لا يملك المرء عندما يستمع لحديث الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع الا ان يشحذ مشاعر الحب والاحترام وفيض التقدير لهذا القائد العظيم المفعم بكل صفات القيادة العصرية الناجحة. ففي كلمته التي ألقاها أمام منتدى (دافوس) الاقتصادي الدولي جمع سموه بين بيان الكلمة كشاعر ملهم فصيح وبين رؤية القائد الواعي الحكيم المدرك لما يدور حوله من متغيرات اقتصادية وسياسية على مستوى العالم وما يتطلبه ذلك من تغيير وتكيف. كما جمع سموه بين رؤيته الاقتصادية كخبير خاض عدة تجارب اقتصادية وبين رؤية القيادات السياسية والاقتصادية من ناحية وبين رؤية الاقتصاديين اصحاب النظريات والفكر الاقتصادي كعلماء ايضا. فالمرء يقف مندهشا امام نسق الحديث الذي يتحدث به سموه ويعجب بالفعل للسياق المتزن الذي يطرح به سموه رؤيته الشاملة والعامة المتكاملة للأوضاع الاقتصادية المحلية منها والاقليمية والدولية. فها هو يدعو العالم اجمع لكي يتخذ من تجربة الامارات التي كانت تعتمد اعتمادا يكاد يكون كليا على النفط ثم أصبحت رويدا رويدا تعتمد على قطاعات اقتصادية اخرى كالصناعة التحويلية والتجارة والسياحة والخدمات والزراعة وكل ذلك بفضل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله واخوانه أصحاب السمو الحكام لكي تتخذ منها نموذجا حيا يحتذى به. ثم ينتقل سموه بعد ذلك ليدعو العالم للاستفادة من تجربة دبي كنموذج آخر حي على ارض الواقع, فيخاطب سموه العالم أجمع بأن يولي اهتماما أكبر للتعليم والبحث العلمي على حساب الميزانيات العسكرية, وهذه الرؤية هي ذاتها التي ينادي بها الاقتصاديون من خبراء وعلماء وأكاديميين, فها هو يقترح للعالم اجمع اقتطاع نسبة 20% من الميزانيات العسكرية لتوجه الى قطاع التعليم ومساعدة الدول النامية. ولو لم يقل سموه في كلمته سوى هذه العبارة لكانت لوحدها بيانا اقتصاديا كافيا ووافيا, حيث ان الرقم 20% لم يأت من فراغ أو مجرد تقدير حدسي وإنما توجد بالفعل دراسات اقتصادية علمية ولمشاهير العلماء عندما طرحت مثل هذا الموضوع كانت مقترحاتها تدور بالفعل حول ذات النسبة, حيث تشير الاحصائيات الى ان نسبة المشتغلين في البحث العلمي والتطوير في الدول الصناعية تصل الى حوالي 92% على مستوى العالم, في حين لا تتجاوز نسبتها في الدول النامية 8% من الاجمالي العالمي. وكذلك حال الانفاق على البحث العلمي, فالدول النامية تنفق ما نسبته 2 .0% من اجمالي الدخل القومي على عمليات البحث العلمي والتطوير في حين تصل النسبة (من 2% الى 6%) في الدول الصناعية. أما الانفاق على البحث العلمي في الدول الصناعية كنسبة من الميزانية العامة للدولة (يتراوح ما بين 20% الى 50 %) في حين لا يتعدى في ميزانيات الدول النامية 5 .0% على أحسن تقدير. ومن هذا المنطلق فإننا بالفعل لابد وان نزن كلمة سموه بالمثقال الذي يوزن فيه الذهب وذلك نظرا لأهميتها البالغة, فهي جامعة مانعة ومعبرة لخص فيها سموه كل ما يريد علماء الاقتصاد ان يقولوه من اجل تفعيل النظام العالمي الجديد القائم على الانفتاح وحرية التجارة, فكيف للمجتمعات والدول النامية ان تواكب المتغيرات والمستجدات العالمية مع انتشار الفقر والجهل وتفشي الامراض والمجاعات ووجود الانفاق العسكري الضخم على حساب لقمة العيش وأساسيات الحياة, وكيف للعالم ان يتأقلم مع النظام الجديد دون ان يعير اهتماما للظروف التي تعيشها دول العالم الثالث, وانها بلاشك نظرة الاقتصادي الممحص الواعي التي لابد من فهم وادراك أبعادها وترجمتها الى واقع ملموس. بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي