خلال ضخ مبالغ تتجاوز قيمتها الـ 300 مليار دولار مع دخول اكثر من 5000 شركة جديدة الى مؤشرات الاسواق.. وبالتأكيد فإن الولايات المتحدة استفادت كثيرا من التطور التكنولوجي الهائل لجذب مزيد من الاستثمارات العالمية الى داخل الولايات المتحدة.. وساعد الانترنت على تسريع وصول المعلومات الى المستثمر من خارج الولايات المتحدة, وهي أحد أهم العوامل التي يرغب فيها المستثمر بالحصول عليها. وفي سبتمبر 1999 ولأول مرة منذ ثلاثين عاما تحولت ميزانية الولايات المتحدة الى جهة الفائض, ولعبت ادارة كلينتون دوراً كبيراً من خلال محاولات تقليص العجز ولكن الدور الأهم هو تدفق الأموال المحصلة من اصحاب المليونيرات على شكل ضرائب, والذين زاد عددهم خلال هذه الفترة بحدود 100 ألف شخص اضافي, والتي توجهت مباشرة الى الخزينة الامريكية بالاضافة الى الرسوم والضرائب المحصلة من الشركات الناشئة الجديدة, وبالتأكيد فإن انتهاء الحرب الباردة ساعدت الحكومة الامريكية على ان تركز اكثر من ذي قبل على نمو الاقتصاد, بعدما كانت منشغلة بمقومات ومسائل الأمن القومي.. اتفاقية التجارة الحرة لمنطقة أمريكا الشمالية, جميعها ساهمت في خلق سوق أساس النجاح فيه هو الابداع. ولذلك عندما تطورت التكنولوجيا وتطورت تطبيقات الانترنت المختلفة جاءت مرتكزة على بنى سوق تحتية قوية, وكان المجال مفتوحاً للابتكار والتطوير, مما ساهم في قفزات هائلة للانتاجية, حيث وصل معدل الانتاجية الى معدلات لم نشهدها من قبل, وبشكل لاتزال أوروبا تبحث عن وسائل للوصول اليها, ولاتزال دول شرق آسيا تحاول معرفة أسرارها, بينما بقية اقتصاديات الدول الاخرى لا تفكر بها أصلا! وقد أدى هذا النمو الى خلق فرص عمل, انخفضت من خلالها البطالة الى معدلات لا تتجاوز الـ 4%. والتساؤل.. الى متى يستمر هذا النمو؟ وهل التباطؤ مسيطر عليه كما يقول خبراء الاقتصاد في وول ستريت أم انه غير مسيطر عليه وهي المحطات التي يمر بها الاقتصاد أثناء طريقه نحو ركود اقتصادي, كما يقول الاقتصاديون اثناء تعلمهم للمبادىء الأساسية في الاقتصاد الدولي؟؟ سعر الفائدة قام البنك الفيدرالي بخفض اسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة قبل موعد اجتماعه المحدد باربعة اسابيع وبمقدار نصف نقطة وليس الربع كما كانت طريقة البنك اثناء رفع اسعار الفائدة. فهل هذا دليل على وجود خطورة كبيرة في اداء الاقتصاد والذي جعل البنك يتدخل فورا وعدم احتمالية الموقف للانتظار أربعة اسابيع اخرى؟ بالتأكيد, فإن معالجة الازمات اثناء وجود نمو اقتصادي كبير اسهل من ادارة الازمات اثناء تباطؤ في النمو, والذي ممكن لأي خطأ من ان يطيح بهذا النمو إلى فترة كساد وركود ويتطلب سنوات طويلة لاعادته إلى ما كان عليه. خلال فترة الازدهار الاقتصادي الذي تمر او (مرت به) الولايات المتحدة كان دور النيويوركي د. جرين اسبان والذي ولد في مارس من عام 1926 درس وتخرج وحصل على الماجستير والدكتوراه جميعا من نيويورك وجامعاتها والذي ساهمت وسائل الاعلام بأن تكون كلماته كافية للتأثير على اكبر الاسواق العالمية. والذي قال في احد احاديثه (اقضي وقتاً طويلاً جدا لايجاد اجوبة اسئلة تطرح.. وطول الوقت هذا ليس لايجاد جواب للسؤال وانما لكي لا تكون اجاباتي واضحة جدا). فأي تعليق في خطاب او حديث صحفي, مؤتمر يؤخذ بمآخذ الجد.. خاصة وان اكثر من نصف الامريكيين اصبحوا يمتلكون اسهما اما بشكل مباشر او من خلال برامج التقاعد او المكافآت او نظام راتبهم الذي يشمل بالاضافة إلى الراتب اسهم مكافأة غير قابلة للبيع الا بعد مرور فترة من الزمن يتفق عليها. وقد ادى ارتفاع الاسهم خلال الفترة الماضية إلى تحسن الحالة المعيشية لحاملي الاسهم, فمثلاً موظف في شركة, لا اريد ان اعطي مثلا لشركات قيادية, فلنأخذ مثلا لشركة ناشئة وحديثة. فالموظف العامل في شركة مثل (فون دوت كوم) اذا حصل على مكافأة سنوية قدرها عشرة آلاف دولار فقط في عام 1997 على شكل اسهم وبنصف سعر اصدار الشركة الاولى فبلغت قيمة الاسهم الذي يحملها في مارس الماضي تساوي نصف مليون دولار. صحيح, انه قد لا يستطيع ان يسيلها, ولكن شعور الشخص بأن له مبلغاً كبيراً احتياطياً يدفعه إلى التصرف بأن هذا المبلغ هو بحوزته. فيبدأ بشراء سيارة جديدة, ثم تطالب زوجته بالمساواة وشراء نفس السيارة ولكن بلون مختلف, الانتقال من شقة صغيرة إلى بيت كبير وهكذا. ولنتصور وجود الملايين من هؤلاء الذين وصفناهم في المثال اعلاه ولكن بمستويات متفاوتة.. فيؤدي هذا إلى زيادة انفاق المستهلكين.. وهذا ما لا يعجب د.جرينسبان اطلاقاً.. فسيؤدي ذلك إلى اضافة نقاط اضافية إلى جعبة مقياس التضخم والذي يطالعه جرينسبان يوميا. فالشركات سوف تطلب المزيد من الموظفين والعاملين لتلبية الاحتياجات والطلبات المتزايدة من المستهلكين. في سوق عمالة ضيق لا تتجاوز معدل البطالة فيه كما ذكرنا سابقا معدلات الـ 4% مقارنة مع معدلات بطالة للاتحاد الاوروبي تبلغ بحدود الـ 11%. ومما يزيد من هذه المخاوف, لو قارنا ارتفاع اسعار النفط في عام 1990 نلاحظ انخفاضاً مباشراً لمعدل الاستهلاك حيث هبط من 5 .2 + إلى 5 .1 ـ .. اما هذه المرة ومع ارتفاع اسعار النفط فإن المعدل الاستهلاكي لا يزال مرتفعا, وبنفس معدلات بدايات عام 1999. ومع عشر سنوات من تمتع الدولار الامريكي بالقوة اللازمة والتي مكنته من المساهمة في السيطرة على معدلات التضخم من خلال ابقاء كلف الاستيراد منخفضة ودفع المصدرين إلى تقليل الاسعار للبقاء ضمن اطار المنافسة. فإن اي دوران معاكس لقيمة الدولار والتي يجب ألا يفاجأ بها المستثمرون. فسيكون التأثير كبيراً, بل كبير جدا. ومع هذه المستويات المرتفعة للدولار. لا نفاجأ بهبوط حاد, ورغم محاسن التطور التكنولوجي التي نمر فيها جميعا فإنه ساعد كذلك على سهولة انتقال رؤوس الاموال ما بين البلدان, وكذلك التحول إلى عملات اخرى خلال لحظات, هي نفسها باتت تشكل مصدر خطورة ومع الازمات التي حصلت في المكسيك عام 1994 وتايلاند في 1997 اصبح المستثمرون اكثر حذرا واكثر ميلا إلى سحب الاموال مع ظهور اية بوادر للركود. اذا كان هناك تخوف من المستثمرين في الاسواق الامريكية, خاصة مع التذبذبات في الاسواق المالية, وتخمينات, بان الاقتصاد الامريكي قد عبر مرحلة قمة الجبل, وبات ينحدر على السفح الهابط, فأي الاسواق سيختار؟ بقلم: أحمد السامرائي مدير تطوير استثمارات داماك