بات من الواضح انه لا مفر امام دول الخليج سوى تسريع برامج التصحيح الاقتصادي بصرف النظر عن تطورات اسواق النفط بهدف تحقيق معدلات نمو اقتصادي قابل للاستمرار كسبيل وحيد لحل مشكلات البطالة وتجنب اضطرابات اجتماعية في المستقبل. ويرى خبراء اقتصاديون ان دول مجلس التعاون الخليجي التي تسيطر على 45% من اجمالي احتياط النفط العالمي لم تنتهج بعد سياسات واضحة بالنسبة لاعادة هيكلة اقتصادها, اذ تتسارع عمليات التصحيح بشكل نسبي كلما انخفضت اسعار النفط. ثم تعود وتتباطأ في حال ارتفاع الاسعار وقد تتوقف احياناً. ويشير الخبراء إلى انه على الرغم من اعلان دول المجلس عن استراتيجيات اصلاحية واجراءات لتشجيع القطاع الخاص على المساهمة بشكل اكبر في عملية التنمية, الا ان هذا القطاع لا يزال يشكل الاقلية في اجمالي الناتج المحلي الذي يهيمن عليه القطاع العام وقطاع النفط والغاز. وحسب احصائيات مستقلة فإن نسبة مساهمة القطاع الخاص في اجمالي الناتج المحلي في المجلس ارتفعت من حوالي 35% عام 1990 إلى نحو 40% في الوقت الحاضر, مما يعكس بطء عملية التصحيح وعدم جدية الحكومات بتحويل ملكية بعض مؤسسات القطاع العام للقطاع الخاص. ويقول الدكتور سعيد الشيخ مدير الدائرة الاقتصادية في البنك الاهلي التجاري السعودي (ان على دول الخليج تنفيذ تعهداتها باعطاء دور اكثر فاعلية للقطاع الخاص ليتسنى له تحريك عملية التنمية, فيما يترك للحكومة مهمة تولي مسئولية البنية الاجتماعية) ويضيف (اعتقد ان ذلك يزيل عبئاً كبيراً عن كاهل الحكومات ويتيح لها التفرغ لامور اخرى توازيها اهمية وعلى سبيل المثال تحسين مناخ الاستثمار ومعالجة الدين الداخلي الذي يشكل عبئاً خطيراً على الاجيال القادمة). ويؤكد محللون انه من دون خلق المناخ الملائم للمستثمرين وحفز القطاع الخاص وتعزيز الثقة بالاقتصاد المحلي, فإنه لن يكون بمقدور دول المجلس تحقيق معدلات نمو اقتصادي قابل للاستمرار نظراً للتقلبات الحادة في أسعار النفط التي تعتمد عليها الموازنات الحكومية الى حد كبير. وقد اتضح ذلك في التذبذبات المستمرة في مستويات النمو في الأعوام الماضية, إذ قفز اجمالي الناتج المحلي بمعدلات تراوحت بين 7 و15% العام الماضي نتيجة ارتفاع أسعار النفط, في حين لم يتجاوز معدل النمو اثنين في المئة في بعض الدول الاعضاء, وتراجع في دول اخرى عام 1998 بعد التدهور الكبير في ايراداتها النفطية. ويتوقع الخبراء ان يصل معدل النمو العام الجاري الى أكثر من 15% بالقيمة الاسمية نتيجة التوقعات بوصول متوسط اسعار النفط الى نحو 26 دولاراً للبرميل مقابل 17 دولاراً عام 1999 وحوالي 12 دولاراً عام 1998. بالمقابل لا تزال معدلات النمو السكاني في دول المجلس مرتفعة وتتجاوز 4% في بعض الدول الاعضاء, في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الخريجين من المواطنين الخليجيين من الجامعات والمعاهد والكليات. ويحذر الخبير الاقتصادي السعودي الدكتور إحسان بوحليقة من انه (في غياب معدلات نمو اقتصادي حقيقية قابلة للاستمرار فسوف تتفاقم مشكلات البطالة في دول المجلس مما قد يؤدي الى مشاكل اجتماعية التي يمكن ان تؤجهها ايضاً قرارات دول الخليج بفرض رسوم على الخدمات ورفع الدعم الحكومي). ولاتعترف دول المجلس علناً بوجود مشكلة بطالة لديها, إلا ان اقتصاديين ومصرفيين يؤكدون بأن هناك أكثر من مليون خليجي عاطل عن العمل لأن معدلات النمو الاقتصادي الفعلية لاتزال أبطأ من معدل النمو السكاني, في حين تسير عملية توطين الوظائف والاستغناء عن العمال الوافدين ببطء شديد. وأورد الخبراء احصائيات مستقاة من مصادر رسمية في الخليج لتسليط الضوء على المأزق الذي وصلت اليه دول المجلس والذي يحتم عليها السير بجدية في عملية التصحيح, اذ زادت ايراداتها النفطية على 180 مليار دولار عام , 1980 في حين لم يتجاوز عدد السكان 12 مليون نسمة مع اعتبار القوة الشرائية للدولار. اما في عام 1998 فقد وصلت ايراداتها النفطية الى نحو 56 مليار دولار أي أقل من ثلث الدخل المحقق عام , 1980 في حين ارتفع عدد السكان الى ما يقارب من 22 مليون نسمة, وواصل سعر الدولار هبوطه وارتفعت معدلات التضخم, وعلى الرغم من الزيادة السكانية, لم يكن بمقدور دول المجلس تقليص الانفاق بشكل كبير مخافة ان يؤثر ذلك على الاداء الاقتصادي نظراً لضآلة دور القطاع الخاص, الأمر الذي حول الفائض في ميزانياتها الى عجز مزمن وصل الى أعلى مستوى له عام ,1991 وهو نحو 63 مليار دولار, ثم انخفض الى 17 مليار دولار عام 1999. وبعد ان استنزفت جزءاً كبيراً من احتياطيها الخارجي, اضطرت دول المجلس الى الاقتراض من السوق الداخلي لتمويل عجز الموازنة, ووصل اجمالي الدين الداخلي الى أكثر من 200 مليار دولار أي نحو 80% من الناتج المحلي, ويتركز معظم هذا الدين في الممكلة العربية السعودية اذ يقدر بحوالي 165 مليار دولار بنهاية العام الماضي. ويعلق الدكتور الشيخ على ذلك بقوله (دول المجلس تتلقى الدرس تلو الدرس وكان آخر هذه الدروس في عام 1998 عندما تدهورت اسعار النفط وواجهت تلك الدول مجتمعة أزمة في التزاماتها الأساسية وحدثت أزمة اقتصادية اذ تباطأ النشاط الاقتصادي بشكل حاد بسبب تقليص المصروفات). ويضيف (اعتقد أنه آن الأوان لهذه الدول ان تخطط بشكل أفضل وتضع استراتيجية للتصحيح واضحة المعالم بعيدة المدى, لأن أسعار النفط التي ارتفعت مؤخراً لابد وأن تتراجع نتيجة التطور التقني وأسباب سوقية وبيئية وسياسية وغيرها). ومن جانبه يرى الدكتور محمد العسومي مدير الدائرة الاقتصادية في مصرف الامارات الصناعي ان الاصلاحات الاقتصادية في دول المجلس يجب ان ينظر اليها بجدية أكبر وان تركز على القطاع الخاص ومعالجة الخلل المالي واستقطاب الاستثمار الاجنبي في مشاريع انتاجية. ويقول (أعتقد ان هناك توجهاً لإعادة هيكلة الاقتصاد الخليجي ولكن للأسف لايزال بطيئاً جداً ولايتناسب مع التحديات والتطورات الاقتصادية المتلاحقة في العالم). ويعترف المحللون ان دول المجلس وهي السعودية والامارات والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان حققت تقدما في السنوات الثلاثين الماضية من خلال ضخ استثمارات ضخمة في عمليات التنمية مما ادى الى ارتفاع نسبة القطاعات غير النفطية من اجمالي الناتج المحلي الى حوالي 65% مقابل اقل من 30 في المئة بداية السبعينات. لكنهم يشيرون الى ان تلك الاستثمارات شملت العديد من القطاعات غير الانتاجية وخاصة البنية التحتية وهو ما يفسر حقيقة انها لا تزال تعتمد الى حد كبير على صادرات النفط الخام التي توفر لها اكثر من ثلثي اجمالي الدخل الوطني وتصل الى اكثر من 90% في بعض الدول الاعضاء. ويعرب بعض الخبراء عن تفاؤلهم بتسارع خطوات الاصلاح الاقتصادي بعد اعلان السعودية ودول خليجية اخرى في الاونة الاخيرة عن اجراءات جديدة لدعم برامج التصحيح, شملت حوافز للمستثمر الاجنبي وفتح مجال أكبر أمام القطاع الخاص لاستغلال امكانياته المالية الضخمة التي تزيد على 200 مليار دولار مستثمر معظمها في الخارج. لكنهم في الوقت نفسه يحذرون من تراخي هذه البرامج اذا ما افرطت دول المجلس في التفاؤل تجاه اسعار النفط التي يتوقع لها ان تبقى مرتفعة العام المقبل. وحسب مصادر نفطية واقتصادية يتوقع ان يصل متوسط سعر النفط الى 20 دولاراً للبرميل عام 2001 اي ان ايرادات دول المجلس ستزيد على 225 مليار دولار عامي 2000 أو 2001 مقابل 140 مليار دولار عامي 1998 و1999. ويشدد الخبير الاقتصادي الدكتور هنري عزام على ضرورة اتخاذ دول الخليج قرارات حاسمة فيما يتعلق بإعادة هيكلة اقتصادها وتنويع مصادر الدخل وألا تترك هذه العملية تحت رحمة تطورات سوق النفط. ويضيف )قرار المضي قدما بعملية الاصلاح يجب ان يكون قرارا استراتيجيا نابعاً من قناعة شديدة بأهمية هذه العملية وليس مجرد قرار ظرفي يتخذ كلما انخفضت الايرادات النفطية ثم يترك على الرف بعد ذلك(. ويؤكد الخبراء على ضرورة قيام دول المجلس باصلاحات جذرية في قوانين الاستثمار الاجنبي وخصوصا شرط الشريك المواطن الذي تتخذه الدول الصناعية ذريعة لترددها في ضخ رساميل في مشاريع صناعية وانتاجية في المنطقة. ويشير هؤلاء الى ان مثل هذه الاستثمارات تشكل الركيزة الاساسية لجهود دول الخليج في تنويع مصادر الدخل, اذ ان ذلك سيساعدها في الحصول على التكنولوجيا اللازمة لبناء قاعدة صناعية كبيرة بدلا من اقتصارها على الصناعات الخفيفة التي لا تزال تشكل جزءا يسيرا من الصناعات القادمة في قطاع الطاقة. وقد تتعرض الدول الصناعية الرئيسية لانتقادات عديدة من قبل دول الخليج لعزوفها عن الاستثمار فيها على اساس ان رؤوس الأموال الخليجية متركزة في دول الغرب التي عليها ان تبادلها المعاملة بالمثل. وحسب احصائيات مصرفية فإن اصول دول مجلس التعاون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تربو على 350 مليار دولار, في حين لا تزيد الاستثمارات الأمريكية والأوروبية في منطقة الخليج على 15 مليار دولار. كما ان هذه الاستثمارات اضافة الى رؤوس الأموال اليابانية في الخليج متركزة في قطاع الطاقة والخدمات وليس في مشاريع صناعية غير نفطية على الرغم من قناعة الدول الصناعية بجدوى الاستثمار الصناعي في منطقة الخليج, نظرا لتوفر العمالة والطاقة الرخيصة ووقوع المنطقة في قلب سوق استهلاكي ضخم يزيد على مليار نسمة. ويعرب المحللون عن اعتقادهم بأن مشاريع الغاز التي تنفذها بعض دول المجلس وخاصة قطر وسلطنة عمان ستشكل ركيزة اساسية في عملية التنويع الاقتصادي, لأنها ستدر عليها دخلا كبيرا مستقرا الى حد ما, وتفتح المجال امام المواطنين لايجاد وظائف وامام الحكومة للانفاق اكثر على مشاريع انتاجية. الا انهم يعتبرون ان مثل هذه المشاريع لن تكون كافية وحدها في عملية تسريع الاقتصاد لأن القطاع الخاص المحلي لايزال غير مسموح له بالدخول في تلك المشاريع. ويقول عزام (بإمكان حكومات دول الخليج ابقاء قطاع النفط والغاز تحت سيطرتها, لكن عليها مسايرة الواقع والتوجه السائد في معظم دول العالم والتنازل عن القطاعات الاخرى لصالح القطاع الخاص). ويضيف (لاشك ان ذلك سيسهل مهمة القطاع الخاص في قيادة عملية التنمية وفي نفس الوقت يتيح للحكومات الدخول في مشاريع جديدة تسهم الى جانب القطاع الخاص في تحقيق نمو حقيقي مستمر, وبدون ذلك فستبقى تدور في دوامة الحديث عن التصحيح).