الادراك الواعى للتحدى يحدد موضوعيا سلامة الاستجابة. هكذا أشار المؤرخ البريطانى الكبير ارنولد توينبي فى دراسته الشهيرة لتاريخ الامم والحضارات. وهذا الادراك الواعى لنوعية التحدى الذى يواجه شعبنا وأمتنا, ويواجه البشرية كلها وهى على أعتاب قرن جديد.. هو الذى يضفى مزيدا من المصداقية على الكلمة الجامعة التى وجهها أمس الأول الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع الى ملتقى دافوس فى سويسرا. هى مصداقية مستمدة بالدرجة الأولى من الوعى الموضوعى بابعاد التحديات ومن الادراك العلمى لنوعية هذه التحديات ومداها قبل أن تكون مستمدة من العبارات البليغة أو الشعارات المنمقة. لقد أصبحنا جزءا من عالم جديد, وشجاع على نحو مايؤكد الكاتب البريطانى (جون وولش) شجاعته ليست مستمدة من ترسانات الأسلحة.. ولكنها تنبع من واقع الانجازات العلمية والفتوحات التكنولوجية التى استطاعت البشرية أن تحققها عبر عقود القرن الماضى الى أن وصلت بالعالم الى ضفاف الظاهرة التى تطلق عليها مصطلح (العولمة). ولقد جاءت كلمات سمو الشيخ محمد بن راشد موفقة كل التوفيق حين ربطت بين العولمة وبين التغيير بايقاعه السريع الذى يطرأ على العالم, وبكل ما ينطوى عليه هذا التغيير غير المسبوق فى تاريخ البشر من منجزات ثورة الاتصالات وثمار ثورة المعلومات ومن التنامى المطرد لعمليات التجارة الالكترونية التى اتاحت لرأس المال الفكري والنقدى سبل الحركة السريعة.. الدؤوبة والطليقة التى تتم كل صباح حول أركان الكرة الأرضية, وكأنها تحاكى حركة الأفلاك والاجرام فى فضاءات الكون الفسيح الذى أبدى الخالق عز وجل وسخره بأكمله لخدمة الانسان. أن القراءة المتأملة فى الأفكار التى طرحها سمو ولى عهد دبي, وفى الكلمات التى جاءت تجسيدا لها تقودنا الى تسجيل عدة من الملاحظات المهمة التى نلخصها بتكثيف شديد فيما يلى: أولا: انها تمثل صياغة جديدة واعدة لمضمون الخطاب السياسى العربى بعيدا عن أسلوب التعميمات والبلاغيات التى تحلق من فوق الواقع الموضوعى دون أن تلامسه, أو هى تلتف من حول مشكلاته وهمومه دون أن تتفاعل معها. ثانيا: ان هذه الموضوعية فى الطرح أفضت بدورها الى سلامة التشخيص الذى لخصته كلمات سموه فى أن ثمرة فجوة مطلوب تجسيدها بين الدول الصناعية, المتقدمة وبين مجموعة الدول النامية التى ينتمى اليها شعبنا العربى. وقد جاء خطاب محمد بن راشد فى هذا السياق معبرا عما يجول فى ذهن الكثيرين من قادة وزعماء العالم الثالث النامى حيث حذر رئيس تنزانيا فى كلمته يوم الجمعة الماضى من الاتساع المستمر لهذه الفجوة التى أطلق عليها وصف (الهوة الرقمية) وطالب بدوره بحصول الدول النامية على نصيب عادل, ومتكافئ من ثمار ظاهرة العولمة حتى لا تظل وقفا على الأطراف الموسرة أو المتقدمة فى هذا العالم. ثالثا: أن خطاب دولة الامارات نبه بحق الى أهمية التركيز على التعليم بوصفه المفتاح الاساسى, ان لم يكن الوحيد, لردم هذه الثغرة الفاصلة, بين عالم التقدم وعالم التخلف. ولقد بلغ أمر اتساع هذه الثغرة بحكم سرعة انجازات العلم والتكنولوجيا فى شمال العالم وغربه بالخبرات الحد الذى اضحت فيه الكرة الأرضية منقسمة على حدتعبير المفكر الأمريكى (كريستوفر فلافن) الى (عالمين) بل ان هذا الانقسام قد يكون داخل البلد الواحد: بين قطاع متقدم.. قادر ومزدهر من السكان فى مقابل قطاع هو الأغلبية فى معظم الأحوال مازال يعيشن أو يتعيش, واقعا فى ربقة الفقر والتخلف والأوبئة والكوارث الطبيعية, والتهميش أو الاستبعاد وهو مايهدد السلام والاستقرار الاجتماعى على السواء فى هذا الاطار بحق للدول النامية وفى مقدمتها شعوب امتنا العربية وعالمنا الاسلامى ان تلتفت حول دعوة سمو الشيخ محمد بن راشد الى تخصيص نسبة 20 فى المائة من ميزانيات التسلح لصالح تعزيز التعليم ودعم الثقافة. وطالما حفلت أدبيات منظومة الأمم المتحدة بهذه الدعوة وبخاصة بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها فى عقد التسعينات الماضى وبدأ (العالم الجديد الشجاع) يتطلع الى آفاق جديدة يبشر بها المستقبل وتنطوى على تحويل جزء من موازنات التسلح لصالح التنمية المستدامة التى يعد الانسان محورها وهدفها الاساسى وهو ما أطلقت عليه أدبيات الأمم المتحدة أيضا (عائدات السلام). وفى مجال التعليم بحكم اهميته الجوهرية الحاسمة لعمليات التنمية فى بلادنا.. نلفت النظر الى أن بلدا متقدما كالولايات المتحدة الأمريكية ذاتها أدركت منذ عقدين من الزمان تخلف شبابها عن اقرانهم من طلاب العلم فى اليابان وبعض اقطار أوروبا ولاسيما فى تخصصات العلوم الفيزيائية والرياضيات وهى العلوم الأساس فى تحديث أى نظام تعليمى. ويومها أصدر الأمريكيون تقريرهم عن ضرورات اصلاح التعليم العام والجامعى فى بلادهم بعنوانه الشهير (أمة فى خطر) ثم عكفوا على تنفيذ توصيات عبر سنوات عدة من العمل افضت فى عام 2000 الماضى الى ردم الثغرة المعرفية التى كانت فاصلة بين شبابهم وبين نظرائهم من ابناء امم اخرى فى أوروبا الغربية واليابان. رابعا: سمو الشيخ محمد بن راشد يقف فى كلمته عند عدد من القضايا الجوهرية التى باتت الآن تحتل مواقع الأولوية من أجندة المهام الدولية أ و فى الكوكبية فى القرن الحادى والعشرين. لقد تحدث عن تعميق المشاركة الشعبية ماقد تترجمه الأدبيات السياسية المعاصرة بمصطلح (التمكين) الذى يقتضى اتاحة الفرصة امام كل قطاعات المجتمع المعاصر وفى مقدمتها الشباب من الجنسين للتزود بآخر المستجدات فى مضمار العلم وا لتكنولوجيا ولاقتحام مجالات الحواسيب وعلوم الفضاء والتجارة الالكترونية وفن تنظيم المشاريع وتحقيق الذات الابداعية وفسح المجالات امام التعبير الحر عن الرأى من خلال تطوير مؤسسات المجتمع المدنى والتمثيل النيابى.. الى اخر السبل التى تكفل تحقيق التقدم بعد ان أصبح التقدم فى عصرنا عملية تتضافر الجهود الجماعية فى انجازها ولم يعد مجرد قرار يصدره فرد مهما بلغت مكانته ولا اجراءات تقوم بها نخبة فى أى موقع من مواقع الحكم أو القيادة. خامساً: تحدث سموه عن توخي الشفافية بوصفها جزءا من عملية التمكين والمشاركة الديمقراطية و الشفافية تعنى علنية الاجراءات الممتدة لصالح المجتمع وتعنى الوضوح فى تحديد الهدف والمكاشفة بالخطأ, تمهيدا لتحديد مكامنه ومعالجة آثاره بشجاعة الاعتراف بان الخطأ أمر انسانى بالدرجة الأولى. والمكاشفة تعنى ايضا التواصل فى حرية ووضوح بين الحاكم والمحكوم.. والشفافية هى العلاج الناجح أو هى البلسم الواقى من آفات الفساد أو الانحراف وهى الكفيلة ايضا بادارة عملية المنافسة بين قطاعات الانتاج والخدمات العامة أو الخاصة, الوطنية أو الأجنبية.. على اسس شريفة.. متكافئة ورشيدة وفعالة. سادساً: ان هذا الوضوح فى الرؤية.. هو الذى افضى فى دبى الى تحديد الهدف الذى تجسد فى توسيع قاعدة تقنية المعلومات فى اطار الغاية الأشمل التى تتمثل بدورها فى تسهيل انتقال مجتمعنا الى الاقتصاد الجديد القادر على التفاعل مع ظاهرة العولمة: مستجداتها.. وانجازاتها وتحدياتها على السواء. وفى ضوء هذا الهدف المحدد بوضوح.. جاءت برمجة الانجاز المنشود فى اطار جدول زمنى يستغرق كما أوضح سمو الشيخ محمد بن راشد فى دافوس 18 شهرا.. بل جاء هذا الجدول المبرمج على شكل تكليف حازم لمدراء الدوائر.. مديرا ناجحا وقادرا على هذا الانجاز الوطنى.. أو.. لا يكون. سابعاً: واذا كان خطاب سمو الشيخ محمد قد قصد بالأمس الى التعبير عن رأي الامارات فى دافوس العالمى الذى ضم 110 من رؤساء الدول والحكومات ومن الوزراء وكبار المسئولين فضلا عن المئات من أركان السياسة وفعاليات التجارة والأعمال فى العالم كله فنحن نتصور ان الخطاب جاء موجها فى الوقت نفسه الى ابناء شعبنا فى دولة الامارات التى لم تكن تملك شيئا منذ 30 عاما كما أوضح سموه.. الى أن قادها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الى آفاق المكتسبات الحضارية والنهضة الشاملة والسمعة الطيبة على الصعيدين العربى والدولى. ان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع يخاطب أسمى مستويات الوعى وارفع درجات الشعوب بالمسئولية بين ابناء شعبنا.. خاصة أجيال الشباب والكوادر التى أصبحت مؤهلة بفضل العلم والخبرة والمعرفة لكى تتضافر أيديها وتتراص صفوفها للمساهمة فى تحقيق التنمية المستدامة لهذا الشعب العربى الكريم. اننا نكتب هذه السطور فى ضوء المبدأ الجوهرى الذى طرحه وأكد عليه أحد كبار الاقتصاديين فى عصرنا هو المفكر الهندى البروفيسور (أمارتيا سن) الحاصل على جائزة نوبل, الذى قال بأن التنمية هى المرادف الموضوعى للحرية الحقيقية. من هنا فقد جاءت كلمات من سمو الشيخ محمد بن راشد فى دافوس معبرة بحق وصدق عن تصميم شعبنا بكافة قطاعاته وعلى اختلاف مستوياته على أن يسرع الخطى على طريق التحدى الذى يبدأ بالتسلح بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا.. وصولا الى تحقيق الحرية التى تعد الهدف الأسمى للبشر على اختلاف الأمم والشعوب. (البيان)