ان ما يتعين على جورج بوش الخوف منه هو اليابان ليس كمصدر تهديد وانما كتحذير. فقبل ما يزيد على العقد بقليل, كانت اليابان تتمتع بازدهار اقتصادي استثنائي. ولم يكن احد يتخيل في ذلك الوقت ان اليابان سرعان ما ستبدأ عقداً من الركود الاقتصادي. وهناك بعض عناصر الشبه المخيفة بين اليابان في حينه والولايات المتحدة الآن لكن ابرزها هو ذلك الاحساس الغروري بالمناعة. فالعلامات الاولى على وجود تباطؤ اقتصادي امريكي (أو ركود اقتصادي) لم تثر سوى قدراً متواضعاً من القلق مفاده ان التباطؤ في النمو الاقتصادي لن يكون اكثر من عنصر ازعاج مؤقت. وهذا الرضا عن النفس قد يجد ما يبرره. لكن تجربة اليابان توحي بدرس آخر وهو ان حالات الطفرة الاقتصادية الاستثنائية تسبب في بعض الاحيان ازمات اقتصادية غير محببة. هذه هي الموجة التي بمقدورها ان تربك رئاسة بوش. فمن شأن ركود اقتصادي عميق او تباطؤ مطول ان يهيمن على الادارة الجديدة. وسيضر بشعبية بوش ويدمر التوقعات الخاصة بميزانيته ويعرض للخطر اجندته الداخلية, ويكثف الضغوط لاتباع نظام الحمائية التجاربة, ويعقد سياسته الخارجية بصراعات تجارية واقتصادية فوضوية مع اوروبا واليابان والصين والمكسيك. ومع ذلك فإن قلة من الاقتصاديين تؤمن بان بوش محكوم بمثل هذا المصير الاليم. ومعظمهم يتوقع الا يحدث شىء اكثر من مجرد تباطؤ اقتصادي. وحتى وان كان هناك ركود اقتصادي, فإنهم يجمعون على ان بالامكان التعامل معه بسهولة ويسر. ويقول العالم الاقتصادي روديجر دورنبوش من معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا: (لقد خرجنا من كل ركود اقتصادي امريكي منذ الحرب العالمية الثانية بسياسة نقدية (تخفيضات في اسعار الفائدة) او بسياسة مالية (تخفيضات ضريبية على الزيادات في الانفاق الحكومي). ويضيف قائلاً ان اسعار الفائدة (تحتفظ بمسافة طويلة بين معدلها الحالي والصفر. اما فيما يتعلق بالسياسة المالية, فنحن لدينا فائض كبير في الميزانية. وفي الماضي, لم يكن احد ليلمح إلى تخفيض ضريبي. فأين المشكلة اذن؟). قد لا يكون هنالك مشكلة ما. فالبنك الاحتياطي الفيدرالي قد قام بتخفيض اسعار فائدته. وبوش واعضاء الكونجرس من الجمهوريين يتحدثون حالياً عن تخفيض ضريبي كوسيلة لحماية الاقتصاد. فلا داعي للقلق. لكن قضية الرضا الذاتي ليست خالية من نقاط الضعف. فهناك ادلة متناثرة تشير إلى ان القلة القليلة من الاقتصاديين الذين توقعوا حدوث ركود اقتصادي قد يكونون على حق. فقد انخفضت حمولات الشحن على سكك الحديد, وهو مؤشر تقليدي للدورة الاقتصادية, في كل من نوفمبر (9 .3% عن العام الماضي) وديسمبر (6 .3%). والامر الذي يبعث على القلق اكثر هو ان الازدهار الامريكي الاطول قد اوجد ظروفاً اقتصادية لم تكن موجودة في السابق الا نادراً. وهذه الظروف هي: ــ عملت فورة الانفاق الاستهلاكي على تقليل معدل الادخار الشخصي (المدخرات كنسبة من الدخل المخصص للانفاق) إلى الصفر. ولجأ الناس إلى الاقتراض وجني ارباح الاسهم نقداً او توقفوا عن التوفير. ولكن اذا قام المستهلكون على نحو مفاجىء بتخفيض نفقاتهم. بسبب انخفاض قيمة اسهمهم او تقلص اعتماداتهم او تهدد فرص عملهم.. فان تأثير ذلك قد يكون مخيفا. فالانفاق الاستهلاكي يمثل ثلثي الاقتصاد او الناتج المحلي الاجمالي. ــ العديد من الأسهم لاتزال, على الرغم من عمليات الانخفاض الاخيرة, اعلى من نطاقات سعرية تاريخية ففي عام ,1995 بلغت قيمة الاسهم ((مجموعة رؤوس الاموال) في السوق) 100% من الناتج المحلي الاجمالي وهو مستوى لم يتم الوصول اليه من قبل سوى في عام 1929. وفي بداية عام ,2000 تجاوز مجموع رؤوس الأموال في السوق ما نسبته 180% من الناتج المحلي الاجمالي. ومع نهاية العام نفسه, كان الرقم حوالي 150% من الناتج المحلي الاجمالي. ومع ذلك, كان هذا الرقم يضاهي ثلاثة اضعاف مستوى عام 1990 (اي حوالي 55% من الناتج المحلي الاجمالي). لا احد يعرف العلاقة (الصحيحة), لكن الفجوة توحي بأن السوق قد يهبط الى ما هو اكثر من ذلك. ــ منذ عام ,1995 تم تمويل حصة متنامية من الاستثمار الاقتصادي برأس مال عالي المجازفة من رأسماليين مغامرين ومبيعات جديدة للأسهم. وفي عام ,1995 وفرت هذه المصادر مبلغ 86 مليار دولار. وبحلول النصف الأول من عام ,2000 ارتفع المبلغ الى 350 مليار دولار (بمعدل سنوي). ــ لقد دخل العجز التجاري الأمريكي والعجز في الحساب الجاري الى منطقة غير مطروقة من قبل. ففي عام 2000 وصل العجز في الحساب الجاري الى ما يقدر بـ430 مليار دولار. وهو الآن يقترب من رقم قياسي يبلغ 5% من الناتج المحلي الاجمالي. في الثمانينيات, كانت النسبة الأعلى للعجز في الحساب الجاري والبالغة 4.3% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 1987. )الحساب الجاري يشمل التجارة وأوجه الانفاق الاخرى فيما وراء البحار مثل السفر(. وعلى امتداد السنين, ساعد الاقبال الأمريكي على الواردات اقتصادات اخرى في العالم. واذا استقرت العجوزات الأمريكية, فان ركودا اقتصاديا امريكيا قد ينتشر على نطاق عالمي. ومن الصعب قياس حجم المخاطر وذلك يعود تحديداً الى كونها جديدة نوعا ما. فمعظم حالات الركود الاقتصادي التي اعقبت الحرب العالمية الثانية نجمت عن ارتفاع في التضخم واسعار الفائدة. وعلى الرغم من ان الاحتياطي الفيدرالي رفع اسعار الفائدة في عام ,1999 الا ان الشرارة التي اشعلت هذا التباطؤ يبدو أنها كامنة في التقنية الجديدة (أجهزة الكمبيوتر والانترنت) وسوق الاسهم الى جانب تأثيرات السوق على الانفاق الاستهلاكي والاستثمار الاقتصادي, ويقول العالم الاقتصادي جون ماكين من (امريكان انتربرايز انستتيوت): هذا شكل كلاسيكي من اشكال الدورة الاقتصادية كان اكثر شيوعاً في القرن التاسع عشر مع السكك الحديدية والقنوات. فهناك ابتكار واثارة ومبالغة في الاستثمار وفقاعة (مؤقتة) في سوق الاسهم, وهناك الاعلان عن (حقبة جديدة). ثم افرطنا في الامر كله. وهكذا, فان الاقتصاد الذي يرثه بوش يعتبر لغزاً مبهماً. وهناك مفارقة مبهجة في الجهود المتنافسة لمعسكري بوش وكلينتون من اجل اثبات ان اي ركود اقتصادي قد بدأ في فترة رئاسة الطرف الآخر. ففي حديث له مع صحيفة وول ستريت جورنال, قال بوش انه (متشائم نسبيا) حيال الصورة العامة للمستقبل. وفي غضون ذلك, صرح مارتن بيلي, الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين التابع للبيت الابيض قائلا: (نحن لا نعتقداننا داخلون الي مرحلة ركود اقتصادي). ويتعين على انصار بوش ان يأملوا في سرهم بأن يكون اتباع كلينتون على حق. بقلم: روبرت صامويلسون