لقد كان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع دقيقا في تشخيصه لطبيعة التحديات والمعضلات التي تواجه العالم والأمة العربية على وجه الخصوص وذلك في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المستجدة, وكان أمينا مع نفسه ومع من استمع اليه من زعماء دول ورجال أعمال كبار شاركوا في مؤتمر دافوس المنعقد حاليا في مدينة دافوس السويسرية حينما طالب القادة العرب ولاسيما الشباب ان يترجموا احلامهم الى حقيقة ملموسة تمارسها شعوبهم وتتلمسها قبل ان تسمع بها أو تشاهدها. وكان صريحا مع زعماء دول العالم حينما أكد على ضرورة بل وحتمية تخفيض مخصصات التسلح وتحويل 20% من ميزانية التسلح الى قطاع التعليم, مؤكدا ان العلم والمعرفة هما السلاح الجديد الذي يجب ان يحل محل البندقية والمدفع والطائرة العسكرية, وهما السبيل نحو خلق جيل جديد يستطيع المساهمة في الاستقرار والامن والتنمية ويرسم البسمة ويصنع السعادة بدلا من الكره والألم والتخلف والرعب بين شعوب العالم وعلى هذه الأرض لاسيما والعالم قد ولج للألفية الثالثة. لقد جاءت كلمة سموه ترجمة صادقة وأمينة حملها من ارض السلام والأمان الى مختلف دول العالم وينادي بها مختلف شعوب العالم وقادتهم, جاءت معبرة عن فلسفة القيادة الرشيدة لدولتنا تجاه العالم, وعاكسة لرؤية دقيقة لحقيقة التطورات التي يشهدها العالم ولطبيعة المتغيرات التي يشهدها المجتمع الدولي والتي أدت وسوف تؤدي أكثر نحو تغيير غير مسبوق وخلق واقع جديد يؤثر على جميع جوانب حياتنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وذلك في ظل العولمة وحركة رأس المال الفكري والنقدي وثورة المعلومات التي أضحت تشكل تحديا خطيرا ليس لعالمنا العربي فحسب, وإنما لمختلف شعوب ودول العالم وبما فيها شعوب وحكومات الدول الصناعية فيما اذا لم يتم التعامل مع معطيات الواقع الجديد بكل استحقاقاته ومتطلباته. ومن هنا فإن سموه وفي كلمته هذه يطالب العرب بالتعامل مع معطيات الواقع الجديد هذا واستحقاقاته من خلال رؤية منطقية حدد معالمها سموه وتستند على نبذ الاوهام التي يعيشها العرب ومواجهة الحقائق في هذا العالم المتغير بوتيرة سريعة ومن خلال خلق الاحساس بأن الوقت اصبح ضاغطاً وان العرب في سباق مع الزمن لاسيما وانهم يملكون كل مقومات التنمية الشاملة والنهضة الحضارية, وانهم يملكون خلاصها من هذا الواقع المعايش وتجاوز معوقات التخلف شريطة ان يكونوا على درجة عالية من المصداقية والشفافية وتتوفر لديهم الارادة القوية والصادقة على تحديد أهدافهم بدقة وان يحشدوا كل مواردهم الطبيعية والمادية والبشرية والمعنوية لتحقيق أهداف التنمية, ثم تحديد اتجاهاتهم وأولوياتهم حسبما أشار اليه سموه في كلمته. وفي هذا الاطار حدد سموه آلية الخلاص لامتنا العربية من ازماتها وحدد مصادر القوة والنهوض ومواكبة العصرنة وتحقيق التنمية راسماً صفات القائد العربي الذي يحقق اهداف شعبه ويترجم طموحاتهم وينهض بوطنه وذلك في ان يكون هذا القائد قادراً على صياغة الاهداف وتحديد الاولويات ووضع الآليات والرؤى والاستراتيجيات لتحقيق الاهداف العامة للتنمية وبالتالي للمجتمع والوطن, واشاد سموه في هذا الشأن إلى ضرورة ان تتفاعل عند هذا القائد المبادرات والانجازات مع توفر القدرة على تحفيز الابداع والهام المبدعين وارساء ثقافة المساءلة والمحاسبة والريادة والعطاء وفي