ودعت شعوب العالم القرن الماضي بموجة واسعة من الانتقادات التي اخذت, وبصورة غير مألوفة اشكال العنف الضاري في شوارع تلك المدن التي احتضنت اجتماعات مؤسسات وأطر ما بات يعرف بالنظام العالمي الجديد. ولعل المفاجأة الاكبر كانت في ان تلك المظاهرات الصاخبة التي صب المحتجون فيها جام غضبهم على مؤسسات كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونجحوا في تعطيل اجتماعاتها وهاجموا بشراسة كل ما وقع في طريقهم من فروع لشركات ومؤسسات تابعة للشركات المتعددة الجنسية, قد حدثت في تلك الدول التي دعت وعملت على انشاء مؤسسات هذا النظام طيلة القرن الماضي والتي اصبحت تسيطر على ادواته او تسخرها له بصورة شبه كاملة منذ النصف الاخير من القرن العشرين. حيث لم يكن يخطر ببال اكثر المتشائمين والمتفائلين معاً ان تتوحد هواجس ومخاوف شعوب الارض في الدول الصناعية المتقدمة وهي ترى ان العولمة قد باتت سبباً لخلق اندماجات وانهيارات وازمات كبرى تهدد الملايين بفقدان وظائفهم في الوقت الذي تدر فيها على اصحاب الشركات متعددة الجنسية مزيداً من الارباح والثراء, مع هواجس تلك المعاناة المتعددة الوجوه والابعاد التي تصرح بها شعوب وحكومات الدول النامية والتي تجد ان العولمة تطبق عليها وتجعلها تزداد فقراً وجوعاً وتخلفاً يوماً بعد يوم مع كل شرط ولائحة واتفاقية تضعها وتفرضها عليها تلك المؤسسات. وبالتأكيد فان هناك العديد من الدوافع والاسباب الاخرى التي كانت وما زالت وراء خلق تجمعات او هيئات او قوى ضاغطة لمواجهة المؤسسات العالمية في القرن الماضي كمجموعات حماية البيئة وحركات مكافحة الفساد وجماعات حقوق الانسان وغيرها الى جانب المواقف الحكومية للبلدان النامية والفقيرة التي تسعى الى تقليل آثار العولمة على مجتمعات شعوبها والتي تهدد امنها الاجتماعي واستقرارها السياسي. ولقد دفعت هذه التطورات الى ارتفاع العديد من الاصوات وتجديد دعوات كانت ضعيفة سابقاً الى ان تطفوا بقوة الآن منادية الى ضرورة مراجعة الاسس الفلسفية والاطر الهيكلية والتنظيمية للمؤسسات العالمية العاملة حالياً والتي انبثقت منذ منتصف اربعينات القرن الماضي في اعقاب الحرب العالمية الثانية تحت مظلة الامم المتحدة او في اطارها بما يتلاءم مع المتغيرات التي اجتاحت العالم خصوصاً في السنوات العشر الاخيرة من القرن العشرين. فعلى الرغم من بعض النجاحات التي حققتها بعض منظمات ووكالات الامم المتحدة المتخصصة في تنفيذ برامجها كتلك الجهود التي انجزتها منظمة الصحة العالمية واليونسكو واليونسيف وصندوق الامم المتحدة للسكان وبرنامج الامم المتحدة الانمائي وغيرها, إلا ان هناك قناعات متصاعدة بان هناك قصوراً متزايداً في مجمل نظام الامم المتحدة عموماً ومؤسساتها الاقتصادية خصوصاً وعجزها عن تلبية الاحتياجات المتفاقمة الفعلية لشعوب العالم, واكثر هذه الانتقادات تدور حول سطوة نفوذ الدول الصناعية والكبرى على هذه المؤسسات وضعف اعمال المتابعة وتدني درجات الالتزام والاخفاق في توليد ما يلزم من تعبئة وتنظيم وتوفير الموارد لدعم اجراءات دولية عاجلة مطلوبة لحل الازمات المختلفة التي تعصف بشعوب العالم. ويدور في اروقة الامم المتحدة ومنظماتها حديث (يتصاعد مع حدوث الازمات والانتقادات) منذ عدة سنوات, عن تزايد قناعات دول العالم على ضرورة العمل على تغيير واقع الحال الذي آلت اليه تلك المؤسسات وانشاء نظام عالمي جديد تديره مؤسسات عالمية اكثر كفاءة وفاعلية للقرن الحادي والعشرين وتجاوز الفشل الذي لحق حتى الآن بالمؤسسات القائمة (كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية) في تجنب ومعالجة الازمات وفي تضييق التفاوتات العالمية في الدخل او الحد من الفقر العالمي وضرورة العمل على تحديد بنود وآليات جديدة للمساعدات الثنائية والمتعددة الاطراف وفقاً لاهداف وطنية وعالمية متفق عليها من قبل المانحين والمتلقين للمعونة معاً تأخذ بعين الاعتبار تحديد الصلة الواضحة بين المعونة والاهداف بحيث لا يتم استخدام أي منها ضد المصالح الحيوية لاطرافها. وتتبلور في هذه المنظمات ببطء منذ عدة سنوات توجهات تدعوا الى الاستجابة الى هذه المطالب على ان يتم اعطاء الاولوية لثلاثة امور هي: ــ خلق نظام مؤسسي جديد معزز للامم المتحدة في التنمية البشرية المستدامة. ــ انشاء مجلس للامن الاقتصادي للتعبير عن مفهوم اوسع كثيراً للامن العالمي. ــ اعادة تشكيل المؤسسات القائمة وتعزيزها من اجل ادارة الاقتصاد العالمي. ومن المعتقد ان الاستراتيجية الممكنة الوحيدة لتحقيق ذلك هي توسيع نطاق المؤسسات القائمة تدريجياً للاستجابة الى متطلبات وتحديات القرن الحادي والعشرين. حيث من المقترح مثلاً ان يتم تطوير آلية واهداف صندوق النقد الدولي ليتحول الى مصرف مركزي عالمي من اجل تحقيق الاستقرارالمالي العالمي وذلك من اجل ادارة الاقتصاد الكلي ادارة سليمة وتحقيق الاستقرار المالي العالمي ومساعدة اقتصاديات الدول الفقيرة, والاتجاه نحو منح القطاع الخاص دوراً اكبر في آلية عمل هذا المصرف كمنحه حق المشاركة في ادارته وحق الاستفادة من حقوق السحب الخاصة بواسطة المصارف التجارية مباشرة. ونظراً لان هناك انخفاضاً ملموساً في عمليات توفير وانتقال الموارد اللازمة من الدول المتقدمة الغنية لتمويل التنمية في البلدان النامية والفقيرة وبهدف معالجة الشكوى المتكررة من عدم عدالة توزيع الحصص من تلك الموارد بين تلك البلدان, فان التفكير يتجه نحو وضع نظام وآلية جديدين من اجل اعادة تدوير الفوائض العالمية ونقلها الى البلدان النامية من خلال تطوير نظام وآلية البنك الدولي ليلعب دور مؤسسة استئمانية دولية جديدة للاستثمارات وانشاء مرفق جديد للقروض الدولية يتجاوز مشكلة نظام التصويت المعمول فيه لدى البنك الدولي حالياً والذي يعطي الولايات المتحدة الامريكية الفرصة لتحديد حجم واتجاه تلك القروض. ومع اعتراف صناديق الامم المتحدة للتنمية وهي برنامج الامم المتحدة الانمائي واليونسيف وصندوق الامم المتحدة للسكان والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) وبرنامج الاغذية العالمي بالحاجة الى تعزيز جهودها وتنسيق استراتيجياتها فقد برزت دعوات لانشاء جهاز انمائي دولي اكثر تكاملاً وفاعلية وكفاءة واقتراح قيام وكالة مندمجة للتنمية البشرية تاخذ على عاتقها تحقيق اهداف التنمية البشرية المستدامة. ونظراً للدور الهام والمتعاظم لمنظمة التجارة العالمية وبروز قوى اقتصادية عالمية وطنية واقليمية جديدة في ظل اتفاقيات المنظمة التي خلقت واقعاً اقتصادياً عالمياً جديداً مثيراً للجدل فانه قد اصبح ينظر الى ضرورة ان تناط بها مسئوليات جديدة كالمساعدة في خلق اطار للتفاوض على انواع جديدة للتعاون الانمائي مثل التعويض عن الاضرار الناجمة عن تطبيق اتفاقياتها وتوسيع المنظمة لتشمل التجارة والانتاج لتغطي تحويلات الاستثمارات التكنولوجية وإلا فان مزيداً من الشكوك سوف تستمر حول عدالة اهداف هذه المنظمة وملاءمتها لتطلعات الشعوب بالازدهار والتنمية مقارنة بالنتائج غير المشجعة التي نجمت عنها حتى الآن. ونتيجة للتاريخ غير الودي بين الشركات متعددة الجنسية وشعوب العالم خصوصاً في البلدان النامية وامتداد هذه المشاعر لشعوب الدول الصناعية التي تنتمي اليها تلك الشركات التي اصبحت تتحكم حالياً باكثر من 70%من التجارة العالمية, فقد اصبحت هدفاً لجماعات الضغط ومؤسسات المجتمع المدني العالمية من اجل الزام تلك الشركات بالمشاركة في تحمل المسئولية الاجتماعية تجاه الشعوب والمجتمعات وفرض معايير اخلاقية على انشطتها . ومن هنا انطلقت الدعوات لايجاد سلطة عالمية مناهضة للاحتكار يكون اساسها اكمال مدونة الامم المتحدة لقواعد السلوك للشركات عبر الوطنية التي تم التفاوض عليها الآن بعد اكثر من 20 عاماً. ولقد استطاعت مؤسسات المجتمع المدني من تحقيق احدى مطالبها الرئيسية الخاصة بالدعوة الى وضع اسس دولية لمكافحة الفساد والتعريف به من خلال تاسيس منظمة الشفافية الدوليةعام ,1993 ولكن الاتجاه العام الان ينصب نحو تطوير عمل هذه المنظمة لتغطي حالات الرشوة والفساد التي تمارسها الشركات المتعددة الجنسية والتي لا يغطيها التقرير الصادر عن المنظمة بسبب عدم وجود جنسية محددة لتلك الشركات. كما يتبلور ببطء اتجاه واضح لتطوير عمل مجلس الارض الذي انشيء في اعقاب مؤتمر ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992ليتحول الى منظمة عالمية للبيئة تعنى بالبيئة العالمية وتنسق آليات وبرامج حماية البيئة الموزعة الآن على عدد كبير من الاتفاقيات والهيئات وحل النزاعات الناجمة عنها. واخيراً لا بد من الاشارة الى تنادي الى انشاء شبكة عالمية للسلامة الاجتماعية وادخال نظام ضريبة عالمية على الدخل وعلى تحركات النقد الاجنبي كمصدر محتمل لتمويل الامم المتحدة ووكالاتها. هذه بعض ملامح مؤسسات العالم الجديدة في القرن الجديد , فهل تدرك حكومات الدول العربية اهمية وخطورة الجهود والاجراءات التي تجري لقيامها وتسارع الى رصدها والانخراط فيها للمشاركة في خلقها ضماناً لمصالح الشعوب العربية؟ أم انها ستترك الحبل على الغارب كما حصل في مفاوضات جولة الارجواي وتأسيس منظمة التجارة العالمية لنعود فنلهث وراء الانضمام اليها بشروط ليس للعرب يد فيها ولا قدرة لهم على تغييرها؟!! بقلم: مازن شيحا باحث اقتصادي أول اتحاد غرف التجارة والصناعة