تناول العديد من المحللين والمختصين جوانب وأبعاد هذه الأزمة طيلة أيامها تقريباً على صفحات صحفنا المحلية وسلط معظمهم الأضواء على جوانب هامة تتعلق بما هو أبعد من سوق السمك وما يحدث فيه, أثاروا ملاحظات وأموراً هامة حول الأسباب والنتائج واقترحوا حلولاً مختلفة. ومما يلفت الانتباه مما كتبه الأخ الدكتور محمد ابراهيم الرميثي في الاسبوع الماضي في هذه الصفحة حول الموضوع. كونه قام بتشخيص دقيق لأطراف الأزمة وأثار تساؤلات هامة حول حقيقة موقف ودور كل منهم. وقدم مقترحات محددة وجديره بالاهتمام والمناقشة. وقد يكون أول ما يجب التطرق إليه هنا هو التأكيد على ما توصل اليه الدكتور الرميثي من أهمية اعطاء الأولوية لمعالجة الموضوع معالجة جذرية وحازمة من قبل الدولة اذا تبين ان عمال الصيد الآسيويين هم وراء هذه الازمة اذ أن قيامهم بهذا العمل يلقى ظلالاً من الشك حول من يقف وراء الدعوه والتنظيم لهذا الامتناع عن الصيد والذي يعني اضرابا عن العمل ويشكل مخالفة صريحة لقانون الدولة وسابقة خطيرة لا يمكن السماح بمرورها ونجاحها. وبالمناسبة فان ما يقوم به عمال الصيد الآسيويون يؤكد بصورة لاتقبل الشك تحفظ دولة الامارات وسلامة موقفها في منظمة العمل الدولية حول موضوع انشاء نقابات عمال مهنية في الدولة بسبب الظروف الخاصة للتركيبة السكانية في سوق العمل وخشية ان يؤدي قيامها الى انشاء تنظيمات تخضع لمصالح جنسيات اجنبية وتقوم على خدمتهم بصورة تتعارض مع المصلحة الوطنية للدولة وليس بسبب عدم رغبة الدولة انصاف العاملين الأجانب فيها وهضم حقوقهم كما يدعي البعض. ولكن وكما اشار الدكتور الرميثي اذا كان وراء هذه الازمة وهذا العصيان أصحاب القوارب ومالكو وسائل الانتاج من المواطنين فان الأمر حقا يبدو غريباً اذ تتعارض مواقفهم مع موقف جمعية الصيادين التي من المفروض انها تمثلهم في حين تنتصر الجمعية وتنحاز الى المستهلك! ولكن ان تتم الدعوه الى حل هذا الاشكال من خلال مطالبة الدولة بالتدخل في تحديد سعر الحد الادنى للجملة وسعر الحد الاعلى للتجزئة في سوق السمك فهذا أمر يتعارض مع أحد أهم أسس وفلسفة نظام الحرية الاقتصادية ودور الحكومة الذي تنتهجه دولة الامارات. وأعتقد انه يجب التخلي عن هذه الفكرة تماماً كالتخلي عن فكرة منع غير المحترفين من صيد السمك. اما مقترح انشاء جمعية للصيادين وليس لعمال الصيد فهذا أمر عملي وفكرة جديرة بالاهتمام ويمكن ان توفر اطاراً قانونياً ووطنياً تحت مظلة الغرف التجارية واتحادها بالدولة لمعالجة كافة الأمور التي تتعلق بنشاطهم ومناقشاتها مع الجهات المختلفة الحكومية أو غير الحكومية منها. الا ان الأمر الملفت للنظر حقاً هو استمرار هذه الازمة في سوق السمك طيلة هذه المدة رغم ان هذا السوق مفتوح لبقية أسواق السلع الاخرى بل وأكثر انفتاحا بالدولة فتجارة السمك لاتخضع لوكيل حصري يتحكم في استيراده. وان لدولة الامارات تاريخاً عريقاً في ممارسة تجارة الاسماك ويمارس هذا النشاط فيها عدد هام من كبار التجار الذين يمارسون نشاطاً مزدهراً في هذه التجارة مستخدمين وسائل حديثة في النقل والشحن والتخزين ومستفيدين من البنى الاساسية المتطورة التي وفرتها لهم الدولة في الموانىء والطرق والخدمات الاخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو ما دامت في سوق السمك أدوات تجارية قوية ومزدهرة فلماذا لم يؤد انخفاض عرض السمك وارتفاع اسعاره ولمدة ليست بالقصيرة الى دفع تجار السمك ضمن قوانين السوق الاقتصادية للتحرك سريعاً نحو استيراد الانواع المفقودة والمطلوبة من هذه الاسماك ومن الدول الخليجية المجاورة ووضعها في الأسواق للاستفادة من هذه الفرصة؟ ولو حصل هذا فان الأمر التلقائي الذي سيحدث لاحقاً هو اعادة التوازن للسوق والاهم من هذا هو اعادة نظر الممتنعين عن الصيد بجدوى حركتهم هذه أياً كان مصدرها ويدفعها للعودة الى العمل لانهم سيسلمون بفشل أهدافها نتيجة ضخ الكميات المستوردة في السوق لتغطية العجز وبالتالي زيادة العرض لتلبية الطلب مما سيعيد التوازن السعري للسوق. ان تعطيل آلية السوق عن العمل في سوق السمك ظاهرة تستحق البحث والدراسة, ولكن اذا كانت الدولة بصدد إعداد قوانين لمكافحة الاغراق فان ما حصل في سوق السمك سوف يسلط الضوء أكثر على أهمية الا يغفل هذا القانون منع الاحتكار أيضا حتى لاتتكرر هذه الظاهرة مستقبلاً في أسواق سلع اخرى. بقلم: مازن شيحا باحث اقتصادي أول اتحاد غرف التجارة والصناعة