تناولنا في الحلقة الماضية طبيعة التشريعات الاقتصادية التي شرعتها الدولة من أجل تعزيز البنية الاقتصادية والتجارية في الدولة, واشرنا الى وجود تجاوزات تقوم بها شريحة من التجار المتعاملين في سوق الامارات ادت الى ما يشبه الفوضى في السوق, كما اشرنا الى مدى المخاطر والآثار السلبية التي احدثتها تلك التجاوزات على السمعة التجارية والاقتصادية للدولة, اما في هذه الحلقة فسنحدد اشكال تلك التجاوزات والفوضى التي ادت اليها وما ترتب عليها من آثار وانعكاسات خطيرة اصابت مسيرة الاقتصاد الوطني واصبحت تتطلب تدخلا فاعلا وصريحا من قبل أجهزة الدولة المختلفة للحد من تفاقمها حرصا على الاقتصاد الوطني وسمعته وتحصينا للمجتمع الاماراتي واخلاقياته, وتتجسد اشكال التجاوزات تلك فيما يلي: أولا: اغراق السوق المحلية بسلع ومنتجات متدنية الجودة يتم استيرادها من اسواق خارجية ويصار الى تسويقها بأسعار منخفضة وتنافسية تؤثر على اسعار السلع والمنتجات المماثلة لها في النوعية ولكنها عالية الجودة, وبالتالي على التاجر او الوكيل المعتمد للسلع ذات الجودة العالية, وفيما ينخفض الطلب على سلع ومنتجات هذا الاخير فإن التاجر المنافس يحقق مكاسب مادية من وراء ترويجه السلع ذات الجودة المنخفضة, وفي غياب الرقابة والحماية للصناعات والمنتجات الوطنية بداعي الحرية الاقتصادية وسياسة الباب المفتوح نجد ان السلع والمنتجات الوطنية تواجه منافسة غير متكافئة من قبل السلع المماثلة وذات الجودة المنخفضة مما يؤدي الى خروج السلع والمنتجات الوطنية من سوق الامارات. ثانيا: قيام شريحة من التجار والموردين المواطنين والمقيمين باستيراد سلع ومنتجات مقلدة ومغشوشة وخاصة الاستهلاكية الغذائية يضر بسمعة السوق المحلية ويشكل تهديدا خطيرا للانسان وباقي الكائنات الحية, ويؤدي الى تفشي الامراض ومنها المستعصية كما يحدث مثلا في المواد الكيماوية الداخلة في الزراعة ثم السلع الغذائية والاستهلاكية التي يتم تسويقها تحت مظلة القانون ليشكل ذلك تهديدا واضحا للاقتصاد الوطني, واستخفافا بالقوانين والتشريعات المنظمة لحركة التجارة في الامارات. ومن المؤسف حقا ان تجد هذه السلع والمنتجات المقلدة والمغشوشة اقبالا كبيرا من المستهلكين خاصة من قبل محدودي الدخل, او محدودي الوعي الاستهلاكي. كما ان هذه السلع تجد اقبالا من شريحة المستهلكين لتفشي النزعة الاستهلاكية واستشرائها في مجتمع الامارات. ثالثا: لم تشهد اسواق العمالة في العالم تدفقا كما حدث ويحدث في سوق العمالة بالامارات فقد شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات تدفقا هائلا للعمالة الاجنبية ولاسيما الآسيوية وذلك دون دراسة لحاجة السوق لهذه العمالة, وقد تبين ان غالبية تلك العمالة من النوع المتدني علميا وفنيا, وقد حدث تدفق هذه العمالة بسبب قيام الشركات ومنها الشركات الوهمية, باستقدام هذه العمالة دون ان تكون لديها حاجة لهذا الحجم وانما كان هدف هذه الشركات هو تحقيق مكاسب مادية من جراء المتاجرة بالتأشيرات, ومن المؤسف حقا ان تساهم شريحة من المواطنين ومن مستويات مختلفة في هذه الظاهرة بحيث اصبحت التركيبة السكانية احدى المعضلات التي لا تواجه سوق العمل فحسب وانما تهدد كيان المجتمع بأكمله!! فقد ادى هذا الكم الهائل من العمالة ظهور مشكلات امنية واخلاقية واقتصادية واجتماعية تحدثت عنها وسائل الاعلام المختلفة وتناولتها الاقلام الحرة في كثير من المناسبات. ولعل من آثارها السلبية المتزايدة مزاحمتها للعمالة المواطنة, فتفشت ظاهرة البطالة في اوساط الخريجين والعمالة المواطنة فيما اصبحت الشركات الخاصة أو مؤسسات القطاع الخاص تستغل حاجة العمالة الوافدة فتعرض عليهم وظائف بأجور منخفضة وتحت ظروف معيشية صعبة!! ولقد اكدت الحقائق على ان وجود هذه العمالة الوافدة بهذا الكم الهائل انما هو احد افرازات مرحلة غابت خلالها القوانين او تم تغييبها او تعطيلها لتحقيق اهداف شريحة المتاجرين بأمن الدولة واقتصادها ومجتمعها. رابعا: ان وجود نقص او ثغرات واضحة في التشريعات الاقتصادية, او وجود نقص في هذه التشريعات ثم عدم التطوير او اعادة النظر في تلك التشريعات وعدم مواكبتها للتطورات العالمية ادى الى تزايد الجرائم الاقتصادية التي تؤكدها بيانات الأمن في الدولة سواء تلك المتعلقة بهروب رؤوس المال او جرائم التحايل, الغش التجاري, النصب والاحتيال, ثم جرائم غسيل الأموال هذا فضلا عن جرائم اكثر تطورا هي الجرائم الالكترونية باستخدام التقنية العالية وهذه الانواع من الجرائم تؤكد على وجود الظواهر السلبية والفوضى المستشرية في السوق التجاري التي سوف تترك اثارا سلبية تهدد سمعة الاقتصاد وتقاليد السوق واعرافها!! خامسا: لقد شهدت السنوات الماضية اشكالا اخرى للتجاوزات للقوانين التجارية في سوق الامارات, ومنها الاستغلال حيث عمدت شريحة التجار وبعض الشركات الى الاستخفاف بقوانين الدولة وتشريعاتها, واستغلال ثغرات القوانين فيها لتحقيق مكاسب مادية آنية من جراء ارتفاع اسعار السلع والخدمات التي تقدمها لجمهور المستهلكين خاصة الضرورية منها. سادسا: ومن الاشكال الاخرى للفوضى التجارية التي تتعارض مع مبدأ الحرية الاقتصادية الاحتكارات وتتجسد اشكال مختلفة من هذه الاحتكارات في سوق الامارات او خدمة ما على تحديد اسعارها وفق مصالحها الخاصة دون مراعاة للمستوى العام للأسعار, او لدخول الافراد, خاصة بالنسبة للسلع والخدمات الضرورية وتعمل هذه الشركات على الحيلولة دون وجود سلع مماثلة لتلك التي تقدمها, والاحتكار ظاهرة تشكل فساداً وعبثا لمبدأ الحرية الاقتصادية الذي تبنته الدولة منذ قيامها, الأمر الذي يتطلب مواجهة صريحة لهذه الظاهرة, خاصة وان هذه الظاهرة قد اوجدتها شركات القطاع الخاص التي في معظمها شركات اجنبية تسعى لتحقيق مكاسب مادية بحتة. ان التجاوزات التي ترتكبها بعض شركات ومؤسسات القطاع الخاص من خلال استغلالها للثغرات القانونية في التشريعات الاقتصادية تشكل تهديدا واضحاً ومباشرا للاقتصاد الوطني وللسمعة التجارية التي تحرص حكومة الامارات على تكريسها وتعزيزها في اطار الحرية الاقتصادية ومبدأ التكافؤ الامر الذي يتطلب من الاجهزة المعنية سواء في وزارة الاقتصاد والتجارة, ووزارة العدل والدوائر الاقتصادية وغرف التجارة تبني ضوابط وقرارات تحد من استفحال الاستغلال والاحتكار والغش والفساد, ويجب العمل على تطوير القوانين والتشريعات الاقتصادية بما يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني ويحد من الظواهر السلبية التي تضر بالاقتصاد والوطن والانسان. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي