اهتم التعاون الاقتصادي الدولي بثلاث نواحي رئيسية كان التركيز عليها منذ عام ,1945 ناحية نقدية ينظمها اتفاقية صندوق النقد الدولي التي انضمت اليها 182 دولة حتى الآن, وهي التي تتضمن مجالات سعر الصرف والرقابة على النقد والتحويلات الرأسمالية, وناحية مالية ينظمها اتفاقية البنك الدولي الذي يقوم بتقديم القروض المختلفة لاغراض التنمية الاقتصادية والبشرية, واخيرا ناحية تجارية ينظمها حاليا اتفاقية منظمة التجارة العالمية الحرة التي انضم اليها حتى الآن 146 دولة. وبعيدا عن هذه النواحي فقد كان هناك اهتمام بعمليات التمويل باعتباره الاداة الرئيسية للتنمية والتقدم الاقتصادي العالمي, وهو القطاع الذي لا تستطيع بعض الدول ان تعيش بدونه, خاصة بعد ان سحب الاستعمار من افريقيا ومن آسيا اغلب ثروتها الاقتصادية في القرنين الاخيرين, وقام بتحويلها الى ارصدة مالية يستخدمها في شراء الخامات التي تنتجها الدول النامية ثم اعادة بيعها لهم كسلع استهلاكية مصنوعة. ومع تغيير الاتجاهات الدولية وبروز طبقة المثقفين عالميا, ومع الغاء الحواجز على تنقلات الأموال في ضوء التنظيمات الاقليمية والدولية الجديدة, انتهى مفعول الأموال كوسيلة وحيدة للتمويل الدولي, لأن المستثمرين الاجانب وجدوا انفسهم امام مشروعات لا تدر أرباحا كبيرة ولا تتفق مع المجهودات والمخاطر التي يتعرضون لها نتيجة استثمار اموالهم خارج بلادهم, نتيجة لضعف البنية الاساسية وتهالكها في الدول النامية, كما وجدوا انفسهم امام رجال اعمال وطنيين يبذلون محاولات كبيرة بغرض تحقيق الاكتفاء الذاتي لمواجهة احتياجات بلادهم المحلية والاحلال محل السلع والخدمات المستوردة. لقد انتشر في النصف قرن الأخير اداتان للتمويل الدولي, اولهما الاستثمار الاجنبي, حيث يقوم المستثمرون الاجانب بتحويل رؤوس اموالهم الى احدى الدول التي يتسع فيها المجالات الاستثمارية المنفردة وخاصة تلك التي تأتي بأرباح سريعة وبصرف النظر عن مدى الاستفادة التي تعود على الدولة المستثمر فيها هذه الأموال لأن الهدف النهائي لهؤلاء المستثمرين غالبا يكون الحصول على ارباح ضخمة وتحويلها الى بلادهم الاصلية. أما الاداة الأخرى للتمويل الدولي فإنه يتمثل في القروض الاجنبية, وهي ايضا لم تعد مقبولة من الدول النامية بعد ان رفضت الدول المتقدمة مساعدتها في اعادة الجدولة وتخفيض الفوائد, خاصة وقد تبين ان جزءا كبيرا من حصيلة صادرات الدول النامية يتم به سداد الفوائد والاقساط المطلوبة دون ان يستخدم في عمليات التنمية وانشاء مشروعات في ضوء خطط التنمية, بالاضافة الى العمولات والمصروفات التي تأكل حوالي نصف القروض الخارجية. كما ان المنح والهبات والمساعدات المالية الخارجية فقد اخذت تتناقص هى الاخرى خلال العشرين سنة الاخيرة, وعلى سبيل المثال اذكر ان المعونات الرسمية الدولية للدول النامية بلغت 8 .58 مليار دولار امريكي خلال عام 1994 بانخفاض قدره 8 .1 في المئة عن السنة السابقة لها وكان لذلك اثره على كافة الدول النامية التي كانت تعتمد على المعونة اعتمادا كبيرا. وفي مصر على سبيل المثال فإن المساعدات الامريكية لمصر خلال العشرين سنة الاخيرة بلغت 2 .21 مليار دولار امريكي تم انفاق اغلبها داخل الولايات المتحدة الامريكية وفي مشتروات عسكرية كان من شروطها عدم السماح بتأهيل او اعداد كوادر فنية صناعية مع قصر الصناعات العسكرية على التجميع بعيدا عن الابتكار, بالاضافة إلى الشروط الاخرى للمعونة التي تقتضي استخدام معظم اموال المعونة في مشتريات من الولايات المتحدة حتى لو كانت اقل في جودتها واغلى في سعرها. كما يلاحظ انه كان لانتهاء الحرب الباردة اثر واضح على المساعدات الدولية حيث قامت بعض الدول الغنية بخفض معوناتها إلى الدول الفقيرة, وقد وضعت شروطاً جديدة لتقديم المنح لها, اهمها تغيير الانظمة الاقتصادية في هذه الدول بما يسمح بتطبيق مبادىء السوق الحرة مع ربط حجم المعونة بمدى النشاط السياسي لهذه الدول, وهي شروط معقدة ومجحفة لذلك وجدت الدول المتلقية للمعونات انه لم يعد من المناسب قبول هذه الشروط, وهو ما سوف يؤدي إلى تقليص هذا البند كوسيلة للتمويل الدولي, وخاصة وان جزءاً من اموال المعونات يتم انفاقه داخل الدول المانحة. من هنا يتبين ان الوسائل المتقدمة للتمويل الخارجي والتي كانت اساساً قويا للتعاون الدولي خلال القرن الاخير, هذه الوسائل لم تعد ملائمة لمقتضيات القرن المقبل, خاصة بعد التغيرات الجوهرية التي سبق الاشارة اليها, الامر الذي يفرض ضرورة البحث عن وسيلة اخرى للتعاون الدولي تمتص غضب وانتقادات الدول الفقيرة, وتفيد في نفس الوقت الدول الغنية التي لا تتطلع إلى دخل اكبر لسكانها على حساب سكان الدول الفقيرة, وسيلة تتواءم مع الزمن الذي نعيشه والذي اصبح يختلف تماما عن الزمن القديم عندما كان الفقراء يعيشون على حد الكفاف دون ان يكون لهم متطلعات او مطالب اكثر من الغذاء الذي يحفظهم من الموت. هذه الوسيلة الجديدة التي يتجه اليها العالم حاليا تتمثل في (الشراكة) التي اخذت تتحقق حاليا في مناطق عديدة والتي تقوم بين دولة ومجموعة من الدول في شكل تنظيم اقليمي, تنظمه اتفاقية تنص على تطوير التعاون بينهما عن طريق المزيد من التعاون الفني لا المادي, اي بتوسيع حجم التجارة بينهما عن طريق زيادة الانتاج القومي, وفي نقل التكنولوجيا وتحويلها, وفي قيام الدول المتقدمة في هذه المجموعة بارسال خبرائها وعلمائها إلى الدول النامية في نفس المجموعة يتولون تطوير اقتصاديات هذه الدول. والاهم من ذلك هو التفكير في انشاء الشركات الانتاجية التي تجمع الادارة الناجحة مع العاملين الاكفاء من المواطنين المحليين دون تفرقة بين جنسية واخرى, وبما يؤدي إلى انتاج السلع التي تحتاجها الاسواق المحلية داخل كافة دول المجموعة على السواء, وهذه الفكرة تمثل تقريبا الفكرة الاساسية للشركات البترولية المختلفة والشركات متعددة الجنسية التي كانت تضم في عضويتها الدول المتقدمة بينما لم تكن تضم عضوية اي من الدول النامية التي كانت تتم على ارضها جزءا كبيرا من عمليات الانتاج بينما النسبة الكبرى من العاملين فيها من جنسيات هذه الدول. ان الشركات المشتركة بالشكل المقترح أصبحت أحسن وسيلة وأفضل طريقاً للتعاون الدولي طالما أشترك في رأس مالها المواطنون من كافة الدول الأعضاء دون تفرقه, خاصة من الدول التي تسمح لها بالعمل على اراضيها وبأيدي عمالها وبتمويل مشترك حسب قدرة كل منها, على ان يتم توزيع أرباحها على كافة الدول الاعضاء حسب نصيب كل منها في المشاركة بحيث لاتفرض قيوداً على تنقلات العاملين بينها أو السلع التي تنتجها والتي تغطى احتياجات أسواقها ويتم تصدير الفائض منها. من هنا أقول ان الشركات العربية المشتركة والتي ينادي بها الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية هي أفضل طريق للتمويل المشترك بين الدول العربية بل ان هذه الشركات عندما تتوسع ويكون لها فروعاً في مختلف الدول العربية فسوف تكون طريقاً عملياً للسوق العربية المشتركة, التي تنادي بقيامها منذ عام 1964. يحيى المصري مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية