في زخم المتغيرات الأولية الكبيرة, وفي خضم معركتنا الاساسية مع الصهيونية والتي بلغت ذروتها في انتفاضة الاقصى المباركة الحالية, يأتي التعاون الاقتصادي المصري العراقي, منسجماً مع روح العصر ومنطق التاريخ وعقيدة الأمة, لا لكونه يمثل درجة متقدمة من التعاون الاقتصادي وحسب وانما لكونه ايضا يمثل ارضية مهمة للتوحيد السياسي. ان توقيع البروتوكول التنفيذي لاقامة منطقة التجارة الحرة بين البلدين مصر والعراق يوم 18 الجاري, والذي تم بموجبه الغاء جميع الرسوم الجمركية والضرائب الاخرى ذات الاثر المماثل والسارية والمعمول بها في كل من البلدين والمطبقة في 31/12/2000 على جميع السلع المتبادلة بينهما ذات المنشأ الوطني. تقول ان هذا البروتوكول يهدف الى جملة أمور أهمها: ــ زيادة التبادل التجاري بين البلدين ورفعه من مليار دولار في عام 2000 الى 2 مليار دولار هذا العام وربما الى أكثر من ذلك بكثير في الأعوام التالية. ويجب الا يغرب عن بالنا ان ادبيات ونظريات التجارة الخارجية ومنذ عهد الكلاسيك (أواسط القرن الثامن عشر) وحتى يومنا هذا تؤكد على ان حرية التجارة الخارجية تؤدي الى زيادة الناتج القومي لكلا الطرفين ــ بغض النظر عن ايهما يحقق النسبة الأكبر وذلك مقارنة مع عدم وجود تجارة خارجية بينهما من نظرية آدم سمث ــ المنفعة المطلقة ــ الى نظرية ريكاردو ــ المنفعة النسبية ــ الى نظرية جون ستيوارت من ــ نظرية القيم الدولية ــ كلها لاتزال مماثلة وحاضرة معنا الى يومنا هذا, ان الحظر في تطبيق مثل هذه النظريات يكمن عندما يتعلق الأمر بدولة نامية ودولة متقدمة ـ عندئذ ستتجه الدول النامية فقط نحو انتاج السلع الأولية والاستخراجية التي لها فيها عادة ميزة مطلقة أو نسبة على الدول المتقدمة وتترك التصنيع الذي هو عماد التقدم. ــ تمهيد الطريق نحو نقل العمالة المصرية الى العراق وبالملايين حيث ان سوق العمل العراقي سيستوعب مثل هذه الاعداد بعد فك الحصار واطلاق عجلة الاقتصاد العراقي التي تسير على طاقة انتاجية تقارب الـ 7 ملايين برميل من النفط يومياً وعلى أكبر احتياطي نفطي عالمي بعد السعودية 113 مليار برميل, يكفي لعمر انتاجي يزيد على 100 عام وباحتياطيات هائلة من الكبريت والفوسفات, وبطاقة زراعية معتبرة فالعراق يختزن حوالي 40% من اجمالي كتلة المياه العربية وبرقعة زراعية هامة لمساحة جغرافية تقارب نصف مليون كم مربع, ان اقتصادا بهذا الوضع سيلعب دوراً ريادياً في الاقتصاديات العربية ان حاضراً أو مستقبلاً. وبالمقابل فان الاقتصاد المصري يعاني ازمات مستمرة ولو أنها متقطعة ومنذ عهد الانفتاح أواسط السبعينات والى اليوم هناك اربع مشاكل رئيسية تواجه هذا الاقتصاد وهي: ــ تزاحم السكان على رقعة محدودة من الارض, لدرجة ان قانون القلة المتناقص يفعل فعله (ان سحب اعداد كبيرة من العاملين في القطاع الزراعي لاينقص الناتج الكلي). ــ تراجع الاهمية النسبية للنفط بسبب ضآلة الاحتياطيات المكتشفة 5 .3 مليارات برميل اخرى وتدني الاسعار. * تراجع عائدات القطاع السياحي بفعل عامل الأمن. ــ المساعدة في تسريع فك الحصار عن العراق كلياً. لاشك ان هذه الاتفاقية ستساهم في تآكل الحصار داخلياً وعربياً, وتستطيع مصر ان تلعب دوراً هاماً في تذويب هذا الحصار حتى على المستوى العالمي. ــ تنقية الاجواء العربية تلك التي تلبدت وتسممت بعد عام 1990 وصولاً الى تسوية الخلاف العراقي الكويتي. ــ فتح الطريق للدول العربية الاخرى للانضمام الى هذه الاتفاقية, ومن المؤمل ان تلتحم سوريا قريباً ــ وتدعمها الاردن ــ وبذلك يتم تشكيل دولة الطوق الاقتصادية, وليس من المستبعد أن يعاد تفعيل المقاطعة الاقتصادية العربية لكيان الصهيوني بشكل أو بآخر. لاشك ان هذه الاتفاقية ــ ان قدر لها النجاح والاستمرار ــ ستحقق جملة مزايا اقتصادية وسياسية, وستعيد الثقة مجدداً الى المواطن العربي, ذلك المواطن الذي اصبح مجروحاً في كبريائه وكرامته من خلال الصدمات الهائلة التي يتلقاها. ان هذه الاتفاقية رد بالحد الادنى على جملة التحديات ولكن بالمقابل يجب الا تنسينا أو تبعدنا عن الهدف المركزي الحالي المتمثل في دعم ثورة الحجارة, ومساندة انتفاضة الاقصى الى اقصى حد ممكن. ويجب ان يدرك الجميع ان الانتفاضة ستستمر بعونه تعالى وستخلق متغيرات جديدة في المنطقة. أ.د. محمد عارف كيالي استاذ الاقتصاد الجامعي