انقسمت الآراء حول موضوع العولمة في المناقشات التي جرت أمس, ففي حين اشاد البعض بـ (تساقط المزيد في الحدود, أعتبر البعض الآخر ان النظام الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة دقيقة, تتخللها مشاعر القلق المشروعة منه. اما موقف الاسلام فلم يتعارض مع مفهوم العوملة, شرط ان يقرب هذا النظام بين الشعوب, لا أن يباعد بينهما, ولم تغب تداعيات انهيار الانظمة الاشتراكية وتأثيرها على الاقتصاد, حيث حفلت جلسة النقاش حول هذا الموضوع بمواقف ساخنة حول طريقة التحول الى نظام السوق. وأشاد الرئيس السويسري مورتيز لوينبرجر بعالم (تتساقط فيه المزيد من الحدود باطراد), وحث المشاركين على ألا يكونوا غافلين عن أنه مازالت هناك انقسامات عميقة. وقال (إن العولمة ستفرز فائزين لامعين يمرحون في بؤرة الضوء وكذلك خاسرين يائسين يناضلون من أجل مجرد البقاء ومجبرون على الهجرة.. فمخاطر العولمة تكمن في تعميق هذه الانقسامات, فيما تكمن الفرص في قدرتنا على تجاوز تلك الانقسامات). وقد اكد الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى أمير قطر ورئيس منظمة المؤتمر الاسلامي, ان النظام الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة دقيقة تتخللها مشاعر القلق المشروعة من العولمة. وقال فى كلمة عن(دور الاسلام فى التقارب بين الشعوب) القاها فى المنتدى الاقتصادى العالمى بدافوس مساء أمس الأول ان ذلك القلق قد يفسر لماذا تلاقى العولمة ردة شعبية فى مختلف الدول الامر الذى يدعو الى ادارتها بالطريقة التى تحقق الغاية التى بدات من اجلها وذلك عن طريق تقريب الشعوب وازالة الفجوات القائمة بينها. واعتبر ان ذلك لن يتأتى الا باعادة الاعتبار للقيم النبيلة والاخلاقيات الانسانية السامية والاعتراف بدورها الهام فى تطوير العلاقات الاقتصادية الدولية وبناء نظام اقتصادى عالمى له طابع انسانى وهو ما يمكن ان يكون للاسلام مساهمة ايجابية فيه. واكد ان دور الاسلام فى التقارب بين الشعوب لا ينفصل عن التطلع الى بناء نظام دولى يسوده التكافوء والتكافل والاستقرار وتحتل المثل الرفيعة فيه موقعها السليم فى تصويب اخطاء العولمة. واضاف ان الاسلام وطوال اربعة عشر قرنا يحث اتباعه ويدعو العالم الى التقارب وتنشيط حركة التجارة كوسيلة ضرورية لاعمار الامصار ووشيجة تربط بنى البشر اينما كانوا مستدلا على عناية الاسلام بالتجارة باشادة القران الكريم برحلتى الشتاء والصيف. واكد أمير قطر ان ازهى عصور المسلمين كانت عندما انفتحوا على العالم وان الاسلام لم يكن ليصبح دينا عالميا الا بحث المسلمين على التعايش مع العالم والتوافق معه وايجاد القاسم المشترك الذى يجمعهم واخوانهم فى مشارق الارض ومغاربها . واشار الى ان التسامح والتواصل مبدآن ساعدا على عولمة الاسلام من اندونيسيا شرقا الى المغرب غربا ومن روسيا شمالا الى افريقيا جنوبا. وتطرق فى كلمته الى ما يمتلكه المسلمون من ثروات طبيعية ضخمة وما يحتلونه من مواقع استراتيجية مؤثرة فى السلم والاستقرار الدوليين وما يمثلونه من سوق واسع بالاضافة الى مصالحهم الواسعة مع العالم والتى منها سعيهم الى توطين التكنولوجيا فى بلدانهم وتخفيف الاعباء المالية عن عدد من دولهم المثقلة بالديون. وتابع ان المسلمين يمتلكون اليوم ما يؤهلهم ويلزمهم بالمشاركة فى بناء القرية الكونية الجديدة وكتابة تاريخ العولمة مع كل الامم والشعوب. واضاف ان المسلمين يصرون على ان تقرب العولمة بين الشعوب لا ان تباعد بينها ويقفون ضد كل الطروحات التى تحاول ان تضع الامم والثقافات فى قوالب جامدة لتصبح كل امة وكل ثقافة منعزلة بذاتها عن الاخرين. وشهدت جلسة النقاش المخصصة لاستراتيجية التحول الاقتصادي في الاشتراكية الى نظام السوق, حواراً حاداً بين الخبراء الاقتصاديين عند مناقشة موضوع الدروس المستفادة في عشر سنوات في الاصلاحات في نظامي اقتصاد دول شرق أوروبا والصين المنتقلتين من الاشتراكية الى اقتصاد السوق. وانقسم المشاركون في النقاش الى معسكرين, فمن جهة رفض رئيس الوزراء التشيكي السابق فاسلاف كلاوس فكرة وجود استراتيجية واحدة يمكن تطبيقها في كل مكان إذ أن ظروف كل بلد تختلف عن الاخرى. وقد أيد موقفه رجل البنك المركزي المجري جيورجي سوراني. ومن الجانب الاخر دعا رئيس بنك الصين زو مين يسانده أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد جوزيف ستيجليتز إلى اتجاه يجمع ما بين إصلاح القواعد الحكومية وقوانين القطاع الخاص في تحويل الاقتصاد. وقال كلاوس الذي يشغل الان منصب رئيس مجلس النواب في البرلمان التشيكي, ان تجربة بلاده كانت عن طريق (التعلم بالممارسة) وان (الانتقال هو عملية اتخاذ قرارات لملايين الاشخاص), الامر الذي يعارض مبدأ الاستراتيجية الواحدة. وأضاف مسترجعا المعاناة التي مرت بها جمهورية التشيك خلال أوائل التسعينيات في نضالها للتحول إلى اقتصاد السوق, أن الدولة لم يكن لديها الوقت لمحاولة تنفيذ أسلوب (تدريجي ــ ثنائي) مثل الذي اتبعته الصين. وقال (ان ــ رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ــ مارجريت تاتشر كانت في أفضل سنواتها تقوم بخصخصة ثلاث أو أربع شركات سنويا.. بينما كنا نخصخص ثلاث أو أربع شركات كل ساعة.. ولم يكن لدينا الوقت للبحث عن أفضل المشترين, كنا ببساطة نبحث عن أول مشتر). أما سوراني فقد أشار الى ان المجر قد مرت بعملية تحول شاقة ولكن كانت هناك ميزة وهي أن الشعب المجري كان منفتحا على الثقافة الغربية وأسلوب الاقتصاد في الغرب. وقد كان النظام الشيوعي حتى عام 1989 أقل تشددا مما كان عليه في باقي أرجاء أوروبا الشرقية. كما أشار سوراني إلى أن هناك خطوات أساسية محددة في عملية التحول الاقتصادي من بينها تحرير الاسعار والتجارة الخارجية ووضع الاطر المؤسسية والقانونية لاقتصاد السوق وفتح باب الاستثمارات الاجنبية في الشركات التي تمت خصخصتها والشركات المملوكة للدولة, وقال انه ليس هناك جدول محدد. وأعتبر (أن تتابع الاحداث يختلف من دولة إلى أخرى) وأيده كلاوس بأن التجربة أظهرت أنه كلما تم تخصيص الشركة في وقت مبكر كلما كان أداء هذه الشركة أفضل على المدى البعيد. غير أن زو مين اختلف معه بقوله (هناك تتابع للاحداث), (أولا تقوم بتحرير كل شئ على المستوى الصغير ولكن تحتفظ بقيودك على المستوى الاكبر, مثلما هو الحال في أسعار الفائدة وأسعار صرف العملات). وأضاف أن هذا الاتجاه المزدوج بتحرير الاجزاء الصغيرة من الاقتصاد وإبقاء القيود المركزية على الاقتصاد ككل يمكن أن يوصف بالمثل الصيني (الطيور طليقة, ولكن داخل أقفاصها فقط). ووافق كافة المشاركين في النقاش على أن عملية التحول من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق, هو عبارة عن طريق مزروع بالاوهام الكاذبة. واستشهد ستيجليتز بالحالة في روسيا عندما كان هناك انخفاض في إجمالي الناتج القومي وارتفاع في معدل البطالة والفقر. وقال (قيل للدول ان النظام الشيوعي نظام اقتصادي سيئ وبالتالي فإنه عندما تتخلصون منه سيزدهر اقتصادكم). ولكن إذا لم تنفذ الاصلاحات بشكل منظم ومضبوط, فإن النتيجة ستكون اضطرابات اجتماعية. ويواجه رئيس جنوب افريقيا تابو مبيكى تحديا صعبا فى المنتدى, حيث سيحاول اقناع المشاركين ببرنامج لاعادة تعمير القارة ويقوم بالتحدث أمام اجتماعات المنتدى حول الارتداد العنيف ضد العولمة ومرض الأيدز والفقر المنتشر فى القارة والتحديات التى تواجه القادة الأفارقة فى القرن الحادى والعشرين.. وخطة افريقيا للتغلب على هذه المصاعب وأهمية تنفيذ برنامج تنموى خاص بالقارة. وافاد مراقبون سياسيون فى جنوب افريقيا أن البرنامج الذى سيقوم بعرضه مبيكى فى المنتدى قد بعث به الى قادة افريقيا فى وقت سابق لاطلاعهم عليه قبل طرحه فى المنتدى. واوضحوا ان البرنامج يتضمن وسائل تنمية القارة وجعلها قبلة للاستثمارات الأجنبية وطرق مكافحة الأمراض والفقر وتطوير البنية الأساسية والتعليم وتنمية الموراد البشرية. وأضافوا أن الرئيس مبيكى سيتحدث فى جلسات المنتدى حول انعكاسات العولمة كما سيحاول تغيير الانطباعات السلبية حول القارة السوداء ومنطقه فى ذلك أن الشركات الأجنبية العاملة فى القارة تحقق أعلى العائدات من استثماراتها وبنسب أعلى مما تحققه الاستثمارات فى القارات الأخرى والدليل على ذلك العائدات المرتفعة للاستثمارات الأجنبية فى مجال البترول والتعدين والتصنيع فى دول مثل موزمبيق وأنجولا. وسيؤكد مبيكى امام المنتدى على أهمية تحقيق الديمقراطية فى الدول الافريقية لضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. وتشجيع الاستثمارات الأجنبية وكذلك أهمية وضع استراتجيات لسد الفجوة بين افريقيا وبقية دول العالم فى مجال تكنولوجيا المعلومات. ــ الوكالات