في كلمته الأخيرة ــ كرئيس ــ التي وجهها إلى الشعب الامريكي, مارس بيل كلينتون مع الجمهوريين ما يعرف انه يثير حفيظتهم أكثر من أي شىء آخر, أي استخدام أسلوب ظاهره النصح والمساعدة, وباطنه نقد لاذع ومحاولة للاحراج السياسي. فبعد ان تمنى الرئيس الأمريكي لخلفه التوفيق في اداء مهمته, عرج إلى ذكر ماتركته ادارته ــ من الزاوية الاقتصادية ــ للإدارة المقبلة. فقال كلينتون ان ادارته (ورثت) اقتصاداً يتسم بانعدام المسئولية المالية (وذلك في نقد مباشر لجورج بوش الاب), وانه يتمنى ان تواصل الإدارة المقبلة سياسة الانضباط المالي وان تتجنب اي تخفيضات ضريبية قد يبرهن الوقت انها (باهظة التكلفة) للولايات المتحدة (وذلك في محاولة لاحراج جورج بوش الابن الذي وعد ناخبيه بهذه التخفيضات). وقال كلينتون في كلمته (لقد تمكنا من استعادة روحنا الوطنية ومن تحقيق دخل يكفي لتوسعة الفرص الاقتصادية المتاحة أمام مواطنينا ولاشاعة الرخاء في كل اركان بلدنا وقد حققنا ذلك بأن بدلنا الاتجاه الذي ساد قبلنا, اي اتجاه انعدام المسئولية المالية, وبتطبيق تقديرات محافظة لاداء اقتصادنا والتخطيط على اساسها, وباعادة التوازن إلى الميزانية العامة, وهي جميعاً امور افضت إلى تحقيق اكبر فائض في تاريخ هذه الميزانية). وكما لو ان بيل كلينتون يريد ان يضع ملحاً في الجرح, فان مكتبه اصدر وثيقة من 235 صفحة ــ قبل ساعات من مغادرته البيت الأبيض ــ لخص فيها انجازاته الاقتصادية, ووضع فيها (توقعات) عن المسار الاقتصادي المقبل (اذا ما استمرت السياسات التي طبقت خلال السنوات الثماني الماضية) حسب قول الوثيقة. الا ان هذه التوقعات تضمنت مسلسلاً من ضربات تحت الحزام كما يقولون. فقد وضع كلينتون الفائض (المتوقع) في الميزانية خلال العامين المقبلين عند مستويات غير واقعية ــ أى مبالغ فيها ــ بالنظر إلى التباطؤ الاقتصادي النسبي الذي نراه الآن في الولايات المتحدة. وكان الهدف واضحاً: احراج الإدارة المقبلة, واعطاء الديمقراطيين المزيد من الحجج (المرقمة) التي يمكن استخدامها في الانتخابات المقبلة, اذ يمكن مثلاً اتهام إدارة الرئيس جورج بوش بأنها (عجزت) عن تحقيق المستويات التي (كانت متوقعة) يوم استلامها المسئولية وذلك أثناء المعركة الرئاسية المقبلة. وبسرعة خرج الناطق بلسان الرئيس جورج بوش بتصريحات على وثيقة البيت الأبيض قال فيها ان الرئيس كلينتون لا يزال يمارس (تكتيكات) سياسية قديمة, وانه وضع في وثيقة البيت الأبيض عن الاداء الاقتصادي ارقاماً (مفبركة) ومبالغ فيها عن عمد بغرض احراج الرئيس الجديد. ويكاد المرء يتخيل بيل كلينتون وهو يسمع الرد الغاضب القادم من معسكر بوش, فلابد ان الرئيس (السابق) ضحك كثيراً ــ كعادته ــ حين تأكد من انه (اغاظ) الجمهوريين حتى اللحظة الأخيرة. ولكن هل يمكن توقع ان ان يحقق جورج بوش أرقاماً اقتصادية تكفي ــ بدون تعليق ــ للرد على الحملات الديمقراطية؟ انها مهمة صعبة, لا لشىء الا لان الرئيس بيل كلينتون ترك لخلفه الجمهوري اقتصاداً لا ينمو, بل يتراجع.. لقد حققت الإدارة السابقة انجازات اقتصادية كبيرة, لاجدال في هذا, ولكن المشكلة ان المنحنى الاقتصادي بدأ يهبط قبل استلام جورج بوش لمهام منصبه الجديد.. فقد بدأت أولى علامات (ناقص) تظهر في البيانات الختامية للاداء الاقتصادي الامريكي في الثلث الثالث من العام 2000. رغم ذلك فان الديمقراطيين لا يتحدثون كثيراً عن حقيقة ان المنحنى الاقتصادي بدأ يتراجع قبل استلام بوش لمسئوليته الجديدة. انهم يركزون فقط على ان إدارة بيل كلينتون حققت انجازات اقتصادية (تاريخية) وليس من السهل ــ بطبيعة الحال ــ على الإدارة الجديدة ان تعكس مساراً بدأ بالفعل بمجرد استلامها السلطة. مع هذا فان بوسع جورج بوش ان يواجه هذا التحدي, وان يجتازه بنجاح, ذلك ان لدى الرئيس الجديد صفة ايجابية تمكنه من ان يفعل ذلك, تلك هي انه يستعين بالآخرين وهم أكثر قدرة على معالجة الأمور التي لا يتمتع هو فيها بمعرفة واسعة. حين قالوا لجورج بوش قبل ايام ان البعض يقولون انه محدود القدرات وانه (غير ذكي) بقدر كاف, رد ضاحكاً (ان هذا أفضل من ان يتوقعوا مني ان أفعل المعجزات.. حين يتوقع منك الناس قليلاً, وتنجز ما هو اكثر من هذا القليل, فانهم يشيدون بك, اما اذا توقعوا الكثير, وانجزت اقل, فقد اضفت الجميع لقائمة معارضيك). ويصف المعلق التلفزيوني الامريكي هذا الجانب لدى بوش بقوله (انه يدرك ان من المستحيل على المرء ان يعرف كل شىء, ولذا فانه يستعين بأهل الخبرة ممن يتفقون معه على نفس المبادىء, ثم يتركهم يفعلون ما يكفل تحقيق النتائج المطلوبة, ولكن باسلوبهم هم. ان الرائع في هذا الشخص انه لا يعاني من مشكلة تورم الذات.. انه لا يظن انه خبير في كل شيء, وهو لا يخجل من استشارة الآخرين, ومن الاستعانة بجهود المحلفين). ولدى جورج بوش (فريق اقتصادي) بالغ القوة, كل اعضائه من الرجال ذوي الجلد والخبرة. وقد قال الرئيس الجديد في كلمته التي القاها اثناء اعلانه لاختياره لوزير الخزانة الجديد انه (يثق في اونيل, وسيعطيه كل صلاحيات التحرك المطلوب). ويعني ذلك ان علينا الا نتوقع قرارات فردية أو متعجلة من الرئيس الجديد تؤدي إلى تعقيد الأمور في وول ستريت مثلاً, فهو سيترك هذه المساحة لمن لهم فيها أكثر من باع. فضلاً عن هذا فإن اساسيات البرنامج الاقتصادي الذي طرحه بوش تشجع على الاعتقاد بأن الرئيس الجديد قد يتمكن بالفعل من تحقيق (المعجزة), أي تحويل الاتجاه الاقتصادي الهابط الذي ورثه عن بيل كلينتون إلي اتجاه صاعد. فخفض الضرائب سيؤدي إلى انعاش الاستثمار والاستهلاك, وتحويل جزء من فائض صندوق الضمان الاجتماعي إلى وول ستريت سينعش سوق الأوراق المالية.. وسوف يتبقى على بوش ان يحرز بعض التقدم في مساحة الفشل المروع التي تركتها إدارة بيل كلينتون, اي مساحة العجز التجاري الفلكي وما يترتب عليه من دين عام يزداد بمرور الثواني. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز: