قد لايتصور البعض حجم الفائدة الحقيقية التي ستعود على قطاعي التعليم والثقافة بمختلف دول العالم خاصة الدول النامية لو تم اقتطاع جزء ولو بسيط من ميزانيات التسلح بتلك الدول لصالح هذين القطاعين. من أجل ذلك فإن الدعوة التي اطلقها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بتخصيص 20% من ميزانيات التسليح بدول العالم لتدعيم التعليم والثقافة ــ خلال كلمته التي ألقاها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد بمدينة دافوس ــ يكتسب أهمية أكبر عندما نعرف ان هذه الـ 20% تترجم مادياً الى رقم يبلغ قيمته 150 مليار دولار سنوياً. فعلى الرغم من انخفاض الانفاق العسكري العالمي خلال الأعوام العشرة الماضية بنسبة 40% بسبب انتهاء حقبة الحرب الباردة وتقليل قوات حلف الناتو, الا ان الانفاق العسكري مازال يمثل عبئا كبيراً على دول العالم لاسيما الدول النامية. وحسب مصدر في وزارة الخارجية البريطانية فان حجم الانفاق العسكري العالمي حالياً يبلغ نحو 750 مليار دولار سنوياً وهذا المبلغ الضخم يعادل ديون 40 دولة من دول العالم الفقيرة. والغريب ان الانفاق العسكري في الدول النامية والذي يشكل مبالغ ضخمة يأتي على حساب الانفاق على الخدمات الاساسية وأبرزها التعليم اذ تبلغ نسبته في بعض الدول أكثر من 40% في المتوسط, وتخصص الدول النامية جزءاً كبيراً من ميزانياتها السنوية للانفاق العسكري والتسلح على حساب الاستثمار والقضاء على الفقر. وعلى سبيل المثال فإن كلاً من الهند وباكستان تنفقان 20 مليار دولار سنوياً على التسلح ويمتلكان من الجنود ضعف أعداد الأطباء بحوالي ستة مرات, كما انفقت السودان ثلث الناتج المحلي الاجمالي للدولة على التسلح خلال الأعوام الماضية. كذلك الحال بالنسبة للدول العربية التي تعتبر في مجموعها من أكثر دول العالم إنفاقاً على السلاح حيث انفقت 8.8 % من ناتجها المحلي الاجمالي على جيوشها في عام 1998 وحده.. بينما بلغت نسبة الأمية في اوساط البالغين العرب 35% في العام نفسه!! وفي دول غرب آسيا (اسكوا) والبالغ عددها 13 دولة منها الدول الخليجية بلغ الانفاق على شراء الاسلحة في عام واحد 7 .12% في المتوسط من الناتج المحلي الاجمالي وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي للانفاق على السلاح وهو 4% من الناتج المحلي الاجمالي. كذلك الحال في دول آسيا الاخرى حيث تتكاثر الطلبات على شركات الأسلحة, حيث زادت تايلاند من انفاقها العسكري بنسبة 26% خلال عام واحد ورفعت سريلانكا انفاقها العسكري بنسبة 52%. من هنا نستطيع ان ندرك أهمية الاقتراح الذي قدمه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, خاصة انه نابع من شخصية قيادية مرموقة تتفاعل عندها المبادرات والانجازات, والقدرة على تحفيز الابداع, والهام المبدعين.. فهو وزير للدفاع ويعرف كافة تفاصيل عمليات التسلح والانفاق العسكري في الوقت الذي يعتبر فيه الأب الروحي للاقتصاد الجديد في دبي, وصاحب مبادرات الاهتمام بالموارد البشرية, والتحول الى التجارة الالكترونية, وهو الذي يساند رجال الأعمال وشركات القطاع الخاص في القيام بدورها على أكمل وجه.. لذا فان الدعوة جاءت مباشرة وتمس وتراً مهماً وبالغ الحساسية. والأكثر من ذلك فإن الاقتراح يحمل في طياته العلاج والحل الأمثل نحو عالم أفضل. سـامي الريامـي