هذا الشأن فإن القيادات العربية مطالبة في سبيل تحقيق الاستقرار والتنمية على مختلف ابعادها ان ترسى دعائم العدالة عند التقييم من خلال مبدأ المحاسبة والمساءلة عند التقصير والدعم والعطاء والتكريم عند المبادرة والعطاء اذ لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون كما يجب ان نترجم هذا المبدأ. وبالتالي فإنه لا يجب ان نبخس حق المجد والمجتهد فيما يكرم السلبي والمقصر تلك هي اهم معايير التقييم التي حددها سموه في كلمته. وعن تقييم الابداع والمبدعين فإن سموه قد جدد معايير معينة حددها مفهومه وحسه باهمية الابداع والابتكار وضرورة تكريم المبدعين لاهمية ذلك في تحقيق الوعي الابداعي والثقافي في المجتمع العربي. وقد عزز رؤيته هذه بتحديده لمعايير خاصة واسس معينة لتكريم المبدعين والملهمين من ابناء الوطن الذين يثرون امتهم ومجتمعهم بالابداع الفكري والابتكار العلمي والثقافة النوعية الجادة والمحفزة للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتعزز من وجود الانسان المؤمن بربه, المنتمي لوطنه المؤدي لواجباته والمدرك لحقوقه, وحينما يتحقق وجود هذا الانسان فإن توسيع المشاركة الشعبية التي دعا اليها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع يصبح امراً ضرورياً, وان تطوير المؤسسات البرلمانية يصبح امراً حتمياً ايضاً وضرورة يمليها واقع التطور ومواكبة المتغيرات العالمية. ان المشاركة الشعبية ووجود الانسان بالوضعية تلك يشكلان اهمية بالغة ومطلباً حيوياً لعصرنة المجتمع وتطور الانسان, اذ يجعلان المجتمع يتسم بالشفافية والمصداقية, ويكون اكثر قدرة على مواجهة الفساد ومكافحته, وسيكون المجتمع اكثر قوة على تجاوز معضلاته وتنمية ذاته ومقاومة الامراض التي تعمل على الاجهاض عليه, او الترهلات التي قد تصيبه بالعجز والتخلف. لقد اشاد سموه في كلمته إلى أهمية ارساء دعائم العدالة من خلال مؤسسات المجتمع البرلمانية كي يصبح المواطن العربي ممثلاً بشكل حقيقي وفاعل من خلال مؤسسة المجتمع المدنية وذلك بوجود برلمانات منتخبة ومعبرة عن آمال وطموحات الانسان العربي والتي من خلالها يستطيع الانسان العربي ان يستعيد عافيته وحقوقه مادية كانت أم معنوية, وبالتالي يكون هذا الانسان ايجابيا بشكل اكبر ومؤديا لواجباته تجاه وطنه ومجتمعه بشكل اكثر. وفي رؤيته تجاه القطاع الخاص ودوره التنموي فقد اشار سموه الى ضرورة تمكين هذا القطاع من القيام بدوره من خلال تعزيز قدراته وتعظيم مسئولياته ليكون اكثر قدرة على تجاوز سلبياته واكثر تجاوبا مع مسئولياته واكثر قدرة على المنافسة العالمية في عالم يشهد منافسة اقتصادية وتجارية محتدمة. لقد اشار سموه في سياق كلمته الى فجوة المعرفة والقدرة على الابتكار حينما شخص حالة العالم من هذه الناحية وقسمه الى قسمين او جزأين اولهما يملك المعرفة والقدرة على الابتكار وجزء ثان لا يملك المعرفة والقدرة على الابتكار واشار الى ضرورة تقليص هذه الفجوة بين الجزآين, وهنا نجد انه لابد من سعي دول العالم مجتمعة الى ردم تلك الهوة التي تعاظمت مع مرور الزمن, وتجسير الفجوة التي اتسعت وشكلت تحديا صعبا ليس امام الدول التي لا تملك المعرفة والقدرة على الابتكار فحسب وانما امام الدول التي تملك تلك القدرة والمعرفة لأن هذا يشكل تهديدا للعالم حينما تتفاقم الاوضاع بين مجتمعات متقدمة ومتطورة وبين مجتمعات متخلفة تفتك بها الامراض التي سوف تجد طريقها الى دول العالم المتقدمة ومن هنا تأتي ضرورة تعزيز ما جاء في كلمة سموه بضرورة المواجهة الصريحة مع الذات, وتشخيص حقيقة الواقع والاعتراف بحجم تلك الفجوة كخطوة مهمة نحو معالجة هذه الهوة وتكون الخطوة الثانية هي العمل على ردم الهوة وتجسير الفجوة من خلال ـ كما اشار سموه ـ تكثيف الاستثمار في التعليم والتدريب والابحاث, وهنا نشير الى ان القفزات التي حققها العالم الصناعي او المتقدم او النهضة الصناعية التي حققها العالم الصناعي لم تأت إلا من خلال ترجمة حقيقية لهذا المبدأ وهو تعظيم الاستثمار في التعليم النوعي, والتدريب العملي, ومن خلال قرارات اقتصادية وتنموية تبنى على اسس البحث العلمي ومفاهيمه والدراسات التطبيقية والعلمية المتخصصة والمتعمقة ولم تصدر تلك القرارات او تتخذ بناء على مزاجية الفرد او مآرب ذاتية شخصية كما يحدث في عالمنا العربي, وقد كان سموه دقيقا حينما أكد على أهمية التعليم والتدريب والدراسة كضرورات حتمية لردم تلك الهوة وسد تلك الفجوة, ثم طالب بضرورة قيام دول العالم الى التحرك بتحويل 20% من الميزانية المخصصة للتسلح الى قطاع التعليم وذلك بعدا ن استأثر التسلح بالحجم الاكبر من ميزانيات العالم الثالث وبعد ان وصل العالم الى حقيقة كبيرة مبعثها الرغبة في السلام والامان والتنمية ومحاربة كل اشكال الصراع العسكري.. ثم طرح سموه بأن الخطوة التالية في سياق ردم هذه الهوة تتطلب وجود بنية اساسية تكون جاهزة قبل ان تظهر الحاجة اليها, مؤكدا سموه بأن تحقيق تنمية اقتصادية مرهون بمدى وجود هياكل تحتية وبنى اساسية تكون سببا في توطين الاستثمارات الوطنية قبل هجرتها الى خارج حدود الوطن, والعمل على جذب الاستثمارات الاجنبية للاستثمار في احداث التنمية الاقتصادية, ومتطلبات تلك البنية يجب ألا تنحصر في وجود الجوانب المادية فحسب وانما ــ كما اشار سموه ــ الى ضرورة ان تشتمل على تشريعات وقوانين اقتصادية تواكب متطلبات التنمية الحديثة, كما ان تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب ان تشكل هدفاً لدى القطاع الخاص وتأتي ضمن استراتيجية التنمية الاقتصادية, وان المنافسة بين الاستثمارات الوطنية والاجنبية من خلال وجود مناخ استثماري في مختلف القطاعات الاقتصادية تشكل مطلباً حيوياً في اطار تشجيع الاستثمارات الاجنبية في خدمة الاقتصاد الوطني ولاسيما في جلب التقنية العالية والعمالة الفنية المتخصصة والابتكار النوعي. كما ان اعتماد الحوار والتسامح بين الحضارات حيث طالب به سموه في كلمته وانما يؤكد على رؤيته بأن العالم لن يعيش في أمان واستقرار مالم يكن هناك حوار مبنى على اساس التسامح والاعتراف بالثقافات الانسانية مهما كان الاختلاف في الرأي. ان كلمة الفرق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي قد جسدت رؤية علمية وآلية صحيحة نحو تحقيق التنمية الشاملة للأمة العربية, والاستقرار الدائم والأمان لشعوب العالم وبقى ان تحظى هذه الرؤية لترجمة حقيقية من قبل مختلف دول العالم وبما فيها الدول الصناعية وان تعمل دول العالم الثالث وخاصة دولنا العربية على تحقيق النهضة وردم الهوة وان يضع حكامنا وقيادتنا العربية تلك الرؤية كمنهج لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية للعالم العربي وللشعب العربي. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي